شرخٌ آخر
جاءني صباحاً على غير عادته يطرق الباب بقوة فارس مغوار ...حقيقة توقّعنا أن أمراً جلل حدث لأحد الجيران .
أسرع ابني جعفر ليفتح الباب. من شدة ارباكه لبس حذاء بفردتين مختلفتين بالنمرة واللون والجنس فتلك الفردة للرجال والثانية للنساء. ليست مشكلة المهم وصل إلى الباب بسرعة غزال هارب من مخالب نمر يطارده . لم يفكر أبداً بالعوائق التي قد تصادفه من تخبط بالاحجار البارزة رؤوسها أو من قطع البلاط الملساء التي جلبناه لنصفّها جنباً إلى جنب لتكون نقاط ارتكاز لأقدامنا في الشتاء ..كي نحافظ على نظافة الأحذية حتى نصل إلى الشارع الذي بدا لكل زائر لنا بأنه مُزفّت منذ عهد نوح عليه السلام، وما تلك الحفر إلا من ذلك التفجير الرهيب الذي سبب الكثير من التشوهات ليس في شارعنا فحسب. بل في معظم البيوت. حتى بدت وكأنها مدينة منكوبة جراء قصف كبير قلب عاليها سافلها .
وما أن وصل ابني الباب الخارجي . حاول فتحه لكنه نسي المفتاح . والخبط مازال مستمراً لم يخطر على باله أن يطرح السؤال البديهي على الطارق ...
ليعرف هوية الزائر الملهوف
صرخ ابني وهو يرتعش من البرد : أبي هلا رميت لي المفتاح
قمت بخطوات متكاسلة وألعن بيني وبين نفسي هذا الصباح البارد، والذي جعله أكثر سوءاً هذ الضيف الذي عكر مزاجي أكثر من تلك الغيوم التي تجرها الرياح في جميع الاتجاهات، وتذرو قطرات المطر حيثما تشاء . رميت له المفتاح وحذرته مِنْ أن يقع بين بلاطين فتكون الكارثة.
سمعت صوت الطارق صارخاً : ما لَك نائم حتى الساعة يا أبو جعفر ..اصبحت الشمس في كبد السماء
عرفت أنه صاحبي أبو سليم الذي يفيق مع صلاة الفجر ويحاول سقي وإطعام طيوره في الأقفاص .
من سوء حظي أنه يهوى تربية الطيور ....بكافة أنواعها وأحجامها ..ولايتردد أن يجلب طائراً غريباً علم بوجوده في مكان ٍ ما؟ مهما غلا ثمنه.
نظرت إلى ساعتي بعدما سمعت أن الشمس أصبحت في كبد السماء فالغيوم تحجبها تماماً ولا أثر لها على الاطلاق ..رأيت أن عقربي الساعة يشيران إلى الرقمين ( 6.5 ) قلت : لاحول ولاقوة إلا بالله ...
في هذه اللحظة كان ابني يدير المفتاح بالقفل الشبيه بالأقفال ..وما أن فتح درفة الباب حتى ولج إلى (الحوش) باللهجة الدارجة. عندنا أي باحة الدار ويفصله عني عدد من البلاطات .....كم خشيت في تلك اللحظة أن يغزو غرفة نومنا ...فأسرعت بسرعة البرق لأفتح باب غرفة الضيوف. قلت له : تفضل يا أبو سليم .
قال :كيف يهدأ لي البال ..والحمامة الرمادية صاحبة العرف الأبيض طارت إلى سطح بيتكم ...
قلت مبتسماً : ألم تقل أن الحمامة تعود إلى صاحبها أينما رحلت ..
رد ساخراً : هذا ماتقولونه في رواياتكم ياصديقي
أما الواقع فغير ذلك ...وخاصة بعدما أصبحت التفجيرات هنا وهناك ...البشر تشردوا في البراري دون وجهة معروفة.فما ظنك بالحمام ؟
تذكرت ليلة خروجنا من مدينتنا التي تعرضت لشتى أنواع القصف. لم نصدق كيف هربنا بجلودنا ...
قال لي: هل تريد فصلاً تريد إضافته إلى روايتك
اكتب هذا الفصل ....وخرج بعد أن قبض على حمامته ، وكأن شيئاً لم يكن ...
سوى أنه أشار إلى الدخان الذي امتزج مع الغيم بإيماءة تشير إلى حدوث انفجار آخر في مكان ما؟ وبعد خطوات بطيئة فوق القطع الاسمنتية التي كانت تتهز يمنة ويسرة تحت قدميه. توقف فجأة على حافة بلاطة ثابتة
وقال لي مبستماً : على فكرة بدأت بكتابة رواية عن طبائع الجنون لرجال السياسة. على غرار طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد لـ للمفكر عبدالرحمن الكواكبي ....
أدار ظهره مرة أخرى وهو على يقين بأن الواقع أشد قساوة وأكثرحزناً من كل الروايات التي قرأها في حياته ...لذلك تراه متعلقاً بتربية الطيورالتي يراها أرق مخلوقات الله. وجعلها اسرته التي ينام بأحضانها. لعله ينسى ماتعرض من الألم إثر فقده لزوجته وابنته الوحيدة أثناء سقوط تلك القذيفة القادمة من الشمال ...