قصة (جذور /الجزء السادس والأخير)
كان صوت الطرق على باب غرفة ميس، هو من أخرجنا من نوبة الشرود والدهشة التي اعترتنا، تلاقت نظراتنا في سؤال مشترك، من عساه يكون الطارق ياترى!؟ انها ليست العمة بأي حال من الأحوال، فهي لاتطرق الباب في منزلها، كان علي التصرف بسرعة، مشيت نحو الباب، كان ذو العيون النرجسية يقف في نهاية الرواق ، لم يستدر، لكنه قال من فوق كتفه:
_آسف، العمة متعبة بعض الشيء ، على احداكما التواجد قرب سريرها. تلاشت خطواته، لم تسعفني حالة الدهشة التي كنا مازلنا نعيشها للرد عليه، حالما اغلقت الباب، وجدت ميس تقف بقربي، قالت بصوتها المتعب :
_علينا الذهاب للعمة حالا، ستكون بحاجة ماسة لنا، يا لوالدي المسكين، أخبرتني بأن شاحنة اعترضت سيارته وضايقته، اصطدم بشجرة كبيرة، عندما انحرف بسيارته. كانت العمة شبه راقدة في سريرها، والغريب انها كانت بمفردها! لم يكن ثمة أثر يذكر، لا لذو العيون النرجسية، ولا لرفيقه الكهل أيضا، جلست عند طرف السرير، وضعت يدي على ساق عمتي، رحت ادلكها بخفة، رفعت رأسها قليلا وابتسمت بضعف، كانت ميس تقف عند النافذة، وقد ازاحت الستارة قليلا، سمعت عمتي تكلمها بصوت خافت :
_هل رحل الزائران؟. التفتت ميس بكامل جسدها، رمقتني بنظرة جامدة، لم ترد فورا، جلست عند رأس العمة ثم راحت تتخلل شعرها الفضي بأصابعها، قالت :
_عمتي، ارجوك، كفاك حزنا، تعرفين انه لم يبقى لدينا سواك! نحن الاثنتان بحاجة لك، ليس ثمة مايربطنا هنا، لم يعد لدينا جذور!. انكمشت اصابعي على ساق العمة الرفيعة الممدودة، حدقت بدهشة في وجه ميس، ياالهي، هي أيضا تبحث عن جذور، آه، ياللطفلة المسكينة، ظننتها سعيدة هنا!؟ أضافت ميس وهي تطبع قبلة كبيرة، على جبين عمتها قبل أن تنهض، هتفت :
_عمتي! من يكون هذين الزائرين، انا لم ارهما سابقا؟.
_آه، صحيح، انا لم اخبركما! هذا الكهل، انه رفيق والدك الحميم، من العراق، بغدادي الأصل، اما الشاب الذي برفقته فهو ابن شقيقه، اسمه قيصر، كاتب وشاعر، انه في زيارة لكندا ولأصطحاب عمه إلى العراق، يقومان بتصفية أعمال العم هنا، يشعر بأن الغربة انهكته، هكذا أخبرني. رحنا نحدق ببعضنا انا وميس، خيل لي بأن ثمة سؤال كان يود الافلات من بين شفتيها، لكن عمتي سرعان ماتنهدت وقالت بصوت اشبه بالهمس :
_لقد قاما بكل مايلزم من أجل والدك، اكملا كل الاجراءات وعلى احسن وجه، تعالا هنا بقربي، نعم انتما الاثنتان،نعم هكذا افضل. أخذت عمتي تمسح على رأسينا، كنا عاجزتين عن الكلام، هتفت بصوت يقطر حنانا :
_مارأيكما بالعودة إلى الديار، أعني ماذا يحدث اذا جربنا التصالح هناك مع جذورنا التي أوشكت ان تجف!؟ انا لن اجبركما على اي شيء ، فهذه حياتكما، اما انا، فلا اظن ان أحلامي تتجاوز النوم بسلام!. كادت ميس ان تخنق عمتي وهي تعانقها بقوة، قالت :
_لاتتحدثي وكأنك ستموتين الآن، اذا عدت للحديث بهذه الصورة مرة أخرى، فأني سأخاصمك، تعرفين خصامي ها!. تحسرت العمة وهي تبادل ميس قبلاتها المجنونة، ضحكت بشكل صاف هذه المرة، قالت وهي توجه الحديث الي :
_كنت سعيدة لأنني دللتك، الان اصبحتما اثنتان، تعلمان، سيكون دلالي لكما اكبر هذه المرة.،الآن اتركاني ارقد قليلا، وفكرا بموضوع العودة بأهتمام. جلسنا في الصالة الكبيرة، سحبنا مقعدين، وادنيناهما قرب النافذة، ازاحت ميس الستارة جانبا، رحنا نتأمل الطقس في الخارج، قالت ميس وقد كفت عن الطرق على حافة النافذة:
_ما رأيك بنزهة في الخارج، لن نبتعد كثيرا، حول المنزل فقط، ثم نعود، قد تستيقظ العمة. لم تمنحني فرصة للرد حتى، أمسكت بذراعي ثم جذبتني خلفها، شعرت بأن حالتها أصبحت افضل الآن، قد يكون للعيون النرجسية تأثير في ذلك، طيب، سنرى. قالت ميس وهي تشبك اصابعها في يدي :
_ما رأيك في كلام عمتي! لم تكن هكذا، لكن قد يكون رحيل ابي، هو من دفعها لأتخاذ مثل هذا القرار، عزيزتي انت فرد من العائلة، وقد كنت هناك، اذن ماهو رأيك وبماذا تنصحيننا!؟. توقفت خطواتي عند عبارتها الأخيرة، تصفحت ملامح وجهها الطافحة بالبراءة، سحقا، بماذا اجيبها؟ ظننت انني سأجد نفسي هنا، فإذا بي اعيش ذات الضياع! الفرق الوحيد هو انني كنت وحيدة، لكننا الآن عائلة! طيب، هل نحن حقا عائلة!؟ لو استطعت فقط معرفة الجواب، لأصبحت عندها نصيحتي ذات فائدة ربما، قلت لميس وانا اشيح بنظراتي بعيدا عن عينيها :
_ميس، عزيزتي، ان وضعي ربما يشابه وضعك، انا اشعر بالألم حين اذكر الماضي، لكن ما قادني للحضور هنا، هو الضياع! كنت أشعر بالوحدة، حتى وانا محاطة بمن اعتبرتهن صديقاتي، جربت ارتداء ثوبا غير ثوبي فتجرعت الخمر ودخنت السجائر وجربت السهر، ولطالما تسكعت مع الآخرين، اتعرفين، بالنهاية اكتشفت بأن هذا الدرب ليس دربي، أو انني لم اخلق لهكذا حياة، وكأن أحدهم صفعني بقوة، وجدت نفسي اكثر اصرارا للبحث عن جذوري، وقد وجدتها اخيرا!!. راحت ميس تلهث وهي تتابع حديثي، ضغطت على يدي بقوة، قالت :
_هل لي أن أعرف شيئاً عن هذه الجذور التي عنيتها!؟ الأمر يهمني كما تعلمين، ساعديني قبل أن اضيع. قالت عبارتها الأخيرة وهي تضحك مازحة.تنهدت قبل أن أقول :
_انها العائلة، مايخلق لنا جذورا قوية، ومايربطنا بالحياة ليس إلا العائلة، انها امتداد، هل تفهمين ما أعني!؟ فجأة أشرق وجهها، تركت ميس ذراعي وراحت تدور حول نفسها، لكن دون أن تضحك او تصدر صوتا، قالت :
_اذن سنتزوج كلانا، دعينا نبحث عن شخصين يليقان بنا. قالت هذا بكبرياء وهي تتعلق بذراعي وتسحبني بعيدا، همست بأذنها بشيء عن ذو العيون النرجسية، ثم تركتها وهرولت نحو البيت، سمعتها تسب وتشتم وهي تجري خلفي، لكني كنت اسرع منها. جرت الأمور بعد ذلك بأسرع مما كنا نتصور، لقد شعرنا بأن من واجبنا ان نكون بارتين بالعمة، كانت هي الأخرى تبحث عن جذورها، لقد استغرق الأمر منها سنوات لتدرك إن جذورها هناك، في الشرق، وهكذا قررنا نحن الثلاثة وبالاجماع، بأن العودة للأصل هو مانرغب فيه حقا، وفيما يخصني فقد قررت الانتظام في دراستي، والابتعاد عن صاحبات وأصحاب السوء، اما الحب والزواج فقد تركته للقدر! كان لدي احساس بأنه سيكون رحيما بنا، وربما يعود السبب في ذلك للثنائي الجميل واللطيف جدا، واعني بهما ميس وقيصر اللذان ادخلا البهجة لحياتنا الكئيبة. آه، نسيت شيء ، كانت الصبية التي انجباها قيصر وميس شقراء طبعا، وقد تركا لي امر الاهتمام بها، وحجتهما في ذلك كانت، بأنهما لم ولن ينتهيا من شهر العسل الذي كان يتمدد ويتمدد، مرة بعد مرة. (تمت)
بقلم /رعد الإمارة /العراق