تحيةٌ طيبةٌ...
قبلَ عامٍ مِنَ الآن وَ نَيِّفٍ، كَتبَتْ الاستاذةُ (بهيجة خضور)..
{الحياةُ دارُ تعبٍ و بلاءٍ، لكن مهما قَسَتْ علينا، فإنّ اللهَ تعالى لا يُكلِّفُ نفسًا الّا وسعها...}
* ماذا تريدُ بهذا الايجازِ البسيطِ؟
* هلْ له علاقةٌ بموضوعِ تعليقنا؟
* أم أنّ ديدنَها في الحياةِ تبني مقدماتٍ على أُسسٍ إيمانيةٍ، لِتحيا مخرجاتٍ واقعيةٍ مثمرةٍ؟
وقعَ تحتَ ناظري نصًّا شعريًّا، لمْ أقرأ لكاتبتهِ سابقًا للأسف...
أسعدني جدًا، و دخلتُ عليهِ من بابِ التعليقِ، لكني تتبعتُ خطواتِ نظمهِ و رسمتُ لهُ هدفًا، ألتمسُ مِن كاتبتهِ العُذرَ، إنْ كنتَ مجافيًا لحقيقتهِ!
النصُّ:- بلا عنوانٍ، من وحيِّ صورةٍ.
الكاتبةُ:- بهيجة خضور من سوريا
التعليقُ:- صاحب ساچت
المصدرُ:- ملتقى جسرُ المحبةِ.
تقديمٌ:-
نَجَا.. يَنْجو، بمعنى تَخَلَّصَ من الهَمِّ و الخَطرِ الذي فيهِ، و الأسمُ: مناجاةٌ.
و غالبًا ما تبدأُ المناجاةُ بحرفِ النداءِ (يــا..) و هو أكثرُ أدواتِ النّداءِ استعمالًا، للقريبِِ و البعيدِ.
و مِن فنونِ بلاغةِ اللغةِ العربيةِ: المجازُ.
و هو 'مناجاةُ' الكاتبِ لشيءٍ ما، ليسَ هو المخاطبُ الحقيقيُّ!
و هذه المناجاةُ.. أقوالٌ أو سطورٌ أدبيةٌ تُعَبِّرُ عمّا يدورُ في الشخصيةِ من أفكارٍ و مشاعرٍ، يُخاطِبُ فيها شخصًا غائبًا، أو شيئًا مجردًا، تجعلُ المتلقي يقفُ على حقائقَ تَحدِثُ في الواقعِ، من خلالِ نصٍّ أدبيٍّ، منها مناجاةُ النفسِ، للتعبيرِ عن المشاعرِ عندما يكونُ الانسانُ لوحدهِ!
الآن..
ما علاقةُ الشّكوى بالمناجاةِ؟
المناجاةُ نوعٌ أدبيٌّ، بينما الشّكوى مناجاةٌ باكيةٌ.
تقعُ بينَ الدّينِ وَ الأدبِ، وَ كلاهما قولٌ و فعلٌ يجسدان علاقةً بين اثنين... بين شخصٍ و ربِّهِ، بينَ شخصٍ و آخر، بينهُ و بين نفسهِ، أو شجرةٍ، أو بحرٍ أو جبلٍ...
و المناجاةُ - من دعاءٍ و ابتهالٍ من العبدِ إلى ربهِ .. إلى شكوى وَ ترددٍ وَ خوفٍ- سرعانُ ما تحوّلتْ نوعيًّا، و اختصَّ بها فصيلٌ معينٌ من الفكرِ و التعبيرِ في الثقافةِ و الفلسفةِ الاسلاميةِ، لهُ سماتُهُ الخاصّةُ بهِ، و هو فصيلُ (المتصوفةُ) في الثقافةِ الاسلاميةِ. و يَعتقِدُ بعضُ الدّارسين..
'أنّ المتصوفةَ هم مبتكرو أدبَ المناجاةِ!'
الموضوعُ:-
بدأَ النصُّ بمناجاةِ الشاعرةِ، لبحرِ أحزانها المضطربةِ، و بثُّ شكواها.. لكن لسانُ حالِ البحرِ لا يعبِّرُ الّا بالصَخْبِ!
فَلُججُ الأمواجِ تنتَحِبُ و هي تتكسرُ على صخورِ الشاطئ، لا تحملُ الّا تَشظّي مساراتها و اِندحارها عندَ نُقطةِ النهايةِ، و الشاعرةُ متمسِّكةٌ بايداعِ أشواقها ثنايا الأمواجِ، و تُشَبِّهُ أَنفَةَنفسها باعماقِ البحرِ المضطربةِ، و تعطي مسوَّغًا لذلك حين تنقلُ صورةً مؤلمةً لقلبٍ يخفقُ و ضلعٍ يرتجفُ و أهدابٍ تَرقُبُ.
و لا يمنعُ ذلك مراقصةَ طيفَ (الحبيبِ) في الأحلامِ، بعدَ استحضاره من الشريان و هو ينسابُ مع الدَّمٍ، فضلًا عن مسامرةِ البحرِ و تبادلِ الرسائلِ معهُ عندما يَخِطُّ على الرّمالِ أسطرًا، تقرَأُها الأمواجُ، و يَحِنُّ البحرُ لدمعِ العاشِقِ المنسكِبِ، بينما سحبُهُ تطيرُ بها الرياحُ بعيدًا دون ان تَهطُلَ عليهِ طَلًّا...
بَلْ يُسْدي نصيحةً بأن يُوكِلَ آمالَهُ و يودِعَها مَنْ بِيَدِهِ قلوبُ الخَلقِ.
هذا النصُّ.. فيه لمسةٌ من الشعرِ الصُّوفيِّ التَعبُّدِي، و حَدٌّ وجدانيٌّ يُدْخِلُ الطّمَأنينةَ إلى القلبِ، بتعبيرٍ رمزيٍّ، استعملَ رمزَ "البحرِ" و مكنوناتِهِ، لأنَّهُ عالمٌ مجهولٌ.. و واسعٌ، لكنهُ ملاذٌ لِمَنْ يَشعرُ بالوحدةِ و يذهبُ إليهِ لمناجاتهِ و الشكوى لهُ، كما يقولُ الحَلّاجُ:-
{ البحرُ بحرانِ مركوبٌ و مرهوبُ!}
الخُلاصَةُ:-
و نحنُ نُقلّبُ النّظرَ في كلماتِ هذا النصِّ.. وجدَنا أنَّهُ يُلهِبُ مشاعرًا و يُثَوِّرُ وجدانًا، لأنَّ أصلَهُ الصفاءُ، يُزكِّي النفسَ و يُطهِّرُها من أدرانِ الجّسدِ، إلى أن يصلَ الانسانُ إلى مرحلةِ محبةِ اللّٰه و الفناءِ فيهِ و الإتحادِ بهِ!
{أُحُبُّكَ حُبَّينِ .. حُبُّ الهوَى... و حُبٌّ لأنكَ أهلٌ لذاكَ}(رابعة العدوية).
و هذا دليلٌ دامغٌ على صِلَةِ الأدبِ.. بالدِّينِ!
{لَمْلِمْ رُؤاكَ، و أُوكلْها لِذِي أملِ
بهِ البَرايا مَنَ الآمالِ.. تَقترِبُ}
(بهيجة خضور).
هذه هي رسالةُ القصيدةِ/النصِّ (كما أرى متواضعًا) التي ارادَتْ الشاعرةُ أن تُوصِلَها للمتلقّي، بعدَ اِستدراجِهِ و الأخذِ بناصِيَتِهِ، إلى سجودِ الإيمانِ و القناعةِ، بأن الهَمَّ لا يَنزاحُ الّا برحمةٍ مِنَ اللّٰهِ سبحانه...
{ ... ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ ...} آل عمران- ١٨٥.
مع أطيبِ التحياتِ
(صاحب ساچت/العراق)
في أدناه النصُّ موضوعَ التَّعليقِ:-
من وحي الصورة
أواهُ يا بحرَ أحزاني وتعرفها
أشكو إليك وأنت الصامتُ الصّخِبُ
ماذا أقول وأشواقي أخبّئها
في حضن موجك يرثيها وينتحبُ
انت المثيل لروحي في مواجدها
تبدي السكون وفي الأعماق تضطربُ
والقلب يخفق من وجدِ ومن ولهٍ
والضلع يرجف والأهدابُ ترتقبُ
أراقص الطيف في الأحلام يرمقني أهفو إليه وفي شرياني ينسربُ
أخطُّ سطراًعلى رملٍ وأسألُكَ
أصخو إليك تُناديني فأقتربُ
تقول:كم مرَّ بي من عاشقٍ دنِفٍ
ما غيّضَ الهجرُ دمعاً راح ينسكبُ
وكم همَتْ ديمي من عين بارقةٍ.
طارت بها الريح يحدوها الهوى التعِبُ
لملمْ رؤاك وأوكلْها لذي أملٍ
به البرايا من الآمال تقترب
ودّعتُهُ وبقلبي ألفُ نائحةٍ
تشكو الى الله همّاً ليس ينسحبُ