قصة طويلة
سندباديون
المقطع الرابع
كم أجهد ذهنه ، ليستعيد معالم واضحة لوالده؟ فلا يجني : عدا ذلك الرحيل المكلل بصمته . و الجلبة و الرداء الأبيض، وبقعة الدم المقعّرة التي استحوذت على صدره . و العصابة البيضاء المدماة. وذهول العيون .و ملامح والدته . و مزق ثوبها . و عري صدرها . و الثديين العاريين. و الشعر المنثور. و الفزع الذي جال بعينيها .
تتأجج لهفته ، مهما كانت ملامح أبيه إنه يشتهيه عرّيكا مع أُمه . أو يبكيه، كما يفعل الآباء الآخرين. إنه .. يحلم به يتوعده. يضربه على قفاه ضرباً مبرّحاً . يشتهيه .. أن يدعه يهرب خارج البيت، و يقذف الباب بالحجارة، كما يفعل الأبناء الآخرين مع آبائهم .
يريد أباً .. يشتمه و يتوعده. كم تحرّق إلى ذلك ؟ لماذا حرم من هذه الأشياء؟ كم البكاء جميل من أجل ذلك ؟
ولّودي .. جرّب هذا مع أُمه . وقف خلف الباب، و قذفه بالحجارة ، وهو يصرخ بأعلى صوته و يشتمها. ثم قذف الباب بالحجارةمرة أخرى. لكن الأُم ظلت تبكي . بكت صامتة. ثم ندبت أباه. ظلّت طيلة الوقت تردد مراثيها . ما الذي أثاره و لّودي ؟ أي باب فتح ؟ ما الذي يقوله لها و يبرر فعلته ؟ هل يقول لها :
ــ أُريد أباً يعاقبني ، كما يفعل جارنا مع ابنه ؟
هو لا يستطيع أن يشرح الأمر، لكي تفهم ماذا يعنيه ذلك .
ربما ستقول :
ــ وهل أنا أب؟ أنا مجرّد امرأة بلا زوج .أنا لست رجلاً يعلّم ولده كالآباء.
سفح ولّودي دموعه على صدر أُمه. فتحسست الدموع،تنساب ساخنة فوق صليب الثديين، فسألته :
ــ ما الذي يبكيك ؟
لم يجب . لا يرغب أن يثير شجونها .. فاكتفى بهز رأسه نافياً .
ــ أنت غاضب منّي ؟
يهز رأسه نافياً
ـ إذن ما الذي يبكيك؟:
ــ رأسي .
ــ أتريد حبّة رأس ؟
يرفض يُحلّق . لا يتذكر ملامح أبيه . ففي هذه الصورة المعلّقة يبدو الأب صغيراً . يتذكّره أكبر ، وله صوت لم يسمع له شبيهاً. يتذكّر غناءه. و الآم مستلقية على السرير، عاقدة يديها تحت رأسها . و تسمع صامتة مشغوفة .ترجوه بعينيها أن يستمر . لم يغن لأحد قط .
* * *
تمسح الأم على رأسه، كما فعلت في وفاة أبيه و بمناسبة مرور أربعون يوما على رحيله .
وبدت تروي له عن تلك الليالي وودموعها تهمي :
ـ كم كنت سعيدة ؟ كنت ــ قبل زواجنا ــ أنتظره في الليل ، و أنا أفتح درفة الباب قليلاً ، فتتوالى إطلالة رأسي عبر الزقاق. حينذاك.. موعد رجوعه إلى أهله .كنت أطلّ برأسي، وأنا متعبة من انتظاري الطويلِ . فيلوحَ لي عائداً. إنزوي و قلبي يضطرب. يقترب وقع قدميه. أمكث مختبئة ، و قلبي ممعن بطراده. كم كان خجولاً. كنت أنتظر أن يقول لي شيئاً .. يخطف و ثيابه تكاد تلامس وجهي.. النسيم الذي تحدثه ثيابه يداعب و جنتيَّ . لم يعطني شيئا غير ذلك. ً. كنت في كل ليلة أواظب في مكوثي. عازمة أن أناديه لو جاء. وكنت عازمة .. أن أبوح له بحبي ، ما دام لم يتجرأ على ذلك . في كل مرة ، قبل مجيئه ، كنت عازمة أن أمسك بيده و أجره إلى الداخل و أتحدث معه طويلاً . فهـــو يدرك و يتحسس انتظاري . ووجودي في انتظاره تفضحــــه عينــــاه، و ارتباكــــه الخاطف ذاك.
كل ما يتمنّاه ولّودي ، أن تتوقّف عن حديثها لكي يتوقف نحيبها .
: ـ شاهدته تلك الليلة يطل عبر الزقاق . ظلّ قلبي يخفق . و اشتدت ضرباته كلما اقترب. حتى إذا أمسى في متناول يدي، أمسكت بثيابه و سحبته إليَّ، دون أن أتجرأ بقول شيء مما عزمت عليه. كان وجيب قلبي قد اكتسح حنجرتي ، فعسر عليَّ أن أقول شيئاً. ولم يقل هو شيئاً. ربما فوجئ بما حدث . فاختطفت قبلتي المهووسة و هربت إلى الداخل .
كم كان خجولاً؟ كم كان وديعاً؟ لم أعطه أكثر من هذا لاحقاً . لم أطل مرة ثانية.
ظلّ المسكين ـ كما أخبرني فيما بعد ـ يتردد على الباب ، دون جدوى . كنت أعجب من جرأتي تلك ، أنا الفتاة الخجولة .كيف أقدمت على ذلك ؟ بعدها.. ابتعدت منزوية ، حتى حان زواجي .كم تحدثنا عن تلك الليلة ؟
همت دموعها ؟ مرددة ذكريات تلك الليالي العذبة . كأنها تخاطبه . أمّا ولّودي فلم يقل شيئا. كل ما يتمنّاه: أن تتوقف عن حديثها لكي يتوقف نحيبها .
* * *
يتحسس ولّودي قعر الزجاجة، التي هي أمله في لقاء أبيه . بدت تشع بعد غسيلها. و تماما كما يفعل حمّودي . اجتاحته رغبة أن يبحر مع ألوانها .
عند لجوئه إلى حضن أُمه، دفن عينيه و أنفه بين ثديي والدته .لا يريد أن يفقد ما يتراءى له. هو يريد أن يشاهد أباه.يريد أن يشاهد أُناس السماء.وبحر السماء . و عالم السماء .
قالت أُمه :
ــ هل ما زلت تبكي ؟
قال :
ــ الصدق يا أُمي ... ؟
قالت :
ــ وهل تكلمنا الكذب ؟
قال :
ــ الصدق .. إني أبكي من أجل أبي. أنا ما زلت صغيرا .و أُريده أن يداعبني و يبكيني. أن أراه في أي زاوية من السماء .
قالت أُمه
ــ الحق .... طلبت حقّك يا بني. هل أبخل عليك بشيء؟.. إذن اذرف دموعك على نحري.
ذرف دموعه على نحرها بغزارة وهو يصرخ ، و انهمرت منزلقة إلى برزخ الثديين.انبهرت عينيه من ذلك الوميض الساطع . أفزعه ذلك الصريرلأَضلاعها. أبصر صدرها يُشرّع على سعته.
تناولت الأُم قلبها و رئتيها . قالت لولّودي كأنها تتكلم وهي نائمة :
ــ خذهما بين يديك.
قال باكياً:
ــ هل بوسعي أن أقتلك يا أماه ؟
قالت:
ــ لا .. إنهما منذوران لك دائما .أَدِرْ وجهك إلى الخلف .
رفعتهما بين يديها .. فتألّقا . .انشق القلب على سعته، و أطبق على أضلاعه بين دفتيه. و الرئتان التصقا على ذراعيه، فتحوّلتا إلى جناحين و قالت:
ــ هيّا .. حلّق إلى أبيك و بلّغه اشتياقي.
قال :
ــ أنا اجهل محلّ إقامته..؟
قالت:
ــ قلبي دليلك.
موسى غافل
9نيسان 2002
يتبع