قراءة نقدية لنصي "مرونة" محاولا إلقاء الضوء على ما بين سطوره وكلماته الرمزيه التي تستفز الذهن والفكر.
النص
"مرونة"
أفلحوا بالجغرافيا في وضع حد لمكانه، ارسلوا عليه ريح ترمس آثاره. لم يظفروا في وضعها لكتاباته، خرقت الناموس؛ وطارت بلا اكفان لكل يابسة.
العنوان
يطبع على ذهن القارئ، سيل من التساؤلات، اهمها في اى المجالات كانت المرونة، فهى تختلف في مصطلحاتها من مصدر إلى آخر.
العنوان يمثل إحدى المنصات الأساسية للولوج إلى عالم النص،
وايضا من عتبته تنطلق أولى بشارات التأثير على مخيلة القارئ؛ الذي يقع نظره اولا وقبل كل شيء عليه.
لو بحثنا في الظروف التي افرزت العمل وما يتناول من مدلولات؟
لوجدنا كل مدلول منها يحمل كثير من المعاني.
او ما هى المشكلة الاجتماعية التي يتناولها الكاتب؟
نجد انها انعكاسات متبادلة بين حياته والتجارب التي عاشها. وضعها في معيارين.
المعيار الاول: فكرة النص وهى فكرة اصيلة لدى الكاتب؛ وهي تصور نابع من ذاته للعلن، بمعنى أدق هى فلسفة الناص الشخصية في الحياة، والتي منها تحددت مفاهيمه ومقاصده ودوافعه للكتابة.
المعيار الثاني: هي سيكولوجية الناص الكامنة التي تحدد الحالة الشعورية للكاتب عبر ادراك واحساسه كحالة انعكاسية لما يعيشه أشخاص بعينهم في المجتمع الذي ينتمي اليه، وهو واحدا منهم، أو مجتمع اخر يكره الحرية.
نلاحظ أيضا ان الكاتب قارئ جيد للتاريخ التقطت كاميرا بصيرته الخاصة، بكل براعة ومهارة كمصور فوتوغرافي، حالة كاتب كبير ولد بمدينة قرطبة بالرابع عشر من شهر أبريل عام ١١٢٦ م اشتهر باسم "ابن رشد" بددوا واحرقوا كتبه ومطبوعاته وغيره أيضا كثيرون، ومنهم من قتلوه، فطارت أفكاره مع الهواء ووصلت لكل العقول.
العنوان
مناسب تماما لأحداث النص ويوافق فكرته، العين والقلب يندهشان من بريقه وشدة التصاقه وتعبيره عن الفكرة بدقة متناهية.
مضمونه إنساني واقعي.
تحدث مجرياته في بلدان العالم الغير حر، وفي ظل ظروف أنظمة دكتاتورية.
انها حكاية المثقفين مع بلدانهم، بعد ما أخذت منهم كل غال ونفيس لديهم من فكرهم واعصابهم ودمهم.
العنوان
جاء نكرة، مصدر م ر ن وتعني في المعجم. رشاقة وخفة حركة وسهوله وتغير وانحناء، وهى الحد الأعلى. لما يمكن أن يتحمله جسم بشري؛ من إجهاد وتكدير بال، دون أن ينشأ عن ذلك، توقف في إنتاج فكرة او حركة او توجه، وهى أيضا مرونة الشيء الذي فيه صلابة،
والمرونة سلاسة في سلوك الشخص وتكيفه حسب الظروف ومهارته في الكلام والقراءة والكتابة.
وهي أيضا صفة تدل على الثبوت وهي وصف تطلق على الشخص الذي يستطيع أن يعدل سلوكه لمواجهة التغيرات الصعبة في البيئة المحيطة به. وذو المرونة شخص قوي غير متصلب، مرن الخلق والسعادة، قابل لاستعادة وضعه بسرعة.
هذا وقد اعتمد الكاتب على أفعال اسنادية عدة، تشكلت من أفعال ماضية، بدون استطراد او حشو لغوي، بجمل بسيطة مبتعدا عن الجمل الطويلة والمركبة، فجاء النص مكثف، فالجمل الفعلية تدل على الحركة في النسيج الدرامي، لتسريع الأحداث وتفعيل الحبكة من خلال تتابع الأفعال الماضية مثل "أفلحوا... ارسلوا"
" أفلحوا بالجغرافيا في وضع حد لمكانه"
الجغرافيا مكان وموقع يستخدم للتعريف عن نقطة على سطح الأرض، نجح او افلح نظام، يأخذ شكل الحكم المطلق، حيث تكون سلطات الحكم محصورة في شخص واحد كالملكية او عسكرية فاشيستية، أو حزب سياسي واحد يمارس كل السلطات ويرفض تداولها مع أحزاب أخرى.
وذلك لتحجيم صاحب رأي تقدمي ووضعه في حيز ضيق حيا او ميتا.
"ارسلوا عليه ريح ترمس آثاره"
وردت كلمة ريح في القرآن الكريم ثمانية عشر مرة بمعنى عذاب، وهنا بمعنى هواء يدمر قبره. او الشاهد المبني على الأرض والذي يدل على مكانه، او بمعنى محاصرته وأعاده عن مراكز الإشعاع الفكري للقراء.
"لم يظفروا بوضعها لكتاباته"
بمعنى إفساد مفعول كلماته واذهاب بريقها ولى معانيها، بكتابات سفسطائية معارضة لمنع كتابته من الظهور للعلن او الانتشار.
كتاباته خرقت قوانين الطبيعة التي فرضوها على جسده، أو بوأد أفكاره وحجبها عن القراء او الفصل بينه وبين قراءه بقول كلمات خرقاء تفسد معاني الكلمات، او أنسابه إلى منظمات يطلق عليها إرهابية.
طارت كتاباته إلى أماكن لم يريدوا ان تصل إليها، أو إلى كل العقول الشابة النيرة.
شكرا جزيلا لمجلة القصة الرائدة.