✍️ فادي زهران
( قطعة حجر حمراء )
في سبعينيات القرن الماضي .. كانت سيّدة شابة في نهاية الثلاثينات من عمرها تدعى أم أيوب و هي امرأة طيبة بسيطة تحاول تقبّل واقع حياتها الصّعب ، زوجها رجل سيء الطّباع عصبي متقلّب المزاج ، لديهما ولدان و بنت واحدة : أيوب في المرحلة الثانوية ، رائد في المرحلة الابتدائية ، ملاك في الخامسة من عمرها ...
أبو أيوب يعمل بائع بسيط يبيع الصحف و المجلات ، لم يكن يستطيع تأمين متطلبات ما تحتاجه الأسرة في كثير من الأحيان و لم يكن يهتم أصلاً ، أم أيوب تعمل في مساعدة إحدى البيوت الغنيّة و تقوم بأعمال المنزل من طبخ و تنظيف و غسيل ، تتقاضى مبلغاً شهرياً زهيداً سرعان ما ينفد قبل إكمال المشتريات المرادة لأولادها ، منزل أم أيوب متواضع جداً أشبه بالخرابة ، يفتقد إلى الكثير من الأثاث الأساسي الموجود في أي بيت متوسط الحال ، لَم يكن لديهم هاتف طبعاً ، ينام كل منهم بدون سرير ، خزانتهم تكاد تحتوي على القليل من الملابس لكي تسترهم و تقيهم من برد الشتاء أو حرارة الصيف ، و كان أبناؤها يعانون الكثير ...
في يوم من الأيام ذهب كل منهم إلى عمله كالعادة ، كان أبو أيوب قد خرج باكراً جداً بعد الفجر مباشرة ، وقف في أحد الشوارع ، فتح علبة سجائره ، أشعل سيجارته الأخيرة ، وجهه شاحباً ، و ملابسه قديمة باهتة ، وضع بعض الصحف و المجلات عند إحدى الزوايا لعلّ أحداً يشتري منه ، كان الشارع فارغاً ، أغمض عينيه قليلاً لا شعورياً ، ربما من شدّة التعب و اليأس ، و بلحظة مفاجأة كان الصراخ يملأ المكان ، صوت غير بشري ، يتصاعد كموجات عالية جداً ، يصحبها طنين مزعج في أذنيه ، يظهر مخلوق ضخم ، هو وحش بكل معنى الكلمة ، على هيئة الضّباع الشّرسة ، أنياب طويلة سوداء ك مصاص الدماء ، أذنين طويلتين ، عيون مرسومة بشكل طولي ، يقترب كثيراً من وجه أبي أيوب ، يشم رائحته من رأسه إلى أسفل قدميه ، بعدها يتمركز بأنفاسه الساخنة فوق رأس أبي أيوب الذي لا يساوي شيئاً مقارنة بحجم ذلك المخلوق ، يصرخ بصوت مرتفع لدرجة يكاد فيها يظن أبو أيوب أن طبلة أذنه قد ثقبت ! كان الصّوت مزعجاً جداً ، كلمات تكاد تكون غير واضحة قالها المخلوق أثناء صراخه الفريد : " أنا الفقر ، عدو الراحة و البشر ، تخلّص مني مستغلاً الوقت دون هدر ، أو ستغدو في خطر ، لكن إلزم الحذر و من ضربة الغدر " ! و تابع صراخه المخيف حتى شعر أبو أيوب بيد على كتفه تحركه ، ليفتح عيناه ، و يجد أحد الأشخاص يطلب منه أن يبيعه إحدى الصحف . انتهى ذلك اليوم و أبو أيوب لم ينس ما شاهده في حلم يقظته ..
سافرت العائلة الغنية للذهاب إلى أحد الأماكن السياحية ، أوصوا أم أيوب بالاعتناء بالبيت و تنظيفه بشكل دائم ، كانت تنظف بيتهم بكل إخلاص ، أصبح البيت فارغاً ، رنّ الهاتف ، ردّت أم أيوب : مرحباً ، أصحاب البيت قد سافروا . ردّ عليها صوت غريب أجشّ خشن سبقته ضحكة صفراء مستفزة : " أعرف ذلك ، لا أريدهم ، اسمعي أيتها المخلصة الساذجة : البيت فاخر جداً ، أعلم الأماكن السرية الخاصة بالمجوهرات الثمينة ، إذا أردتِ سأدلكِ و أرشدكِ إليها ، و ستصبحين غنيّة جداً ، و سأساعدكِ فقط بمجرد قول نعم " خافت أم أيوب و ارتبكت كثيراً ، أغلقت الهاتف بسرعة ، دخل التّوتر و القلق إلى قلبها ، لم تكمل تنظيف البيت في ذلك اليوم ، غادرت فوراً إلى منزلها ، و العقل بات شارداً ، و البال أضحى مشغولاً ..
أخبر الأولاد أمهم أنهم بحاجة الى حاجيات مختلفة ، كان الطّعام قليلاً جداً يكاد ينفد ، انقطعت الكهرباء بسبب تراكم الفواتير ، لم يعد هناك مياه ، احتارت الأم ، زاد القلق ، تفاقمت الهموم ، حاولت أم أيوب إخبار زوجها بمتطلبات الأولاد ، لم يهتم كالعادة ، صرخ بصوت مرتفع : ليس لي علاقة بأولادك ِ.
خرج أبو أيوب باكراً كعادته إلى عمله ، كان مستاءً جداً ، الجو بارداً جداً ، الضّباب يغطي الشارع ، وقف أبو أيوب في إحدى الزّوايا ، لم يكن يرى حتى إصبع يده من شدّة الضّباب ، فجأة عاد نفس الصّراخ العجيب ، و نفس العبارة بالصّوت الغريب : " أنا الفقر ، عدو الرّاحة و البشر ، تخلّص مني مستغلاً الوقت دون هدر ، أو ستغدو في خطر ، لكن إلزم الحذر و من ضربة الغدر " ! تأكد عندها أبو أيوب أنه لم يكن يحلم ، زادت الحيرة ، اشتد التّفكير .
عادت أم أيوب إلى تنظيف البيت ، فكّرت في تشغيل المذياع حتى تتسلى أثناء التنظيف و لكي تبدّد رعبها الذي سيطر عليها في المرة الماضية ، كان المذياع يبث أحد برامج المسابقات : أهلا بكم في برنامج فرصة تعادل عمرك ، لنبدأ باستقبال المتصلين ، مرحباً ، من المتصل ؟ ليعود نفس الصوت الغريب بطريقة أكثر استفزازية : هيا أيتها الساذجة قولي نعم ، و سأدلكِ على مكان المجوهرات الثمينة ، بعدها صمت المذياع وحده .. ازداد خوف أم أيوب ، تركت البيت و عادت إلى منزلها ..
ما زال الصوت الغريب في أذني أم أيوب ، عاد أبو أيوب في المساء ، طلب تناول العشاء ، كان البيت يكاد يكون خالياً من الطعام و الشراب ، لم تجد أم أيوب سوى قطعة جبن صغيرة مع رغيف خبز لتقدمه لزوجها .. ازداد سخط الزوج و قال : ما هذا الحال ؟! قطعة جبن صغيرة هل تكفي زاداً لرجل يكِد و يتعب طوال النهار ؟! ، بعدها ترك الطّعام و ذهب يمشي في الطرقات ، كان يفكر كثيراً ، و يقول لنفسه : متى سأصبح غنياً ؟ متى سآكل و أشرب كما أشاء حتى أشبع ؟ متى سأرتدي أجمل البدلات ؟
يستمر أبو أيوب في التفكير في ذلك الصّوت الغريب ، و يقول في عقله : أحلم طوال عمري في أن أكون غنياً ، و ها قد وصلتني إشارة من حيث لا أدري ، ربما تنتظرني فرصة العمر ، ربما .
في نفس الوقت كانت أم أيوب تفكر في ذلك النداء العجيب ، و ترى أولادها كلّ يطلب و يشكو و يبكي ، وهي تشعر بالحسرة الشديدة و قلّة الحيلة .
مرّت الأيام ، ضاقت الأحوال ، زاد الاستياء ، كان أبو أيوب شارد الذهن عندما جاء إليه رجل غريب الهيئة بملابس رسمية سوداء و قبعة طويلة ، و أسنانه ذهبية اللّون ، بينما أبو أيوب يبيع الصحف و ينادي ببؤس عميق ، قاطعه الرجل : مرحباً ، كيف حالك ؟
ردّ عليه أبو أيوب : أهلاً . تفضل يا سيدي ، بم أساعدك ؟ فليس لدي سوى الورق كما ترى .
الرجل : شكراً ، لا أريد شراء الصحف ، سمعت أنك كنت حارساً لإحدى المزارع الخاصة بأحد الأغنياء .
أبو أيوب : نعم ، لكنني تركت ذلك العمل ، فقد كان مالك المزرعة سيء الطباع و بخيلاً جداً ، و أردت أن أجعل عملي باختياري دون أن يتحكم بي أحد .
الرجل : اطمئن ، أنا رجل غني ، و أكرم من يعمل لدي ، أريد حارساً أميناً .
سوء حال أبو أيوب جعله يوافق دون تردد . أخبره الرجل أنه سيمر عليه غدا باكراً حتى يصطحبه و يدلّه على مزرعته لكي يستلم عمله . استبشرت العائلة خيراً بالعمل الجديد ، تم الاتفاق ، ذهبا إلى المزرعة ، أخبر الرجل أبا أيوب أنه سيعمل بالتناوب مع حارس آخر ، و بإمكانه أن يستبدل و يغيّر وقت مناوبته متى شاء سواء ليلاً أو نهاراً . باشر العمل ، كان مريحاً و هادئاً جداً ، نوّع أبو أيوب في أوقات المناوبة ، تارة نهاراً و أخرى ليلاً .
عادت العائلة الغنية من سفرها ، بينما أم أيوب تنظّف بيت العائلة الغنيّة ، طلبت صاحبة البيت منها أن تذهب لشراء بعض الفاكهة و الخضروات ، كانت أم أيوب تسير في السوق ، أرادت شراء بعض الباذنجان ، وقفت عند أحد المحلات ، لم يعجبها شكل الباذنجان الموجود أمام المحل فعلامات الذبول واضحة جداً ، أخبرها البائع أن تدخل إلى المحل و ستجد الباذنجان الأفضل ، دخلت إلى المحل ، كان فارغاً من الزبائن ، و معتم قليلاً ، تقدّمت أكثر ، زاد الظلام ، سمعت صوت يضحك باستفزاز و يقول : ما زلت عند كلامي أيتها الساذجة ، أعلم أسرار تحقيق المال الوفير ، قولي نعم ، و سأدلكِ . عندها شعرت بالرعب الشديد ، و ركضت متجهة إلى بيتها ، و الخوف يسيطر عليها .
أراد أبو أيوب أن يستلم مناوبة اللّيل ، في إحدى اللّيالي بينما أبو أيوب في غرفة الحراسة في المزرعة ، و الجو بارداً جداً ، كان أبو أيوب يشعل ناراً داخل وعاء يحتوي الحطب ، شعر بالدفء فغفت عيناه ، ليشاهد نفس المخلوق الغريب الذي شاهده من قبل ، يقول له : أعلم مكان خزنة ذهب موجودة في إحدى غرف البيت الكبير هنا في المزرعة ، اسمع التفاصيل جيدا و ركّز : اذهب عند الغرفة الثالثة باتجاه اليمين ، هناك مدفأة كبيرة بداخلها عند الجهة اليسرى يوجد باب حديدي قم بفتحه باستعمال المطرقة الموجودة عند اسطبل الخيول ، بعدها ستجد خزنة رمزها السري هو " ذ*ه*ب*د*و*ن*ت*ع*ب " هيا تحرّك و اذهب إلى الخزنة و خُذ الذهب . استيقظ أبو أيوب بعدها ليجد الحطب قد سقط من الوعاء بعدما حرّكه بقدمه أثناء نومه .
دارت الأيام ، و التفكير بالرجل الغريب قد سيطر على عقل أبي أيوب ، في إحدى الأوقات قرّرت أم أيوب أن تخبر زوجها عن الحوادث الغريبة التي تحدث معها فحاولت فتح باب الحديث ، لكنه لم يعطها أي فرصة ، و قاطعها بقوله : أنا متعب جداً ، لا أريد سماع سيمفونية المتطلبات التي لا تنتهي . عندها اضطرّت أم أيوب للصمت .
جاء وقت القرار ، قرّر أبو أيوب أن يذهب إلى مكان الخزنة ، اتفق مع الحارس الآخر أن يستبدلا وقت المناوبة ، انتظر أبو أيوب حتى الثالثة فجراً ، ذهب بعدها إلى المنزل الكبير الموجود في نفس المزرعة ، دخل إلى الغرفة الثالثة باتجاه اليمين ، رأى المدفأة الكبيرة ، كان هناك بداخلها عند الجهة اليسرى باب حديدي ، حاول فتحه ، لم يستطع ، تذكر أن ذلك الرجل الذي رآه في حلمه قد أخبره بضرورة استخدام المطرقة الموجودة عند اسطبل الخيول ، ذهب و أحضرها ، حاول فتح الباب الحديدي ، تمكن أخيراً من فتحه ، ليجد خزنة الذهب الكبيرة ، غمرته السعادة ، في لحظة واحدة شعر أن كل مشاكله قد حلّت و تبدّدت ، أراد فتح الخزنة ، تذكر رمزها السري ، أدخله ، فتحت الخزنة ، لينصدم بالمنظر المدهش ، العديد من الذهب ، قطع و سبائك و مجوهرات ، و ما إن مدّ يده ليمسك إحدى القطع الذهبية ليشعر بضربة على رأسه من الخلف ، أفقدته الوعي . مرّت الساعات ، حلّ الصباح ، فتح أبو أيوب عينيه ، وجد نفسه مقيّداً بالسلاسل الحديدية ، و وجهه يؤلمه جداً من كثرة اللّكمات و الجروح ، سمع ضحكة صفراء تمتزج بها أنفاس الحقد و الغدر ، التفت ليجد ذلك الرجل صاحب المزرعة و بيده كتاب أحمر صغير . عندها قال أبو أيوب بدهشة كبيرة : ما الذي يحدث ؟! قال الرجل : راهنت على نفسك الأمارة بالسوء و نجح رهاني ، نعم .. نعم الذهب مغري يا صديقي ، و أنا لن ألومك ، لكن يؤسفني أن أخبرك أن كل هذا الذهب هو حديد مطلي و مع مرور الوقت ربما يزول الطلاء و يصدأ ! كنت أتتبعك من بعيد ، و تأكدت أنك ستضعف أمام ذلك الذهب ، اسمعني الآن جيداً : أعلم كل شيء عن عائلتك ، و أعرف أن زوجتك تعمل عند إحدى البيوت الغنية ، هذا الكتاب الذي بيدي هو كتاب يحتوي على أساليب و حيل نفسية سحرية تجعل الإنسان يصاب بالهذيان و يتخيّل الأوهام و يدخل في حالة أحلام اليقظة دون نوم ، و قد قمت بتجربته عليك و على زوجتك ، و لم يكلّفني ذلك سواء رؤيتك أو رؤية زوجتك حتى لو كان من بعيد ثم أقرأ من الكتاب لتعمل الوصفة السّحرية .
قاطعه أبو أيوب : لماذا ؟! لماذا فعلت ذلك ؟
ردّ الرجل : لا تقاطعني و إلا حوّلتك إلى خنفساء صغيرة ! ، جرّبته عليك و على زوجتك لأنني أعلم بسوء أحوال معيشتكم ، و أردت استغلالها ، عن طريق تخويفكما من الفقر الشديد ، و جعلكما تطمعان في الذهب ، كل ما رأيته أنت هو محض أوهام و تخيّلات و حيل قرأتها عليك من كتابي هذا ، كما أن زوجتك قد أصابها ما أصابك ، لكنها لم تضعف مثلك ، العائلة الغنيّة التي تعمل زوجتك عندهم يملكون ذهباً و مجوهرات ثمينة حقيقية هذه المرة و ليست مزيّفة ، و قد أردت الحصول عليها لكنني احتجت إلى متطوعين ك كبش فداء حتى يساعدونني دون مقابل ، و لم أجد أفضل منك أنت و زوجتك !
خيّم الصمت قليلاً ، بعدها قال أبو أيوب : هل أستطيع التكلم الان ؟
الرجل : نعم يا صديقي ، تكلم ، تفضل هيا !
أبو أيوب : طالما أنك تملك هذا الكتاب السحري ، فلِم لَمْ تساعد نفسك بنفسك ؟ ما الحاجة لي أنا و زوجتي اذن ؟
الرجل : سؤال جميل يا صديقي ، لكن يبدو أنك لم تركز جيداً في كلامي ، حسناً سأضطر لإفهامك للمرة الأولى و الأخيرة ، فصبري ينفد بسرعة ، اسمع يا بائع الورق ! كتابي هذا أخبرني أنه سيساعدني عن طريق حيله و أوهامه و وصفاته السحرية بشرط استخدام أشخاص آخرين حتى يتسلى بهم ذلك الوحش الذي يظهر في الأوهام و الأحلام ف هو أشبه بالكابوس و غير حقيقي ، دوره محدّد فقط بتليغ التحذيرات إلى الأشخاص و إرعابهم بعض الشيء و تطميعهم بالمال .
أبو أيوب : و ما المطلوب مني الآن ؟
الرجل : زوجتك لم يغريها المال ، أريد أن تطلب منها أن تحصل على المجوهرات من بيت العائلة الغنيّة ، و إذا حاولت أن ترفض أو تفكر بالهروب مني ، فلن تنجح ، لأنني سأجدك أينما ذهبت ، و أعرف أن لديك بنت و ولدين و سأقتلهم بدلاً منك ، اذهب و أقنع زوجتك ، هيّا ، أنا أنصحك .
أبو أيوب : حسناً ، حسناً
عاد أبو أيوب إلى بيته ، تحدّثَ مع زوجته ، أخبرته أن هناك حوادث غريبة تحدث معها دائماً ، قاطعها و أخبرها بأنه يعلم كل شيء ، و طلب منها ما قال له ذلك الرجل ، رفضت بشدة ، حاول و حاول بشتى الطرق ، لكنها رفضت ، و قالت : لن أسرق شيئاً مهما حدث .
احتار أبو أيوب ، فكّر كثيراً ، سمع أن العائلة الغنية قد سافرت ثانية ، قرّر استغلال الفرصة ، سرق المفتاح من زوجته ، ذهب ليلاً إلى بيتهم ، بحث في كل الأماكن ، وجد الخزنة أخيراً ، فتحها ، تأكد أنها مجوهرت حقيقية ، ذهب إلى المزرعة ، التقى بالرجل ، شكره الرجل كثيراً و أراد مكافأته لإخلاصه و صدقه ، أعطاه عقد ورقي يجعله مالكاً لمحل كبير لكي يبيع فيه الملابس الفاخرة و أخبره أنه محل كبير يستطيع تقسيمه إلى فرعين ، فرع للملابس الرجالية و آخر للملابس النسائية ، فرح أبو أيوب جداً ، و أيقن أنه قد تخلّص من الفقر نهائياً ، قرّر أن يجعل الأمر مفاجأة لزوجته ، و قام بطلاء المحل كاملاً باللّون الأبيض لونها المفضل ف أصبح ك قلعة ثلجية و اعتبرها أميرة هذه القلعة ، عاد إلى زوجته ، بشّرها ، قال لها أن صاحب المزرعة قد كافئه لأنه أمسك بأحد اللصوص الذين حاولوا سرقة المزرعة ، اقتنعت الزوجة ، اقترح عليها أن تدير فرع الملابس النسائية ، وافقت على الفور ، ذهبا سويا في اليوم التالي إلى المحل ، فتحا الباب بسعادة عارمة ، ليجدا نفس الرجل و معه أبناءهم ، أخبره الرجل أنه نسي اخباره شيئاً مهماً ، و هو أن عليه أن يقدّم هدية لذلك الوحش مقابل تركهما يعيشان مع أبنائهما ، احتار أبو أيوب و زوجته كثيراً ، بعدها سألاه عن نوع الهدية ، أجابهم أنه يريد قطعة حجر حمراء كبيرة ، و عليه أن يقدّم الهديّة خلال ساعتين دون مغادرة المحل ، شعر أبو أيوب بالصدمة الشديدة من صعوبة الشرط ، قرّرا البحث عن حجر أحمر رغم يقينهما بأنهما لن يجدان شيئاً داخل المحل الذي بات أبيضاً بالكامل كالقلعة الثلجية !
مضى نصف المهلة ، ازدادت الحيرة ، استمرا بالبحث ، لكن دون فائدة كالذي يدور حول نفسه ، بقيت ثلاث دقائق فقط ، عندها قال الرجل : لقد فقدت الأمل في إيجاد أي حجر أحمر حتى لو كان حصاة صغيرة ! يا لهذا الشرط ما أصعبه ، مِن أين لي بحجر أحمر بين هذه القلعة البيضاء ؟ و ما إن أكمل آخر كلمات جملته حتى شعر بضربة قوية على رأسه من الخلف ، ليلتفت و قد دارت به الأرض ، إذا بها زوجته تمسك بحجرٍ أبيض وجدته بالصدفة مكسور عند عتبة المحل صار أحمراً من لون الدماء ! و تقول له : عذراً يا زوجي العزيز ، يبدو أنك لم تفهم تلك الجملة التي كنت تسمعها منذ البداية :" أنا الفقر ، عدو الراحة و البشر ، تخلّص مني مستغلّاً الوقت دون هدر ، أو ستغدو في خطر ، لكن إلزم الحذر و من ضربة الغدر " ! و أنا خفت على نفسي و أبنائي من الفقر و الضياع ، كما أن ذلك الوحش كان يظهر لي مثلك تماماً ، كنت ساذجة في البداية لكنني تعلّمت بفضل ذلك الرجل ..
ليموت أبو أيوب بعد تركه بدمائه ، و يحضر بعدها ذلك الرجل و يستلم الهدية و يسلّمها أولادها ، حيث كان متأكد ممّا سيحدث و غادر ضاحكاً ، فوصفات كتابه نجحت في إيصاله لمبتغاه من حصد للمجوهرات و التفريق بين أسرة بفعل الخوف من الفقر الذي بات شبحاً يهدّد الجميع ، فالحذر الحذر من ضعف الايمان و فقدان الثقة و قلّة الإحسان و تضييع بوصلة الوجدان في هذا الزمان .
✍️ فادي زهران