قراءتي
للقصة القصيرةسالومي للكاتب المصري: محمد كمال سالم
بداية لنقرأ القصة
###########
سالومي
يأبى هذا العام أن يمضي بسلام.
جاءنا اليوم خبر وفاة زوجة أحد الأصدقاء، متأثرة بالوباء اللعين.
خرجت أنا وزوجتي في احترازية شديدة، سنسافر لقضاء واجب العزاء، فمثلهم لا يجوز أن نتأخر عنهم.
زوجتي مازالت تبكي، تتمتم بكلمات أكاد أتبينها، أحاول التركيز في قيادة السيارة، خطوب تلتها خطوب هذا العام، أجهدت الروح، تبعث على اليأس الشديد.
في صغرنا، في مثل هذه الأيام كنا نستعد لنحتفي بقدوم عام جديد، ننتظر دقات منتصف الليل، ننتظر الدنيا التي سوف تتبدل، سنصبح في عهد جديد.
تبينت بعض من همهمات زوجتي:
_الوباء، حسبته أسطورة تروى في الحواديت، ذريعة تستخدمونها في قصصكم لغياب بطلها دون مبرر.
غامت السماء فجأة دون مقدمات فوق الطريق الزراعي، تجمع سحاب أسود كثيف، وكأن الليل قد هبط قبل موعده، ثم زمجرت السماء بالرعد وأبرقت!! ثم أمطرت وابلا شديدا.
زحف الوحل على الطريق وأصبح زلقا، لم أستطع السيطرة علي عجلة القيادة، انحرفت السيارة يسارا، انزعجت زوجتي وسيطر عليها الخوف، مالت السيارة واستقرت على جانب الطريق، فأصبح البقاء فيها ضربا من المجازفة، فغادرناها وقلت لزوجتي:
_همي بالسير، القرية القادمة أعرفها فقد قضيت فيها عقدا من صباي.
عندما اقتربنا، لاحظت تغير المكان، كانت مجرد قرية بيوتها من الطين، أرى الآن تطاولا في البنيان، وأبراجا عالية احتلت مكان أبراج الحمام.
لم يكن لدي وقت للتأمل، أو الاختيار، طرقت أول باب صادفنا، كان لبيت فخم من طابق واحد.
كانت الدنيا قد أظلمت، وغرقت أنا وزوجتي في الماء والوحل.
لم يطل انتظارنا ، حتى فتحت لنا الباب سيدة ، وأمرتنا بسرعة الدخول، وكأنها كانت تنتظرنا!!
زاد من دهشتي شكلها، هيئتها التي لا تناسب هذه القرية، و ثيابها التي لا تناسب هذا الطقس، شقراء في ثوب أزرق بهيج يكشف عن مفاتنها، أحسست لأول وهلة أني أعرفها، أكدت لي نظراتها المترقبة المرتابة هذا.
أسرعت إلينا بمناشف، وبالغت في الاهتمام والترحيب بزوجتي.
دلفنا إلى بهو كبير، تراص فيه بعض من علية القوم يحتفلون، يشربون، ولكنهم كالأصنام، أو كأنهم خُشب مسندة، يتوسطهم سيد قعيد علي كرسي متحرك، قدمته لنا السيدة:
_السيد عِفَت صاحب القصر!
رحب السيد بزوجتي التي لم تلاحظ ريبتي، ثم أخذتها السيدة المتبرجة وانتحت بها جانبا، وبقيت أنا مع السيد عفت، فقلت له:
-ألا تذكرني؟
-وهل أعرفك؟
-ربما لا، ولكن مثلك يعرفه الكثير من أمثالي، هي أجيال كاملة تعرفك، فأنت أستاذنا، وأنا تلميذ من مدرسة نهجك المقدس، ما يشغلني هو كيف اجتزت كل تلك الاعوام، رجل في عمرك من المفترض أنه الآن .....
قاطعني قائلا:
-من بين الأموات.
ثم ضحك ساخرًا.
دنوت منه وهمست إليه:
-أراك كسيحًا في مقعد متحرك، لكن وجهك ينبض بالشباب،
-من هؤلاء الأصنام؟ وكيف لهذه السيدة أن تكون في بيتك؟!!
-كيف تآلفتما وتعرف أنها عاثت في القرى إفسادا وتشريدا؟
-كيف وتاريخك المقدس؟!
قال في بلاهة: هي من بعثت فيَ الحياة، بفضلها مازلت موجودا وسأبقى.
قلت له:
-من أوجدها بيننا ذات الثوب الأزرق الفاضح!! من؟!
وجدته مازال على ضحكته البلهاء،
نالني الغضب، تَلفّت حولي أتفرس في المكان، صحت فيهم:
-ما الوقت الآن؟
-هل خبأتم الأذان، كما خبأتم المسجد؟!
-وأين زوجتي؟
قال السيد ضاحكا: هاهي زوجتك، لم تغادرك بعد، ثم أردف:
-افتحوا هذه الستائر.
نظرت خارج النافذة، فإذا الشمس مشرقة، مروج خضراء، قبة ذهبية وأطفال بسطاء يمرحون في سعادة.
أسرعت، أمسكت يد زوجتي، هممنا بالخروج، فتحت الباب، وجدت الظلام ومطرًا كالسوط لفح وجنتينا، عدت مندهشا، أنظر خارج الباب، ثم خارج النافذة!!!
ضحك مني السيد ساخرًا، قال مشيرًا للنافذة: هذا هو الماضي الذي لن يعود، ولن تعود تلك الأطفال، ولا أشجار الزيتون.
أما هنا فهو الحاضر ومستقبلك معنا.
خارج الباب تمشي إلى المجهول وحدك، ومن هم علي شاكلتك.
فَرت زوجتي من يدي إلى ذات الرداء الأزرق وقالت: فلنبق هنا، إني أحببتها، وتعلقت بها.
اشتاط غضبي، قررت ألا أنصاع لرغباتهم، عدوت نحو النافذة، قفزت من خلالها، فلم أجد أرضا تحملني.
######################
#############################
قراءتي للقصة القصيرة/سالومي/ للكاتب محمد كمال سالم
بداية نحن أمام قصة قصيرة اعتمدت الرمزية ابتداءً من القصة المعنونة بسالومي ...من هي سالومي ..لاشك أن الكاتب يدرك تماماً اللغز الحقيقي الذي يختفي وراء هذا الأسم ..
**إذا لابد لنا من تسليط الضوء على العنوان ...وكما يعلم الجميع بأن العنوان هو الواجهة الإعلامية لأي نص سواء أكان شعراً ، أم نثراً ...قصة، أو رواية ..وهو المفتاح الدلالي لكوامن النص الإبداعي. لذلك لابدَّ من العودة إلى هذا الاسم ..سالومي ...وما الذي دفع القاص اختيار هذا الاسم ليكون عنواناً لقصته ..علينا أولاً أن نستنبط التاريخ والأسطورة لنعرف أية سالومي يقصدها الكاتب محمد كمال سالم ...
أولاً ـ هناك رواية تقول بأن سالومي هي من النساءاللواتي حضرن عملية الصلب (صلب السيد المسيح)كما ورد في أنجيل مرقس .. وذكر بشكل غير مباشر في انجيل متى تحت مسمى مريم أم يعقوب ويوحنا ..لذلك فقد درج التقليد الكنسي على دعوتها ـ القديسة مريم سالومي ـ
ثانياً ـ سالومي هي أول شاهدة على ميلادالسيد المسيح ابنة خالة القديسة مريم العذراء
ثالثاً ـ سالومي هي شخصية أخرى التي طلبت من الملك هيرودس قتل يوحنا المعمدان بعدما كشف هذا الأخير تلك العلاقة المشبوهة بينها وبين الملك الآنف الذكر
واستخدم الكاتب اوسكار وايلد (١٨٩١) سالومي في إحدى مسرحياته مقتبساً من العهد الجديد ...حيث يصل بطل مسرحيته هيرودس في وقت متأخر إلى بيت ما؟...وماهو هذا البيت إلّا بيت للدعارة ..وكل الأدوار تؤديها مومسات أو زبائنهن ...حيث نرى سالومي ترقص من أجل هيرودس مقابل قتل يوحناالمعمدان فيما بعد حيث يرضخ الملك أخيراً لطلبها ...
رابعاً ـ سالومي هي صيغة المؤنث من سليمان وهو الصيغة اليونانية من شالوم ...بمعنى السلام وهو مشتق أيضاً من اللغات السامية من شالوم أو سلام أوسلمى في العربية والتي تعني السلام ...
من خلال العنوان الذي هو تشويق للقارئ ليسبر أغوار القصة
فياترى ما الرابط بين سالومي وأحداث القصة التي نحن بصددها وهل هناك علاقة ما بين الشقراء في البيت الذي لجأ إليه بطل قصتنا مع زوجته وبيت سالومي لاوسكار وايلد المحرضة على قتل يوحنا المعمدان ...سيتضح ذلك من خلال أحداث القصة ...
** الاستهلال اعتمد الكاتب على حدث هام جداً سيطر بشكل فظيع على العالم وأصبح شغله الشاغل الوباء العالمي (الكورونا ) كوفيد 19 الذي حصد آلاف الأرواح وعلى إثره تراجع اقتصاد الكثير من البلدان ومثل الآخرين يقوم بطل القصة وزوجته للقيام بواجب العزاء ..
حيث نجد الكاتب يلجأ إلى الكلمات الدلالية المرمزة (يأبى هذا العام أن يمضي بسلام ) ( في مثل هذه الأيام كنا نستعد لنحتفي بقدوم عام جديد ...ننتظر دقات منتصف الليل ...سنبصح في عهد جديد ) وكأنه يربط بين سالومي التي حضرت ميلاد السيد المسيح و الزمن الذي جرت فيه أحداث القصة ...أي اعتمد على في البداية على سالومي القديسة ...
الكلمات ..سلام ....عهد جديد ...منتصف الليل ...كل ذلك يشير إلى ماسبق من الحديث عن سالومي ...الوقت المتأخر .. انجيل العهد الجديد عند اوسكار ....منتصف الليل ...وصول الملك هيرودس بوقت متأخر إلى ذلك البيت ..
( الوباء حسبته أسطورة تروى في الحواديت ) أي وباء يقصده الكاتب وأية أسطورة إن لم تكن أسطورة العبور التي تحولت إلى كوابيس أقلقت مضجع الإنسان الذي كان يعيش بأمان ...وماكانت تلك الغيمة المرافقة بالرعد والبرق إلا كارثة جاءت في وقت غير مناسب ومتى كانت للكوراث موعد
ومتى كان للإنسان من الكارثة مهرب ( همي بالسير ، القرية القادمة أعرفها فقد قضيت فيها عقداً من صباي)
إذا بطل القصة لديه ذكريات مع بيادر القرية وبيوتها وأزقتها وأشجارهاقبل إن تقتلعها يد الغدر ..
وكيف لم تلحق بها الأذى والجرافات قد فعلت فعلها وحولت تلك البيوت الطينية إلى كتل اسمنتية خالية من ملامح الماضي الجميل ...وسكنت تلك البيوت وجوه غريبة (أرى الآن تطاولاً في البنيان وأبرجاً عالية احتلت مكان أبراج الحمام )
ويستمر الكاتب بعرض الأحداث عن طريق السرد والحوار حتى نهاية القصة وهو يغوص في عمق حكاية قديمة جديدة ..حكاية الاستيلاء فكرياً واقتصادياً على أبناء القرية التي هي نموذجاً لبقية القرى والبلدات وربما للأوطان فيما بعد حيث تمتد أذرع الأخطبوط لتسولي على الأراضي ولاتكتفي أبداً وإنما تريد سلب الإرادة المتبقية لدى من بقي مخلصاً لأغصان الزيتون ويعز عليه ظل تلك الأشجار .. ونرى من يركض جرياً وراء السراب ومايسميه المعارضين لسياسة الرضوخ وفرض الشروط بالتطبيع عن طريق الشقراء ...سالومي بين قوسين التي سيطرت على الجميع
(ضحك مني السيد ساخراً ...هذا هو الماضي الذي لن يعود ....ولا أشجار الزيتون ..أما هنا فهو الحاضر ومستقبلك هنا)
ولحظة الاستنارة هي مع الأسف تتزامن مع الانكسار الذي لاجبر للخواطر فيه إلا بانبعاث بطل من الماضي وآحياء صلاح الدين من قبره لينصر يوحنا المعمدان ويأخذ بثأره من سالومي وعشيقها الملك هيرودس ويفضح مؤامرة أولئك الصامتين على جريمة اغتصاب أرض سكت حتى أقرب الأقرباء عن صرختها
**السرد واللغة والحوار :
اعتمد الكاتب على توزيع المساحات اللغوية في قصته بين السرد السهل دون اسهاب مع حوار مقتضب إلى حدٍّ ما ... استخدم
الكاتب أفعالاً حركية لتوطيد المراد منها ( خبأتم ـ بعثت ـ افتحوا ) وأفعالاً حسية للفت نظر القارئ إلى الخطر المحدق ( نظرت .. وجدت .. لفح )
** الشخصيات : من المعلوم في القصة القصيرة قليلة لاتتجاوز الخمسة ...بطل القصة الرئيسي وبطل مساعد وثلاث شخصيات داعمة فلو عددنا شخصيات الكاتب رأينا الزوج والزوجة ...والمقعد والشقراء ...وتلك الشخصيات الصامتة ...
**التنقلات نجح الكاتب في كيفية التنقل بشخصياته عبر الأماكن الضرورية دون أن يلجأ إلى تنقلات غير ضرورية لاوجود لها دون أن يكون للمكان أثر في ذات البطل ..وشخصيات القصة
** الحبكة : توفق الكاتب في التصعيد بالمواقف الدرامية من السير في الطريق إلى الغيوم التي تلبدت إلى ترك السيارة بعدما استحال السير بها ..اضطرار البطل إلى السير ماشياً واللجوء إلى أقرب مكان آمن ...وهنا تبدأ العقدة حيث يرى مالم يكن بالحسبان، وتحدث المفاجأة حيث يرى معلمه القديم كسيحاً تدير أمره تلك العاهرة صاحبة الثوب الشفاف والتي لاتنمتي بحال من الأحوال إلى هذا المكان الذي قضى عقوداً من صباه .. الصراع بين الماضي والمستقبل والحاضر الذي يقف مكتوفاً لاقرار له ..
ليجد نفسه على أرض هشة لاتحمله
الصدمة والرمزية : ظهرت جلياً من خلال الحوار العبثي بين البطل والمعلم الكسيح والذي يجيب على سؤال بسؤال آخر ومابين الباب والنافذة حيث نجد النافذة ها هي إلا نافذة على التاريخ ...على الماضي الجميل حيث الشمس والأشجار والأطفال ...والباب الذي لو خرج منه لن يجد سوى استمرار العاصفة التي تعيق بطل القصة من الاستمرار والوصول إلى مكان العزاء للقيام بواجب العزاء ...وماذلك إلا ترسيخ للعادات والتقاليد الاجتماعية الأصلية في مجتمعاتنا ...والرمزية الثانية تلك الشخصيات الصامتة التي لاتتحرك ..وكأني أرى كل شخصية تمثل دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن ولايحركون ساكناً رغم ما تجري أمامهم أحداث رهيبة تجاه بعض الدول والشعوب ...وكأن تلك القضايا الإنسانية تأطرت بأسوارقوية، ولايحق لأحد نقاشها
العبرة : ربما أراد الكاتب أن يلفت نظر القارئ إلى مرحلة سياسية عصيبة من تاريخ الشعب الفلسطيني خصوصاً والعربي عموماً وما آل إليه الوضع العربي من تشتت والركض وراء التطبيع الذي ماهو إلا فخ كبير ...يحذرنا منه عن طريق طرح أسطورة سالومي ورقصتها الأخيرة قبل الغدر بيوحنا المعمدان ...فهل تتشابه الأحداث بين الشقراء وسالومي وبين المعلم الكسيح ويوحنا المعمدان .. وبين بيت العاهرة والبيت الذي تحول إلى مكان لسلب العقول في عصر العولمة دون أن يكون لأغلب الشعوب رأيي فيما يجري ...
**الخاتمة: لاشك الحوار الذي دار بين بطل القصة والكسيح
ماهوإلا ناقوس الخطر الذي أشار إليه البطل وتجلى أخيراً في قوله ( فرت زوجتي من يدي إلى ذات الرداء الأزرق ...وقالت فلنبق هنا .. إني أحببتها )
ولم يكن أمام بطل القصة سوى الهروب إلى الماضي عبر النافذة ...(قفزت من خلالها فلم أجد أرضاً تحملني ) الأرضالتي كانت رمزاً للخصوبة والعطاء ..اليوم يعث فيها الفساد ...
قبل أن أنهي ما أردت قوله فقد تمكن الكاتب من استخدام الرمز و الاسقاط الجميل لقصة سالومي على واقع بات شبيهاً لواقعنا، وكأنه يقول التاريخ يعيد نفسه مرات ومرات ....ولكن هل من يتعظ ....
.....عبدالجابر حبيب ......