واقع العدل والمساواة العربي .
بقلم الكاتب والاعلامي :
الدكتور أنور ساطع أصفري .
**********************************************************************************
بكل تأكيد إن العدل هو الأخلاق والقيم والمُثل العليا ، حيث أن العدل هو
بمثابة المؤشّر الإيجابي على سير الحياة وفق المشيئة أو الإرادة السماوية
.
فكلمة العدل هي من أسماء الله الحسنى ، وسبحانه يدرك بأن البشر لا
يستطيعون العدل في الأمور ، وأنهم ينجرفون وراء أهوائهم . لذلك عدالة
البشر هي نسبية وليست مطلقة ، فهناك أهواء وأمزجة ، وهناك زلل وإنحراف .
حيث أن العدالة المطلقة هي فوق مستوى البشر .
سبحانه وتعالى دعا عباده لأن يكونوا عادلين فيما بينهم ، كما أمر الحكّام
بالعدل في الحكم على الناس . فالعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه ، وإنصاف
المظلوم ، ورد الحقوق ، ووضع الأمور في نصابها الصحيح ، والرأي العادل في معالجة الأمور ، وعدالة القضاء في الحكم بعيداً عن منهجية الظلم .
بينما المساواة فإنها تأتي بمعنى أو منحى إيجابي أوسع ، حيث تشمل الحقوق السياسية والإجتماعية والإقتصادية دون تمييز بسبب اللون أو الجنس أو اللغة أو العرق .
وكتاب الإنجيل المقدس تحدّث كثيراً عن العدل وعن المظلومين وعن الفقراء .
والأمم المتحده أصدرت ميثاقها في عام 1948 الذي هو بمثابة إعلان عالمي
لحقوق الإنسان ، وركّز هذا الإعلان العالمي على مبدأ المساواة والحرية
والعدل وسيادة القانون . وأكّد على أن جميع الناس يولدون أحراراً
ومتساوون في الكرامة والحقوق ، وأنه لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق
والحريات الواردة في الإعلان كما جاء في المادة الأولى .
وفي الأوطان لو تحقق الإنصاف وتحققت الأخلاق لما كان هناك تفاوت هائل بين طبقات المجتمع . وأي وطن لكي يُبنى على أُسس قوية متينة لا بد من أن يتساوى الجميع أمام القانون العام الذي يحكمهم . حيث تزول المحسوبيات ، ويزول الفساد ، وتنتهي التجاوزات ، وتنتهي سياسة القمع والظلم والتهميش .
بكل تأكيد إن تحقيق العدل والمساواة يحقق الكثير من الفوائد والثمرات على
الفرد والمجتمع والدولة ، من خلال الإحساس بالثقة والثبات والقوة والعزة
والكرامة ، وتحقيق الإستقرار والطمأنينة في المجتمع والدولة . كما أن
الشعور بالمساواة يقضي على الفتنة والنزاعات والمشاكل الهادرة للطاقات
والموارد ، وتفتح الآفاق للأفكار والإبداعات والإبتكارات ، فتحقيق العدل
والمساواة في الوطن والمجتمع يدفع الجميع إلى الذوبان في المجتمع والدولة وتغليب الشأن العام على الشأن الخاص . وتماسك البنيان الإجتماعي والسياسي ، وإلتفاف الشعب حول دولته وقادتها .
لذلك إذا أحببنا بناء دولة ما علينا الإهتمام والتركيز على دولة المواطنة
، التي يعيش فيها كل الشعب بعدلٍ ومساواة ، حيث تعم دولة المؤسسات ،
والفصل بين السلطات ، هكذا دولة هي دولة الديمقراطية التي يتم فيها
التداول السلمي للسلطة بسلميةٍ مطلقة بقوة الإرادة الحرة للجماهير عبر
صناديق الإقتراع . كما لابد من إعداد المواطن لهكذا مرحلة إنتقالية حيث
سيتم فيها رسم وبناء البنية الأساسية لدولة الديمقراطية ، وإنجاز مشروع
بناء الهوية الوطنية الواحدة والجامعة لكل مكونات المجتمع كأساس وخطوة
مهمة في بناء الدولة .
فالهوية الوطنية لكل مكونات المجتمع ستكون الوعاء الوطني الذي يوثق
ويستوعب كل طوائف ومذاهب وأعراق مكونات المجتمع ، وهذا الوعاء الوطني سيكون بدوره منطلقاً لتحقيق أهداف عليا وسامية نحو كل الوطن وكل مواطن إستناداً إلى منظومة القيم الإنسانية بالحرية والتسامح والسلام والتراحم ، والتي تعزز إحترام وحماية حقوق الإنسان والتعايش السلمي وصيانة وتعزيز الحريات الخاصّة والعامة وإعلاء قيم القانون بما يضمن الأمن والإستقرار الوطني والإجتماعي .
وعند الوصول إلى هذه الدرجة من الفهم والممارسة العملية لمفاهيم دولة
الديمقراطية والهوية الوطنية ستتجلّى عبقرية الهوية الوطنية في التأسيس
الحقيقي لمجتمع الديمقراطية الحديثة الذي سيرى إلى جانبه مجتمعاً
إيجابياً يشارك وبقوة وفعالية في الحياة العامة ، ويقبل بالتداول السلمي
للسلطة ويُقدّس العمل الوطني ، ويعمل في بناء جسور قوية بين مكونات الوطن الواحد المجسّد في الدولة القومية الوطنية وبين المجتمع العالمي لإقرار مبادىء الحرية والعدالة تحقيقاً للسلام والإستقرار الوطني ، وبهذه الحال نكون قد بنينا جداراً صلباً ومنيعاً لصد أي عدوان أو أي محاولة خارجية
للنيل من وحدة وتماسك وقوة المجتمع .
ولكن الواقع الذي يعيش فيه المجتمع العربي بشكلٍ عام وفي ظل غياب العدل والمساواة وإنتشار الظلم والقمع ، هو واقعٌ ذو إفرازات خطيرة ، فهناك فقدان للمناعة الإجتماعية ، وإغتصاب الحريات ، وإهدار الكرامة ، والتلاعب بمقدرات المجتمع والأمة ، وهناك تغييب لحقوق الإنسان ، وتفتيت قيم الإنسان ، وبالتالي فقدان عطاء هذا الإنسان . إضافةً إلى إنتشار فساد
الأخلاق ، وإستغلال واضح وجلي للنفوذ والسلطة ، وهي أخلاقيات تعزّز العنف والكراهية والحقد والعدائية داخل المجتمع . حيث يفقد المواطن الرأي
والعزيمة ، وتتلاشى عنده روح المبادرة ، وبالتالي يعجز عن تحمل المسؤولية
ومواجهة التحديات أيّاً كانت ، وفي الوقت ذاته تتفرعن مراكز القوى في
الدولة وتبالغ في عجرفتها أمام المجتمع ، وهذا من شأنه أن يُفضي إلى
التطرف وإنتشار مفاهيم التشدد والتكفير ، وسيصاب المواطن بالتالي بعدم
التوازن النفسي ، ويقع فريسة الإحباط واليأس والإكتئآب ، وتنتشر من خلال
ذلك الواقع النزعات الإنتقامية ، وينتشر الإنحراف وتنتشر الجريمة وما
يترافق معهما من عنفٍ وعنف مضاد وخراب بنية المجتمع والدولة .
لذلك من أجل الحفاظ على الدولة والمجتمع وبناء الدولة بشكلٍ سليم لا بد
من إرساء قيم أخلاقية وإنسانية كنقطة بداية لصناعة المجتمع والدولة
وصيانتها ، وترسيخ مفاهيم المواطنة والعيش المشترك والسيادة .
فالدول الواعية القوية والتي يسودها القانون نالت حقها الطبيعي في الحياة
الحرة الكريمة والمستقلة . والدول التي يشوبها الفساد وغياب القانون
تفترسها الذئآب البشرية ، وتفقد حقها في الحياة الحرة الكريمة . وهكذا
دول كما هو الحال في الواقع العربي تعيش على الأباطيل والمظالم بإسم الحق والقانون ، بينما القانون هو غائب ومهمّش .
هكذا هو الحال عند الشعوب الضعيفة المتخلفة في ظل غياب العدل والمساواة وفي ظل غياب القانون ومفهوم المواطنة والتعايش الوطني .
قولاً واحداً إن العدل والعدالة والمساواة وإطلاق الحريات وسيادة القانون
مع التنمية المستدامة من أهم مقومات الحياة الكريمة للمجتمع وللدولة ،
وبغير ذلك نستطيع أن نقول بأن الدولة التي يغيب عنها القانون وتغيب عنها
الأخلاق الإنسانية ، هي دولة فاشلة ، وسلطة فاسدة مآلها إلى الزوال .
بكل تأكيد كل مواطن عربي يطمح إلى العدل والمساواة وإطلاق الحريات وسيادة القانون ، لكنه يتألم لأن الواقع العربي المُعاش يسيطر عليه الفساد
وإرهاب الدولة ، وسرقة المال العام ، والمحسوبيات والخيانة ، وإحتكار
السلطة ، وتهميش المواطن ، والقمع والعمالة والإقصاء ، وغير ذلك ، فكل هذه الصفات هي بمثابة شجرة العائلة للّنظام العربي الحاكم مع الأسف .