قصة قصيرة \ ( القــصر الــعــظــيـــم )
حَمَلَ كومةً من الأوراق ، وضعها على المنصة الخشبية أمامه. أدخل يده في جيبته اليمنى. استل قلم رصاص. وضع القلم فوق منفضة الخيزران ،
ثم راح يلقي خطاباً حماسياً عن ضرورة الحفاظ على البيئة في يوم الشجرة العالمي.
صفّقت له الجماهير ، في حديقة الشجر ، المنتشرة من محيط بيت عباس إلى خليج بيت فرناس، وراحت تنشد بصوت جماعي جهوري ، كأنه صوت الكورس في السيمفونية التاسعة لبيتهوفن :
" كلنا للشجر
نحنُ أبناء البشر".
واحدٌ من الحاضرين ، ولا تخبروه أنني أخبرتكم ، أتاه إتصال "فيديو تشات" من إبن عمته ، الناشط البيئي ، والمقيم من دون أوراق إقامة في الولايات المتحدة ، يهنئه باليوم العالمي للشجرة ، والحطب المشتعل يُرى خلف رأسه.
واحدٌ آخر من الجمهور رفع لوحة خشبية نُقِش عليها هيكل شجرة ، وقال : "هنيئاً لأمِّنا الشجرة في
عيدها ".
آخرٌ توجه إلى منتصف القاعة ، شَهرَ سيفاً خشبياً وصاح : " سأقطع يد كلَّ من يقطع شجرة".
وافقه آخرٌ برفعِ فأس ضخمٍ مهدّداً :
" كل من تسول له نفسه قطع شجرة ، سأفجّ رأسه بهذه الفأس القاتلة ".
وبينما كان الجمهور يصفّق ، والخطيب يكمل كلامه في حبِّ الشجرة ، رمى أحد الحاضرين ، بغضب، عقب سيجارته على الأرض. وذلك لأن أول بيتٍ في قصيدته الشعرية " أنتِ يا شجرة" ، لم يروق له كثيراً.
وآخر انزلقت على العشب ، من صحنه ، فحمة أرجيلة مشتعلة ، بينما كان يقرأ قصة إبنه العبقرية عن الشجرة.
وآخر أسقط من منقله لواءٌ فحميٌ مدجج بالقنابل العنقودية ، بعد انتهاء حفلة الشواء على شرف الشجرة.
وآخرٌ ، من شدّة حماسه للشجر في يوم الشجرة العالمي ، راح يلهو ببعض الألعاب النارية ، فطار سهم مشتعل ، من شدّة الغبطة ، وغط على أرض فيها عيدان يابسة ، فأبى السهم إلا أن تشاركه العيدان نار شوقه الوهّاج.
وبعد ساعتين من بدء الإحتفال ، ترك الناس الغابة ، فاشتعلت الأشجار حُرقةً :
" إيلي إيلي . لما شبقتني".
و"شبقتني" بالآرامية تعني "تركتني".
وأكملت الشجر احتجاجها : " لما شبقتني مع جبال الزبالة المتروكة؟ نكاد لا نتنفّس".
فردّت مشاريع النيران القادمة : " لا تخافي يا شجر. سنزيل لأجلك الزبالة".
وفي صباح اليوم التالي، وعلى ساحة الأرض المفحّمة السوداء ، وخرير الماء الخارج من خراطيم الإطفاء ،
واستغاثات الرجال والنساء،
والعجّز يرفعون أياديهم باتجاه الله بالدعاء ،
والزبالة المشتعلة ، مع الشجر ، من شدة الوفاء ،
كان السمسار العالمي أولمرت بريسلي ، مع السمسار المحلي ، رفيق الفردوسي ، خلف جرافاتهما الضخمة ، يوقّعان عقد ملكية الأرض الموعودة.
" سنحول تلك الأرض إلى جنة" ، قال أولمرت بريسلي.
أومأ رفيق الفردوسي برأسه موافقاً.
وأثناء ذلك ، جاءهما اتصال مهم من قائد كبير في الدولة.
ومن شدّة غضب القائد ، لم تستطع ، لا السمّاعة الملتصقة بإذن الفردوسي ، ولا المسافة التي قطعها كي لا يسمعه أحد ، أن تُبقي زعيق القائد مسجوناً بين الأذن والسمّاعة.
قال القائد : " هذه الأرض التي توقّعان الآن على صك ملكيتها هي ملكٌ للناس. أفهمتم؟
هي ليست مشاعاً خاصاً لكما.
أتظنانني لا أعرف أنكما وراء الحريق المفتعل؟
أو أنكما قد استفدتُما من عدم مسؤولية الناس ، وانقضضتما على الأرضِ مثلما تنقض الإمبريالية اللعينة على الشعوب الفقيرة؟ أتظنانني لا أعرف؟ ها! ..... ".
هذا وشوهِدت شلالات العَرَق تتساقط من جبيني برسلي والفردوسي.
إيه والله!
سكتا للحظات. صمتا.
لا يكاد يُسمع شيءٌ غير ضربات قلبيهما.
وما اعتقدناه إنذار سكتات وجلطات قلبية ستصيب الرجلين حتماً ، جاء لنا على شكلِ
قهقهات هستيرية تكاد لا تنتهي.
وكان الصوتُ الجهوري ،على الطرف الثاني من الخط ، يقهقه معهما أيضاً.
عجيب!
وعلى موسيقى قهقهات الثلاثي المرح ،
وقرقعات ما تبقى من خشبٍ مشتعل ،
و طقطقات عدسات الفضائيات المحتفلة بالحدث والإنجاز الكبير،
وعلى صرير الجرافات وهي تقش الحياة ، أو ما تبقى منها ،
اكتُشفت ، أثناء الجرف، جثة طفلٍ محترقة.
وبين ذراعيه المتفحتين ، غفت بأمان الحب لعبةٌ صغيرة.
يبدو أنه كان يحضنها ، يتمسك بها ، قبل أن يداهمه النفس الأخير.
وشوهِدت عدسات الكاميرات ، وخلفها المصورون يركضون.
وشوهد المراسلون والمراسلات يهرعون.
وشوهدت الفضائيات المحلية والعالمية ، الحدث الضخم ، ينقلون.
حدث ما سيقوله أولمرت ورفيق عن مميزات المشروع الكبير.
القصر الحكومي العظيم.
( ربيع دهام)