رسالة اعتذار إلى أمي
أناديك من الأقاصي فلا أسمع صدى لندائي.. غيبك القبر في غياهبه و طواك النسيان.. لكنك تظلين في الذاكرة وبين حنايا القلب شجرة اللوز المزهرة المتوهجة و القمر الذي أنار دربي..
يا أعظم الأمهات و أنبل المخلوقات.. عشت أرملة تطاردين الأيام و تقبضين على الأوهام..
ربيت البنات و رعيت البراعم.. أدخلتهن المدارس و المعاهد و الكليات..
بعت الحلى والأرض و الشجر َ.. بالعلم زودتهن و بالمعرفة توجتهن..
يا أطيب من الطيبة و أجمل من الجمال و أرق من النسمات..
عشت بسيطة عزيزة كريمة النفس غنية الروح..
وجهك الأسمر يلا حقني عبر الأعوام و السنوات.. قهرت الوحدة و الوحشة يا أم الصابرين و تحديت النواميس و الأعراف و التقاليد..
يارمز النضال.. يا نجمة متلألئة في ليل مدلهم.. لو وضعت القمر فوق رأسك تاجا و صنعت لك من النجوم قلائد و أساور لما سددت دينك وو فيتك حقك..
أماه.. أناديك.. فهل تسمعين ندائي؟
قلبي ما عاد يدق إلا لطيفك و انا سجينة الذكريات..
أراك تمشطين شعري و تسوين لباسي و تستعيرين لي من الشمس مصابيح تضيء طريقي.. .
كم تعبت و أنت أمام القدر تطبخين و بالرحى ترحين و بالإبرة تخيطين..
ذبت كشمعة تحترق بعد ليل طويل أضناه السهر..
كنت تطرقين بابي لما يشتد بي هوس القراءة و الكتابة فأعتكف داخل غرفتي و أنقطع عن العالم و البشر.. و تقولين :<< أسماء هل من مجيب؟.. طحنتني الأيام و تملكتني الوحشة و الضجر.. مللت الطبخ و الغسل و الرتق و الكي..
ضعف بصري. ابيض شعري.. وهن جسمي.. فمن يرتق أيامي و يكويها؟
أنا محتاجة إلى رفيق.. إلى أنيس يبادلني الحديث.. >>
فأجيب في صلف الشباب :<< أغلقي الباب دوني و اتركيني. .. دعيني لأفكاري و سحر القلم >>
ومرت الأعوام وأنت صامدة في ضعفك صاخبة في صمتك شامخة .. تتحدين طاحونة الزمن ورتابة الأيام و طول الليالي.
سامحيني أماه.. لم أستطع يوما ضمك و لا استنشاق رائحتك ولا البوح و لا البكاء بين أحضانك.. فنحن جيل تربى على كبت المشاعر و طمس الأحاسيس..
نحن جيل العقد و الهزائم و النفاق و الترميم..
إني أصرخ الآن بعد خرس الليالي و صمت السنين.. << أحبك.. أحبك فهل تسمعين ندائي؟ >>
أسماء المصمودي /تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق