يومٌ رماديٌّ يٌثمر .
نصٌ قصصي .
الكاتب الاعلامي الدكتور أنور ساطع أصفري .
******************************************************************************
تعاريج ومنعطفات دماغي مكتظةٌ صمتاً ، بوحٌ أبكم يُلامس كلّ مسامات جسدي ، همسٌ يلج أحاسيسي ، صقيع شوقي يثلجني ، وصف حالتي لا تليق به أي أبجدية . حتّى الدُمى التي هي من قشّ تصرخ وهي تحترق ، صراخها صامتٌ كالدخان في متحف الظلم ، ككابوسٍ طويل .
اليوم يجب أن أستحم بماء الحقيقة !.
ثلاثة وستون عاماً أنكرني صدرُ أصدقائي ، تنصهر في ذاكرتي خفقات الروح والجسد ، لا أحملُ عكازاً وأنا أُغادر الطريق الصعب بتاريخ عمرٍ من الزمن يطوّقني بيديه العاتيتين ، حفلُ إبتهاجٍ ما كنتُ أملكُ أي مبررٍ لرفضه !.
حضروا بفوانيسٍ ، أضاؤوها ، كانوا حولي ، وكأنهم يريدون القول " بأنّ عليّ شخصياً اطفاء تلك السنين من عمري كجمراتٍ خافتة بين تلك الفوانيس ".
إنهم على حق ، ربما عن وعيٍّ وادراك ، لذلك إنهم يقصدون تنفيذ هذا الطلب ولآولِ مرّةٍ في حياتي .
حدّقتُ مطوّلاً وبذهولٍ مشوّه في الفوانيس ، فرأيتها متهالكة الأنوار قرب أطباق الفواكه والحلوى ، إنها تحترق وتنوس ، كأن الظلام قد أطفأ ملايين البيوت في العالم ، لكني " صاحب الثلاثة والستين فانوساً " بمقدوري أن أُضيؤها وقت ما أشاء وفي اللحظة التي أُقرر .
كان النور المنبعث من الفوانيس باهتاً ، خريفياً كمحطات عمري الرمادية التي مضت دون تجربةٍ حقيقية .
بالأمسِ قالت صديقتي :
أنت بلا رأي . " قالتها هكذا ...
غضبتُ ، فقد كنتُ أظنُّ أنني أتبنّى موقفاً ما ، وأشياءٌ كثيرةٌ تقنعني داخل ذاتي لرفد هذا الرأي في كلّ لحظةٍ بالكلمةِ وبالفعل ، فأنا أملكُ ضرورة التعامل مع المواقف ، حتّى صديقتي كانت ضروريّة خاصّة .
" أنتَ بلا رأي " .
قالتها بحتميةٍ وهدوء ، وبوجهٍ رسمت تقاسيمه شكلاً فوضويّاً من أشكالِ اللؤم ، وكأنها كانت تقتنع تماماً بأن ما افترضته لحظتها كان واضحاً كالشمسِ في عينيها ، لذا انفجرت محاولاً اثبات العكس ، طفقتُ اتحدّثُ عن اشياء ومواقف كنت سببها ، وأخرى لم أكن طرفاً فيها ، لكني اقتحمتها . فسّرتُ صمتها واستماعها لي على أنه نوعٌ من الفعلية الذاتية ، لتفسير الوصفية الشخصية .
هكذا مرّ كل شيءٍ في تلك الليلة ، كقطارٍ رقمه " ثلاثة وستون " مضى حديداً جامداً على الأرض دون مسافرين .
ثلاثة وستون ، محطةٌ لم توضع بها حقيبةُ سفرٍ واحدة ، ثلاثة وستون فانوساً تضيء تحت وهج الشمس ، ثلاثة وستون عاماً تنام قرب بعضها كأوراقٍ خريفيةٍ صفراء ، جافّة ، لا تلبث أن تحملها الريح وتمضي دونما هدف ، ثلاثة وستون عاماً مترهلاً ، بائساً كعجوز شُلّت ساقاه ، يتوكأ عصاً منخورة هشّة .
قالوا " الاحتفال بالعمر ليس إلاّ فاصلة لتطوير الذات ، وسموّها بالانسان نحو الأفضل " .
أعجبني الحديث ، بل راقت لي كلماتهم .
أحسستُ بأنها ستكون فاصلة لالتئآم جرحٍ يتوسد خاصرتي ، وها أنا أقف أمام فوانيسي " الثلاثة "، ينطفىء المكان والزمان ، كلهم يصفقون ، يهنؤون ، يستقبلون صفحةً جديدةً من كتاب " الستين " دون مقدمةٍ أو عقدةٍ أو تسلسلٍ منطقي أو نهاية مشوّقة .
ذهولي يكبر الآن ، يراودني إحساس بأنني أقف على عتبات الفصل الأول ، من العام الأول ، في المحطة الأولى ، سمها كيفما تشاء ، لكنها في النهاية تماماً كاستقبال الأرض البور المجدبة لأولِ قطرةِ غيثٍ حقيقية تتركُ أثراً أبدياً وعمقاً ملحوظاً .
أقبض على نفسي ، أحسُّ بالثلاثة والستين من الزمن التي تطوّقني ، قد صارت حزينة من أجلي ، بل من أجلِ نفسها ، " أيعقلُ أنه لم يكن يُمارس الرأي ؟! " ، إذن ، فما بال الطفولة الضائعة ، الفقر ، العذاب ، السجن ، النفي ، الغربة ، القهر ، التهميش والتشريد ، " كل ذلك بلا رأي ؟ ! " .
إننا ننتظر لحظةً فاصلة ، فاصلة الزمن المفلس ، زمني المنفي والمشرّد على جنبات التاريخ ، كتذكرة سفرٍ غير صالحة ومشوّهة .
مهلاً أيها الأصدقاء ، يجب أن تكون الفوانيس مطفأة . ويجب مطالعة الرواية من صفحتها الأولى ، وعليَّ تجديد التذكرة لأبدأ السفر من هذه المحطة .
قالوا : أنيروا الفوانيس .
قلت : لا ، بل انتظروا قليلاً .
أحسستُ بضياعٍ ذاتي في محطاتٍ متناقضة مليئة بالحواجز ، أزدادُ حماساً كلما أُخالُ " أنهم " يتخذون موقفاً ضدي .
يستولي عليَّ ، بل يداهمني تفكيرٌ فجائي بالهرب ، كما لو أن تلك السنين تنتظم فوق بعضها البعض كحزمة ملفاتٍ أضعها تحت إبطي وأتسلل من بينهم .
كم كنت أتمنى لو قام أحدهم باستبدال الفوانيس بالشموع ، ولكن ! .
أرى الآن من يتقدّم نحوي من بين الجمع المتكتل حولي كألواحٍ زجاجيةٍ صمّاء ، تفتحُ ثغرها باسمةً ، بلمعانٍ متألق في عينيها الوادعتين ، إقتربت منها بخشوعٍ ، تلوتُ قصائدي بمعبدها ،خشيت أن يشتعل كبريت شوقي فأحترق ، تمتمت " سأكون معك حين لا أحد " ، أنفاسها فاحت من كل مسامات جسدي ، رتّلتها بما تيسّر من رغبةٍ ، انفلتت الحزمة عن بعضها ، تناثرت ، راحت تتراقص أمامي على المائدة ، كل مع فانوسه ، كما لو أني أخطو الخطوة الأولى بعد شللٍ دام ثلاثة وستين عاماً .يومٌ رماديٌّ يٌثمر .
نصٌ قصصي .
الكاتب الاعلامي الدكتور أنور ساطع أصفري .
******************************************************************************
تعاريج ومنعطفات دماغي مكتظةٌ صمتاً ، بوحٌ أبكم يُلامس كلّ مسامات جسدي ، همسٌ يلج أحاسيسي ، صقيع شوقي يثلجني ، وصف حالتي لا تليق به أي أبجدية . حتّى الدُمى التي هي من قشّ تصرخ وهي تحترق ، صراخها صامتٌ كالدخان في متحف الظلم ، ككابوسٍ طويل .
اليوم يجب أن أستحم بماء الحقيقة !.
ثلاثة وستون عاماً أنكرني صدرُ أصدقائي ، تنصهر في ذاكرتي خفقات الروح والجسد ، لا أحملُ عكازاً وأنا أُغادر الطريق الصعب بتاريخ عمرٍ من الزمن يطوّقني بيديه العاتيتين ، حفلُ إبتهاجٍ ما كنتُ أملكُ أي مبررٍ لرفضه !.
حضروا بفوانيسٍ ، أضاؤوها ، كانوا حولي ، وكأنهم يريدون القول " بأنّ عليّ شخصياً اطفاء تلك السنين من عمري كجمراتٍ خافتة بين تلك الفوانيس ".
إنهم على حق ، ربما عن وعيٍّ وادراك ، لذلك إنهم يقصدون تنفيذ هذا الطلب ولآولِ مرّةٍ في حياتي .
حدّقتُ مطوّلاً وبذهولٍ مشوّه في الفوانيس ، فرأيتها متهالكة الأنوار قرب أطباق الفواكه والحلوى ، إنها تحترق وتنوس ، كأن الظلام قد أطفأ ملايين البيوت في العالم ، لكني " صاحب الثلاثة والستين فانوساً " بمقدوري أن أُضيؤها وقت ما أشاء وفي اللحظة التي أُقرر .
كان النور المنبعث من الفوانيس باهتاً ، خريفياً كمحطات عمري الرمادية التي مضت دون تجربةٍ حقيقية .
بالأمسِ قالت صديقتي :
أنت بلا رأي . " قالتها هكذا ...
غضبتُ ، فقد كنتُ أظنُّ أنني أتبنّى موقفاً ما ، وأشياءٌ كثيرةٌ تقنعني داخل ذاتي لرفد هذا الرأي في كلّ لحظةٍ بالكلمةِ وبالفعل ، فأنا أملكُ ضرورة التعامل مع المواقف ، حتّى صديقتي كانت ضروريّة خاصّة .
" أنتَ بلا رأي " .
قالتها بحتميةٍ وهدوء ، وبوجهٍ رسمت تقاسيمه شكلاً فوضويّاً من أشكالِ اللؤم ، وكأنها كانت تقتنع تماماً بأن ما افترضته لحظتها كان واضحاً كالشمسِ في عينيها ، لذا انفجرت محاولاً اثبات العكس ، طفقتُ اتحدّثُ عن اشياء ومواقف كنت سببها ، وأخرى لم أكن طرفاً فيها ، لكني اقتحمتها . فسّرتُ صمتها واستماعها لي على أنه نوعٌ من الفعلية الذاتية ، لتفسير الوصفية الشخصية .
هكذا مرّ كل شيءٍ في تلك الليلة ، كقطارٍ رقمه " ثلاثة وستون " مضى حديداً جامداً على الأرض دون مسافرين .
ثلاثة وستون ، محطةٌ لم توضع بها حقيبةُ سفرٍ واحدة ، ثلاثة وستون فانوساً تضيء تحت وهج الشمس ، ثلاثة وستون عاماً تنام قرب بعضها كأوراقٍ خريفيةٍ صفراء ، جافّة ، لا تلبث أن تحملها الريح وتمضي دونما هدف ، ثلاثة وستون عاماً مترهلاً ، بائساً كعجوز شُلّت ساقاه ، يتوكأ عصاً منخورة هشّة .
قالوا " الاحتفال بالعمر ليس إلاّ فاصلة لتطوير الذات ، وسموّها بالانسان نحو الأفضل " .
أعجبني الحديث ، بل راقت لي كلماتهم .
أحسستُ بأنها ستكون فاصلة لالتئآم جرحٍ يتوسد خاصرتي ، وها أنا أقف أمام فوانيسي " الثلاثة "، ينطفىء المكان والزمان ، كلهم يصفقون ، يهنؤون ، يستقبلون صفحةً جديدةً من كتاب " الستين " دون مقدمةٍ أو عقدةٍ أو تسلسلٍ منطقي أو نهاية مشوّقة .
ذهولي يكبر الآن ، يراودني إحساس بأنني أقف على عتبات الفصل الأول ، من العام الأول ، في المحطة الأولى ، سمها كيفما تشاء ، لكنها في النهاية تماماً كاستقبال الأرض البور المجدبة لأولِ قطرةِ غيثٍ حقيقية تتركُ أثراً أبدياً وعمقاً ملحوظاً .
أقبض على نفسي ، أحسُّ بالثلاثة والستين من الزمن التي تطوّقني ، قد صارت حزينة من أجلي ، بل من أجلِ نفسها ، " أيعقلُ أنه لم يكن يُمارس الرأي ؟! " ، إذن ، فما بال الطفولة الضائعة ، الفقر ، العذاب ، السجن ، النفي ، الغربة ، القهر ، التهميش والتشريد ، " كل ذلك بلا رأي ؟ ! " .
إننا ننتظر لحظةً فاصلة ، فاصلة الزمن المفلس ، زمني المنفي والمشرّد على جنبات التاريخ ، كتذكرة سفرٍ غير صالحة ومشوّهة .
مهلاً أيها الأصدقاء ، يجب أن تكون الفوانيس مطفأة . ويجب مطالعة الرواية من صفحتها الأولى ، وعليَّ تجديد التذكرة لأبدأ السفر من هذه المحطة .
قالوا : أنيروا الفوانيس .
قلت : لا ، بل انتظروا قليلاً .
أحسستُ بضياعٍ ذاتي في محطاتٍ متناقضة مليئة بالحواجز ، أزدادُ حماساً كلما أُخالُ " أنهم " يتخذون موقفاً ضدي .
يستولي عليَّ ، بل يداهمني تفكيرٌ فجائي بالهرب ، كما لو أن تلك السنين تنتظم فوق بعضها البعض كحزمة ملفاتٍ أضعها تحت إبطي وأتسلل من بينهم .
كم كنت أتمنى لو قام أحدهم باستبدال الفوانيس بالشموع ، ولكن ! .
أرى الآن من يتقدّم نحوي من بين الجمع المتكتل حولي كألواحٍ زجاجيةٍ صمّاء ، تفتحُ ثغرها باسمةً ، بلمعانٍ متألق في عينيها الوادعتين ، إقتربت منها بخشوعٍ ، تلوتُ قصائدي بمعبدها ،خشيت أن يشتعل كبريت شوقي فأحترق ، تمتمت " سأكون معك حين لا أحد " ، أنفاسها فاحت من كل مسامات جسدي ، رتّلتها بما تيسّر من رغبةٍ ، انفلتت الحزمة عن بعضها ، تناثرت ، راحت تتراقص أمامي على المائدة ، كل مع فانوسه ، كما لو أني أخطو الخطوة الأولى بعد شللٍ دام ثلاثة وستين عاماً .