* الصَّداقة *
تقدم شاب في أوّل سنين تفتح شبابهِ من مقدمةِ الجمهور قائلا :
حدثنا يا أيها المعلم الصديق ما الصداقة ومن هو الصديق.
لم يلبث برهة من الوقت آدم حتى أجاب قائلا وفي عينيهِ بريق حبور وعلى ثغرِهِ ٱبتسامة تجمع بين الثقةِ والفرح :
إنَّ فضاءَ الصداقة يبدو للفؤادِ المقبل على محبَّةِ الحياةِ بلا حدودٍ تحدهُ إذ يمتد فوق علاقاتِ الناسِ ببعضهم ليشمل الجماد والنبات والحيوان وكلّ مَا في الطبيعةِ والكونِ من جمالٍ وكذا يتخطىٰ كلّ ذلك ليبحر بأجنحةٍ من نورٍ مع كلِّ ضياءٍ يفيضُ من العالمِ وكذا ممّا يشرقُ من العقلِ من أفكارٍ ومن القلب من إحساسٍ، فطوبىٰ للذي ذاتهُ ذوبًا تذوبُ في الذاتِ الكليَّةِ لعناق محبّةٍ وصداقةٍ وعشق.
نعم إن الصداقة لا تكون بين الإنسان كفردِِ وآخر أو مجموعة من الأفرادِ فحسب، إنّها تتجاوز ذلك لعلاقةِ محبّة صدقٍ متبادلةٍ بين الإنسَانِ وكلِّ مَا في الوجودِ، إنها تتسع ولو من طرفٍ وَاحدٍ على الناسِ كافة بكلِّ جوهرِهَا الثمين لتصير بخالصِ آمِنةٍ حتىٰ على كلِّ خصمٍ مخاتلٍ وعدّو لئيم، إنها كمَا الحريّة تنطلق في كلِّ روقةِ جمالٍ وكمَا الهواءُ على كلِّ الأرضِ لتنسم الحياة وكمَا الضِّيَاءُ في خفقانِ كلِّ أفقٍ لمستقر الأنوار في ديمومةِ الإشراق، وكذا طوبىٰ للذي صداقتهُ تشمل كلّ ذي نسمةٍ وكلّ إبداعٍ مِنْ تجلي عبقريّةِ رواءٍ وحسان بَهَاءٍ.
ألا بالحقِّ أقولُ يا أخي الإنسان كلّ الناسِ أجمعين لك بَداوة أصدقاء ولكن على ظاهر الصداقة التي في لبّها كل أثامن الصفاء والخير ما لم يتبين لك من أحدٍ أو من بعضهم العداء، لذلك عندما يظهر من شخصٍ ما دخان الكراهيّة وأشْرَاك المكر ويتربص لسوء شرور وكذا يمضي في أفعال الضغينة فحتما ينسحب إلى قائمة الأعداء ما لم يعد لصفاوةٍ من أدرانٍ عن مقتِهِ وغيّهِ وعداوتهِ، لهذا فلتكونُوا جميعا بالمحبّة أصدقاء بعضكم البعض، ولا ينقلب أحدكم لبين يدي أحدِِ عدوا ما لم تكن عليه البينة وَاضحة وما لم ينكفئ عن الأذى والإساءة والجرم وكافة أعمال الفساد والعدوانيَّة.
ألآ ما الصداقة بمعصومة من تسويفٍ وأقنعة عليها من خداعٍ ودجلٍ وإدِّعاءٍ وٱحتيال، كلٌّ ليكن يقظا ثم لا يتوانىٰ رجوعا عن صداقةٍ قد تبينت لهُ إنها من زيفٍ ودلسٍ وٱبتداعٍ.
والصداقة ليست ضعفا يتكئُ عليهِ الإنسانُ خشية رهبة الوحدة وإلّا لن يُبلغ فيها أكثر من ظاهر جميلٍ لأنَّ ذاتها تطلب الأنس عن كُلِّ تبريرٍ متجردةً في صافي الإخلاصِ وفائِقِ الجمالِ للبِّ جَوهرِهَا، كما وأنها ليست عاطفة تطلب حياتها في الآخر لحينٍ وأحايين وإنَّمَا عنهُ تنشد أن لا تزوال بدمعةٍ هتونٍ أو بنبضةٍ على صخرةٍ من جلمود، إنَّها قوّة كامنة فيك يا أيُّها الإنسَانُ إنْ تفيضَ تخيمُ على كلِّ الناسِ بخالصِ المودةِ دون أنْ تختص لهَا من أحدٍ فحسب دون الآخرين، ولا يقدر على فعلها في إخلاص الصدق إلا الشجعان النبلاء، وكذا هي عاطفة تطلب التعاظم في حياتها والنشاطيّة الفعالة الباعثة طاقة حيوية العطاء والتجديد.
والصداقة لحظات تفاعل صادق بين طرفين قد تقصر أو تطول، ولكنها أبدا تبقىٰ بالتوازن الواعي بَهجة حُسنٍ في صحيفةِ مَا كان من ٱجتماع.
إنَّ المحبّة حين تسمو بين إثنين أو أكثر يصير فضاؤها الصداقة وكذا الصداقة حين ترتقي يصير فضاؤها المحبّة.
إنّ الصداقة ترفع مستوىٰ كافة العلاقات لسمو مقام كل منها لفائقِ الصفاءِ، كذا الحريُّ الحبيبُ للحبيبِ صديقا، وكلا الزوجين للآخر صديقا، وبالصداقة تعلو الإخوة لٱرتِقاءٍ أسْمَىٰ، فكونُوا يا أيها الناس فوق كلِّ جميلِ علاقةٍ بعلاقةِ الصَّدَاقةِ حوزا نُوْر الألفةِ تحُوزُون، ألآ ليس كمثل الأصدقاء الأحبّاء من شركاءٍ مخلصين تحفّهم أناشيد أنعم الحياة على أوتار بهجة كلّ لقاء.
إنّ الأصدقاء المخلصين الأمناء في ٱجتماعِهم مثلهم كمثل الزيت والفتيلة وقادح الزَّنْد للسراج المنير بدون مُؤانسَةِ صِدق عناقهم القنديل لا يضيئُ، كذا هم معا لنُورِهم في كاملِ ألفتِهِم لتوهج الحياة.
كن لنفسك صديقا وَفيا لا عدوا خائنا، فالذي نفسهُ بالحكمة لا يصادق لن يقدر على الحقِّ مصادقة أحدا من الناسِ، ولكن كما تحذر نفسك وإن ٱستوت لك في الفضائِل كذا ٱحذر أصدقاءك حذرا خفِيّا جميلا لأنّ الناس ليسوا على ذات الدرجة في سُلّم الٱرتِقاءِ والطوبىٰ للذين استقروا في علياءِ الذات.
ولتعلموا أحبتي إن الصديق ليس محل تجارب وٱختبارات، وليس موضع ظاهر ريبةٍ وشكّ، لأنّ مرتبة الصديق من أحد لأحد لا تكون إلا من بعد أنْ تستوِي لكليهما في مقامِ الصِّدقِ، وهل الذي حاز على رتبةٍ تنزع منهُ من مور أهواءِِ، كلا لا تنزع إلا أن اِرتدّ بخائنةٍ عن الصُّحبَةِ وبِهَا صَار كفورا من الكاندين، ولأنَّ الإنسَان لا يصير لآخر صديقا خالصا صدوقا الحريُّ إلا من بعد أناة ٱختيار، وما مصاحبة الناس ومخالطتهم تعني أنهم الصفوة لِسِرِّ عِشْرَةِ أحدكم الفطِين، فمَا كافة الناس لك يا أخي أصدقاء إلا في عموم الإخلاص في المودة والمحبّة والخير والأدمة والسلام، إذ الصداقة مراتب من أليفٍ جليسٍ لنجِيّ وَلِيّ بيان لعاقلٍ فهيمٍ ليرفع مِنْهُمْ لهُ كُلَّ مُوَانِسٍ صَفِيٍّ خَلِيلٍ.
وهنا أسهم طرفهُ آدمُ بعيدا لكأنما شرع مبحرا عميقا في عالم الذاكرة، ثمَّ أردف منشدا :
عندما تمنحني فؤاد قلبك قبل أنْ أطلبهُ وكذلك أفعل لك، نكون في حلاوةِ الصَّداقةِ صديقين.
عندما يلتقي وَعي عقلينا على الحدّ الذي يكفي لنسير في إتجاهٍ وَاحدٍ حين نلتقي، تكون لي في مَتِين الرِّفقةِ صديقا وأكون لك صديقا.
عندما تحترم بكلِّ صدقٍ ومحبةٍ ووقار فكري وما أشاءُ من معتقدٍ ومن مشيئةٍ لمسلك رحلتي، وتتقبلني كما أنا بلطيفةِ النّصحِ على طريق المعذرةِ والرّضىٰ في الٱختلاف والٱئتِلاف، وكذلك أنا لك أفعل على صلابةِ أساسٍ، نكون من المؤكد في خالصِ العِشرَةِ صديقين محترمين.
عندما تستر عيوبي وتتجاوز عمَّا يصدر مني من هفواتٍ وأخطاءٍ ولا تستبيح ما بين يدي من ثمِينٍ وكذلك أنا لك أكون بكلِّ تقبل طمأنينة ومسرّة محبّةٍ ووفاءٍ، أكون وإيَّاك في نقِيِّ الأخُوَّةِ صديقين أخوين.
عندما أيادينا معا كلما ٱلتقينا على بناءٍ نشيدهُ عاليا، ومعا في الحقل نستنبتهُ لخيرِ الثمرِ وكذا على كلِّ ما نقع عليهِ في كافة ميادين الاِرتقاءِ، ولا من أحدنا معول هدم وتخريب على الآخر، نكون في صراحِ المُعايَشةِ صديقينِ وَقورِينِ بَنائِينِ.
عندما تمتزجُ نفسِيّ في نفسِك وتصير نفسك ونفسي نفسا وَاحدة أو تكاد في شراع سكينة المصاحبة، نكون صديقين حبيبين.
عندما تتعانق روحانا عناقا أبديّا في عمق متسامق نحو الأنوارِ العُلوِيَّةِ العظيمةِ على أجنحةِ ٱنشراحِ المُخاللةِ لكاملِ وِحدتنا في الذاتِ الكُليَّةِ، يكون كلانا لنظيرهِ صديقا عُلوِيّا.
عندما ٱحترم هيئة جسدك في محبَّةِ رضىٰ وإخلاص تقبلٍ كمَا أحب جسدِي على هيئتِهِ وكذلك أنت تفعل، نكون صديقينِ وَاعيينِ.
عندما تنظر في مرآتك فتراني أمامك في صفاءِ الجلِيَّةِ وكذلك أراك في إشراقِ الصَّقِيلةِ, وكذا عندما تسقط الحُجُبُ بيننا لعيانِِ كِلانا في عَيْن الآخر هُو، تصيرُ أنت وإِيَّايَّ يا صديقي في نُور المُصَافاةِ صديقين صَفِيينِ.
عندما يضلّ عني الناس وتحاصرني الظلمة ولا أجد إلا نُورك يضيئُ لي هُدىٰ الدّربِ كمَا السراج الوهَّاج في قبَّةِ السَّمَاءِ وكذلك أنا لك إذ مَا ضربت في التيهِ وألتفت حولك الظلمات، نكون أكيد في سُمُوِّ علاقنا صديقينِ وَفيين.
عندما تتذكرني في ٱشتياقٍ عميقٍ بلهفةِ محبّةٍ في الصَّباحِ وقبيل المساءِ وساعة أوّلِ النعاسِ، وكذلك أنا أفعل، يكون كل منا للآخر صديقا.
عندما تسمع نداء أعماقي وقبل أنْ تبثهُ شفتاي وألبي أنا جوَّانيَّتك، أكون أنا وأنت صديقين.
عندما تكون عاريا لي في العراءِ مهما تواريت وكذلك أكون لك، نكون صديقين.
عندما أكون لظهرك حين يكشف درعا وَاقِيا تتكسر عليهِ سهام الغدر، وكذلك تكن لي، أكون وإيّاك آنذاك صديقين.
عندما أطلبك وللتوّ أجدك بين يديّ وكذلك تجدني دون إبطاءٍ حين تطلبني، نكون أنا وأنت صديقين.
عندما تكون لي أجنحة حرية بلا قيودٍ منطلقة في الفضاءاتِ الرحبةِ، وكذلك أنا لك، نكون قد بدأنا أوّل خطوةِِ حقيقيةِِ في رحلةِ الصداقةِ المقدسة بأنوارِ روحينا.
وهنا صمت قليلا آدم إذ تنسم وبعمقِ النَّفسِ من فيضِ أنوارِ الرُّوحِ ثمّ أردف قائلا :
ألآ إنّ الصداقة والأخوّة والألفة والاِنسِجام والمحبّة والعشق بين الناس الأبشار من صعاب المنال، ولكن كل ذلك بين الإنسيّين علاقات طبيعيَّة مزهرة بين أيديهم بطوباتِ الجمال وتحصيلُ حصادا حاصلا من أنعمِ أنوار الإنْسِيَّة وحرَّة الذات.
إنَّ الصَّداقة الخالصة أثمن من كنوز الجواهر المنزوعة من أصدافٍ والمقدودة من صخورٍ، لأنها إذ مَا تشقق الظاهرُ عن لبِّ الحياةِ لبَصِيرٍ رآها إحدى أطيب وأنضج الثمر العالي في شجرة الإنسَانِيَّة، إنها ثمرةُ الصِّدقِ الأشهىٰ على مَائِدةِ كلِّ وِصَالٍ وٱجْتِمَاع.
يا أحبّتي الأصدقاء إنَّ الصَّدَاقة نورُ ضِيَاءِ كلِّ علاقةٍ، فهي اللّطِيفةُ التي صفِيَّة من حرورَةِ كلِّ نار.
ألآ هنيئا لصديق الذات الكليّة من صديقا حبيبا، وهنيئا لكلِّ صديقينِ خلّيلينِ، وطوبىٰ للأصدقاءِ الخُلّان.
من كتاب : الكامل النوراني ( الإنسان في العراء ) لمؤلفه المهندس أبو أكبر فتحي الخريشا
( آدم )