سلسلة : " حديث النفس " ❣❣
منذ سجنت في غرفة مكتبتي
في بيتي لا أستطيع الخروج
بسبب انتشار الطاعون الأسود
أنا على هذه الحالة منذ شهور ..
أو سنين ربما لقد فقدت الإحساس
بالوقت توقف الزمن الجميل العادي
عن الحركة كأن عقارب الساعة
لم تعد تشتغل بطارية الحياة ماتت
كل شيء تغير من حولي ..
الشوارع فارغة ساكنة حزينة
الدكاكين و المحلات أفلست
المدينة أغلقت أبوابها ..
و نامت إلى أجل غير مسمى
تنتظر شروق الشمس من جديد
قنطت سئمت من حالتي ..
لم أعتد على هذا الوضع بتاتا
كيف أعيش في بيتي وحيدا
بلى مع عائلتي من زوجة و أولاد
لكن حياة بدون روح ولا معنى ..
روتينات متكررة متتالية متعاقبة
مملة رغم أني قطعت جل الأشواط
الأساسية بنجاح و مررت من جميع
المحطات الإجبارية منذ خرجت ..
إلى رحم الدنيا و أنا أسعى .. أركض
ما بين قطبين .. أولهما .. معاناة الحرمان
و المرض و الوحدة و الجهل ..
أما ثانيهما .. فوصولي و حصولي
و تملكي و امتلاكي
إلى كل ما كان ينقصني ..
لكني لم أجد ضالتي التي
تروي كل ذي ظمأ في الموعد
المحدد المنتظر المرتقب ..
أتراها غابت .. أو تأخرت عنها
فرحلت إلى أجل غير مسمى
أو لربما أخطأت المسار ..
أو لأسباب تقنية في بوصلتي
فبقيت عالقا محصورا مسجونا
كزئبق في مقياس الحرارة
ما بين منكتم و مضطرم
في طلوع و نزول ..
غائب مغيب عن عالمي الخارجي
ذلك الفضاء الفسيح البعيد الأفق
الذي لطالما تمنيت اكتشافه
و العيش فيه مع عائلتي ..
لكن القيود الترابية الحديدية
أثقلت كاهلي عن الحركة
و البحث عنه .. فصرنا نسمع
فقط من قيل وقال عنه ..
أو يحكى عنه في الروايات
أو من شهادات نادرة لمن سكنوه
و لازلت كذلك على نفس المنوال
حال جميع المواطنين الراقدين ..
السالكين الصاعدين على درجات
الفناء يستفيقون في كل الأيام
على فيروزيات الصباح ..
أو كلثوميات على حسب الأذواق
و المزاج اليومي و القطار يسير
يتنقل من محطة لأخرى ..
روضة تعليمية تكوينية
من مناهج أكل عليها الدهر
و شرب إلا ما تبقى من فتات
نجمعه لكسب قوت عيش ..
و للانتقال الجيني عبر الأجيال
عقائد .. مسجد .. شعائر دينية
للقلوب المسالمة المستسلمة ..
تحرص على حفظ الأسفار
و ترتيل ما اشتهت الأنفس من
ما لذ و طاب من آيات الراحة ..
و السكون و تهميش ما ترهقها
و تخرجها من دائرة البقاء الأبدي
و تطرد الأنداد و الأغيار ..
من بيوتها .. أهكذا هي إرادة " الرب " ..!!؟؟
أو تساؤلات لادينية إلحادية
صبيانية تتطفل على الأفلاطونية
لا لحسن معرفة و بحث ..
عن الذات و اكتشاف أسرار
و معاني الوجود و الناسوت
فقط للتسلية و التشويش
و تضييع الوقت أو للنكران ..
و سخط من وضع اجتماعي
و سلوك مناقض لما تشتهيه
" هي " فتخرج السواد القاتم ..
المظلم داخلها لتعلقه
على شماعة الظروف
فتعكسه بالتالي على " الإله " ..
المنزه المبرئ من اختيارات كتبتها
و نشرتها " الضغينة " الفرعونية
اللوامة و هي في كامل قواها العقلية
بعيدة عن سيف الجلاد القاهر ..
ثم أرجع و أقول ليس لي إلا
أن ألتفت و أستمع إلى متطلبات
ساكنة مملكتي و تعيين نائب ..
جديد آخر بدل السابق لعله
يكون خير معين و أكثر ولاء
و أمانة و أحسن استشارة ..
في شؤون الإدارة للبلاد
و السياسة الداخلية و الإصلاحية
و تطوير العلاقات الخارجية ..
و إعادة النظر في بنود الحركة
الجمعوية و تكثيف و تنويع
الأنشطة الثقافية الرياضية
الفنية لرفع المستوى الإنتاجي ..
لا أنكر أن هذا الوباء الذي انتشر
في المعمورة جعلني أفكر في
المواطن " أنا " الآخر أكثر ..
حيث كنت أنانيا جدا في ما مضى
دائما أغيبه و أتركه يصرخ يتوجع
يبكي يشكي يتألم يحزن ..
لوحده كاليتيم بلا أبوين مع أننا
واحد لا نفترق غير أن الأنانية
النرجسية كانت أقوى ..
جعلت مني دكتاتور مع شعبه
أما في وسط هذه الجائحة
فنحن مرغمون أن نتضامن
نتعاون فيما بيننا للخروج
من المحنة .. هل هذه كذلك أنانية
مصلحجية مني .. ربما ..
لكن هي منفعة للجميع
و إن اختلفت النوايا
لكن أقطع وعدا أمامي ..
و أمام الجميع إن نحن
نجونا منها و خرجنا من الضائقة
بسلام و أمان لأحسنن التعامل ..
هذه المرة و لأصلحن ما أفسدت
فيما مضى و لعل بادئ ذي بدء
إرجاع المظالم إلى كل من يهمه
الأمر و ها أنذا راجعت جميع
حساباتي الشخصية خصومات
ديون سباب .. و تجريح و سرقة
حتى الكذب و النفاق ..
و الكراهية و الخيانة ..
المهم دونتها على دفتر
التغييرات الأولوية التي
سأقوم بها مباشرة عندما
يختفي هذا الطاعون الأسود ..
و تعود المياه إلى مجاريها
سأطرق جميع الأبواب
و أعتذر بصدق و إخلاص ..
أصحح و أصلح و أبني ما تهدم
و انكسر .. ثم طويت دفتري
حينا من الوقت .. حتى وجدت
يوما حفيدي يلعب به ..
و يطلب مني صنع طائرة ورقية
هناك فقط تذكرت تلك الحروف ..
التي كتبتها يوما في عنفوان شبابي
أدرت وجهي إلى الخلف ..
فإذا بي أشم رائحة ملك الموت
يحوم من حولي .. و الطفل يبكي
بين يدي يريد أن يطير ..
" ا .. ل .. ت .. س .. و .. ي .. ف "❣❣
@ بقلمي/ إدريس جوهري . " روان بفرنسا "
11/02/21
'The Fool' by Paolo Puggioni on Artstation