وفاء الأحرار
ذهب كل شيء، ولا زال صوت الصغيرة يقبع في أذني وأنا خارج لعملي صباحاً في أعمال البناء..
بابا أشتهى الحلوى، وأتوق للتنزه في الحدائق العامة و..
قاطعها صوت الأم الحنون ضاحكة، كفاك يا صغيرتي، دعي أباك يذهب لعمله كيلا يتأخر
الأب : حاضر يا ابنتي أعدك أنني سأعود باكراً هذا المساء محملاً بالحلوى وبكل ما لذ وطاب
ضحكت الصغيرة فرحة بهذا الوعد
نظرت الأم باستغراب، قاطع الأب صوت تفكيرها قائلا : لا عليك عزيزتي، دعيها على الله
ودعت الزوجة الصابرة زوجها الحنون داعية له بالرزق الحلال
أبومحمد رجل تعدى الخمسين خريفاً لديه زوجة صابرة محتسبة، فقد صبرت على فراقه ثلاثين عاماً أسيراً قابعاً خلف سجون الاحتلال بعد زواجها منه بأيام تكاد تعد، وكانت حينها صبية في العشرين من عمرها تملك جمالاً فاتناً، وكثيراً ما خيرها زوجها بأن يسرحها سراحاً جميلاً حتى لا يفنى شبابها عبثاً، إلا أنها رفضت وأصرت على انتظار زوجها ومضت السنون بين برد الليالي، ووجع الفراق حتى خرج هذا الرجل في صفقة وفاء الأحرار بعد حكم بالمؤبد ..
وما إن خرج حتى حملت زوجته وكانت الفرحة كبيرة بين كل من عرفهم أو سمع عنهم وجاءت ( نور) للحياة طفلة بريئة جميلة بكل ما تحمل الكلمة من معان، نسيا معها سنوات الضياع التي قضياها في انتظار الفرج
وكان أبو محمد يعمل في البناء ليحيا حياة كريمة مع زوجته وطفلته الصغيرة.
يجب أن أعود اليوم باكراً كما وعدت صغيرتي يحدث نفسه ..
خرج من عمله عصراً واشترى حلوى وبعض الفاكهة، وهدية لزوجته لإدخال البهجة على قلبها وركب دراجته وسار باتجاه البيت، فإذا بدوي انفجار هز أرجاء الحي، دبّ الرعب في صدره واضطربت خفقات قلبه وكأن الطائرة أصابت فؤاده، وأخذ يلهج بالدعاء مسرعاً لبيته، فقد كانت الصغيرة ذات الأربع سنوات تخاف من صوت الطائرات..
وما أن وصل بداية الحي فإذا بالشوارع مكتظة بالناس ورائحة الدخان معبقة المكان، ودماء على الأسفلت جرحى هنا، وشهداء هناك، لا يدري أين ينظر وفي أي إتجاه يسير وقلبه يقفز بين يديه سابقاً إياه للبيت، فإذا بالجيران تسبقه وتحتضنه قبل أن يرى بيته البسيط كومة ركام..
سقطت الأكياس من يده وسقط قلبه معها
لا يدري ماذا يقول حتى قاطعه صوت جاره أبا أحمد عظم الله أجرك وأحسن عزاءك
لقد قضوا شهداء.
تمام يوسف / فلسطين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق