«{ حكاية .. وراءها ظروف }»
أبو اللُِيف
لانعرف لهُ إسماً .. غير " أبو اللّّيف ْ'
شكله ؟!
كما ظهرَ .. على الشاشة
لا ملامحَ حزنٍ .. ولابشاشة
شكلهُ لِمن لايعرفهُ .. مُخيف ْ
فشعره الكثيف ْ
على .. حاحبيه
على .. لحييه
تلافيفُ ليفٍ ..على ليفٍ .. على ليف ْ !
منذ كثيرٍ .. من السنين
مايقربُ .. من الثلاثين
يعيشُ أبو الليف .. على الرصيف ْ
في بابٍ .. بل في تجويف ْ
بجدار عقار .. مسكون
كذلك .. يقولون
أمّا .. أبو اللّّيف ْ
فيقول : تخاريف ْ
أُضيف ْ
والكلامُ .. لصاحب دار الطباعة والتغليف ْ
المجاور .. لذلك العقار المخيف ْ
بشارع الشهيد .. ناصف نصيف ْ
_ إلى وقت قريب ..
لم يكن أبو اللِّيف .. يتسوٌل ْ
كان بأيّ شيئ يُباع .. يتجوّل ْ
ومنذ سنوات ..
بعدما انزلق من ركبته .. الغضروف ْ
جلس ..
يبيع الخسّ .. والفجلَ والكرّات
وأحياناً .. الذرةَ المشويّة
أو حمّص الشام .. المصرية
" الحلَبِسّة " الحارّة
أمام فُوّهةِ العمارة
ولمّا منعه المرضُ ..
من السيْر .. وحتى من الوقوف ْ
جلس .. يتسوّل أمام العقار المخيف ْ
وأوّل أمس ْ
وبعد غروب الشمس ْ
فاجَأهُ البرنامج التلفزيونيّ
" حكاية .. وراءها ظروف ْ"
وهو يتسوّل .. على الرصيف ْ
_ من أجل .. مواطنٍ عزيز عفيف ْ
نحن .. نوفّر مسكناً
ودخلَ معاش ..مؤمّنا
ولكن ..
السؤال الرئيس الأوّل
لماذا .. تتسوّل ؟!
_ لأشتري الدواء .. ألإسبرين
علاجي
للسكّر والضغط .. ووجع الغضروف ْ
_ ولأشتري .. الفلافل والرغيف ْ
_ لماذا ..
تُخفي وجهك ..بذلك الشعر الكثيف ؟!
غير النظيف ؟!
ممّ تخاف ؟! .. أنت يارجل .. مخيف ْ
من أنت ؟! .. ومن أيّ بلد أنت ؟!
أليس لك أهل ؟! .. ماحكايتك ؟
إحكي .. قل ؟! .. ماذا تخفي ليفتك ؟
نحن برنامج .. '" حكاية ..وراءها ظروف ْ"
قال : يُمكنني أن ..
أحكي لك - فقط - بعض الظروف ْ
يقولون :
" أكل العيش يحب الخِفّيّة "
وأنا بطبيعتي .. رجلٌ خفيف ْ
وأنا .. للحق
رجلٌ مُرزَق ْ
عملت قرشاً حلواً من التجارة ..
في السيارات .. القديمة المستعملة
وقرشاً أحلى .. مِن التجارة في العُملة
وأحلَى وأحلَى ..
مِن الإقراض .. لأيّة أغراض
وبفائدة ..
حسب المبلغ والمدة .. والغرض الموصوف ْ
_ لكنّ ذلك .. حرام وغير مشروع ْ !
_ بصراحة
مافرَقَ معي أبداً ..
عملٌ مشروع أو غير مشروع .. أو ممنوع ْ
كان هدفي- دائما -المكسب الضخم السريع ْ
والله يمهل .. ولايُهمل
فكما ترى ..
أنا الٱن .. أتسوّل علَى الرصيف ْ!
_ ولكن .. يا ... ماإسمك ؟!
في شهادة مولدك ؟!
إسمك .. في بطاقة التعريف ْ ؟!
_ يسمونني .. " أبو اللِّيف "
_ ترفض إذن ذكر إسمك .. أو إسم بلدك
أو ٱسم جدّك .. أو والدك .. أو ولدك
لكن .. لابأس
ماذا .. عن ثروة الأمس ؟!
أفصح ْ
أوضح ْ .. ضع النقاط على الحروف ْ
بعد زواحي .. بسنتين
باعت زوجتي إرثها .. القيراطين
وظلت تُنفق من مالها
على أكلها وعلى طفلها ..
ورفضت أن ..تأخذ منُي
- مثلما تأخذ كلّ الزوجات - المصروف ْ
وكنت أعجب من عفّتها
وحجّت .. حتى على نفقتها
رافضة مني ..
المساهمة معها .. بأيّ مصاريف ْ
وماتت .. وهي تطوف ْ
تاركةً لى ولدا في الرابعة
فعشتُ لهُ
احتضنتهُ .. حتى أدخلته الجامعة
وأصبح محاسباً ..
ورأيتهُ راغباً ..
في العمل .. طالباً التوظّف
في زمن اللاوظائف .. ولاتوظيف ْ
فمكّنتهُ .. مِن التوظيف ْ
فأنا ..
في دنيا رجال المال والأعمال .. معروف ْ
وأحبّ فتاةً ..
زوّجته منها ..
في حفل زواجٍ راقٍ ..
فاق الوصف .. وكل دناديش التوصيف ْ
وعشت كضيفٍ في بيتي راضٍ..
بزوجة إبني وبإبني .. مضيفةً ومضيف ْ
لكن ..
يبدو أنّني لم أكن ..
على قلبه وقلب زوجته .. بالضيف الخفيف ْ
فبصراحة
بعد عودتي للبيت .. عقب الجراحة
ساءني الإهمال ..
والمقاطعة بلاسببٍ .. والعزوف ْ
غيّرتهُ هذه المرأة .. تماما
لم يعُد يُعيرني اهتماما
يهجرني .. أياما
ولا أجد طعاما
إلى أن سمعتها تقول :
الأولاد كبروا حبيبي .. نحتاج الغرفة
ويرد عليها : إن لم يرحل
ياحبيبتي .. ألقهِ من الشُرفة
أليسَ ذلك ..
بإعلان طرد .. بملء فم الحروف ْ !
ورحت .. ألملمُ حالي
ودار .. ببالي
أني أعطيته كل مالي .. بالتوكيل العام
الذي وقّعتُه .. يوم اشتدت عليّ الٱلام
ليدفع سيلَ فواتير العلاج ..
وثمن جبال الدواء ..
وبقيّة النفقات .. والمصاريف ْ
وتذكرت الٱن ..أنه أخذ بيدي
لأضعَ إمضائي .. علَى بعض الورق
وأنا .. مازلت هائمَ الأُفق
تحت تأثير .. " بنجِ " التخدير ْ
بعد خروجي من ..
غرفة العمليات .. ووضعي على السرير ْ
ووقّعتُ بسرعة
دونما أيّ سوءٍ .. لتفكير ْ
أيسيئ أبٌ .. في وحيده
أوّل وٱخر .. بل كل عنقوده .. التفكير ْ
وهو المطيعُ لهُ ..
البار به .. العفيف .. اللطيف ؟!
لقد وقّعتُ .. دون أن أدري
على .. وثائق فقري
بِعتُ لهَ .. العمارة
وورشة النجارة
ومركز بيع البرّادات .. وأجهزة التكييف ْ !
وكذلك صرتُ هنا ..
وليس عندي - ياسيّدي - ماأضيف ْ
وأشكركم
وأريد فقط منكم .. دواءً أفضل ْ
أريد .. العلاج الأمثل
لكي أعمل ..
ولاأتسوّل إسبريناً .. ولافلافل ولارغيف ْ
وبرغم أنّه لم يذكر إسماً ..
لأحد .. أو بلد
ولم يظهر أبداً .. بوجهٍ مكشوف ْ
فبينما كان ..
ألمليونير الصعلوك .. المسفوف ْ
عائداً .. بعد قضاء حاجته
من دورة مياه المسجد .. القريب من عشته
متكئاً .. على ضعفه
وعلى فرعٍ شجرةٍ .. يقتربُ من أنفه
تؤرجحُهُ .. نسمات ليل الخريف
ارتدّت .. سيارةٌ خنزيرة
قبل .. دوران الجزيرة
وارتجّت .. وانهدّت .. قربهُ بجوار الرصيف ْ
نزَلَ منها رجلٌ فحلٌ
تُضايقهُ نفسُه
وتسبقه رأسُه .. كالحلُّوف ْ
يرعد .. يزبد .. يقصد .. يقصدُ أبو الليف ْ
وانهال عليه سبّاً .. وضرباً
في جولة إذعانٍ
للركلِ ببطن الرجل .. لبضع ثوانٍ
والصفع المتلاحق .. بالكفوف ْ
والرجل يحاول .. ويحاول
ولايستطيع الدفعَ .. أو الوقوف ْ
وجرى الناس إليه .. وأمسكوه
وسحبوه .. وضربوه
وأبو الليف
علَى الأرض مطروح
مشبوح .. كالخروف المكتوف ْ
يعوي ويصرخ ويصيح :
لاتضربوه .. إتركوه
دعُوه .. دعُوه
ٱنه إبني .. وأنا أبوه !
أنا ..
أنا كنتُ أفعلُ ذلك .. مع أبي !
وهو شيخٌ .. طاعنٌ في السنّ ضعيف !
فيالَكَ من غبي .. يا" أبو اللِّيف "
أخيراً ..
وضَحَت الرؤيا ؟!
يالك .. مٍن مبصرٍ كفيف ْ!
ألحياة الدنيا .. بنكُ إئتمانٍ .. وتسليف ْ
وتستردّ مالها
كما تردً مابها
إن كان قولاً مُرّاً
أو أذىً .. أو ضُـرّاً
دونما نقصٍ .. ودونما تخفيف ْ
رغم مايبدو عليها ..
من الإهمال .. والنسيان .. والتسويف ْ
ياكلّ أبناء وٱباء " اللِّيف ْ"
بقلمي المرسي النجار
فبراير ٢٠٢١