تحيةٌ طيبةٌ...
كثيرةٌ هي المواقف التي نمرُّ عليها مرورًا سريعًا، كأن تكون مشهدًا أو صورةً أو نصًا أدبيًّا! و قَلَّما نتوقفُ عند بعضها و نفكّرُ فيها مَليًّا..
في أدناه.. وجدتُ لمفردة (زهو) و ما وراءها، طعمًا خاصًا في تذوِّقها و الكتابة عنها، و لو بشيء بسيط!
زَهُو.. هو عنوانٌ لومضةٍ نالت المركز الأوّل في مسابقة للقصة الومضة، كاتبتها الاستاذة ' ليلى الأخيلية'.
النصُّ:-
(زَهْوٌ)
"تَفاخَرَتْ بِتاجِها؛ خَذَلَتْها ٱلجُذُورُ."
تقديمٌ:- ما هو الزَهُو؟
الزهو اضطرابُ مزاجٍ، و في بعض حالاته مرض 'الهَوَسِ'! الذي يرفعُ درجة السّعادة أو التعاسة التي يشعر بها الٕانسان! بحيث يبدو في أحسن حالاته، مسيطرًا على مشكلاته. لديه طاقةٌ و نشاط زائدٌ، فسلجيًّا و فكريًّا، غير موجَّه لهدفٍ محدد، يحمله على إبداع مشاريع جَمَّةٍ، يسهرُ على تنفيذها، لكنَّه لا ينجزُ منها شيئًا!
خلاف ذلك.. 'الإكتئابُ'، هبوطُ المزاجِ، و الشعور بالحزن و الكَسل و عدم جدوى أي نشاط.
و للزهو أنواعُهُ و أسبابهُ و طرقُ علاجهِ و آثارهُ على الحياةِ، كَونَهُ حالةً مرضيّةً/نفسية، ناتجةً عن الفشل و الإحباط، و الشعور بالوحدة و الإنقطاع التام عن الجذور الإجتماعية.
أصلُ الموضوعِ:-
تحليلُ الومضةِ 'زَهو'...
أولًا:- العنوانُ
لغةً:- زهو مصدرٌ للفعل 'زَهَا'.
من زَها يَزهُو.. على وزن:- فَعَلَ يَفْعلُ.
بمعنى:-
* الكِبَرُ، الفَخرُ، التِيهُ.. و هذا ما يَهمُّنا!
* المنظرُ الحَسِن، المنبتُ النّاضر، الجميلُ...
* و الزهو حالةُ تَغيّر اللّون الٔاخضر من 'التَمْرِ/البَلح' إلى اللون الأحمر و الأصفر قبل أن يَصِلَ حالة 'الرُّطَبِ'!
(و لسنا بصدد تناول الثاني و الثالث!)
و اذا زُهِيَ الرجلُ.. اذا اِفتَخَرَ..
قال الشاعر أبو المثَلَّم الهُذَليُّ:-
{متى ما أشأُ غير الملوكِ
أجعَلكَ رَهطًا على حُيَّضِ!}
اِصطلاحًا:-
العظمةُ التي يراها الشخص في نفسه في حالات معينة ترتبطُ بزيادةٍ و هبوطٍ في مزاج الإنسان، يحاولُ تنفيذها على وفق ما اِبتدعَ من مشاريع لا يمكنهُ انجازها مهما كانت طاقته. فهو مَهووس بأفكارٍ طارِئَةٍ تَفرضُها عليه حالةٌ مرضية بعد فشله أو إحباطه في موقفٍ ما.
ثانيًا:- المَتْنُ... تَفاخَرَتْ بِتاجِها
تفاخرَ.. فعلُ ماضٍ على وزن 'تَفاعَلَ' و تاء التأنيث ضميرٌ متصلٌ عائدٌ على فاعل مستتر، أي:- هناك زيادة في المشاعر جعلتِ (المتكبرةَ) تتربعُ على عرشٍ وهمي، متوَّجة برمز العظمة من مكانةٍ ضَمنَت لها- و إلى حدٍّ ما نفسيًّا- التصرفَ لتفريغِ شحنات طاقتها.
و التفاخرُ أو التباهي، هو مبالغةٌ في انجاز ما يفوقُ أهمية الشيء.
أي:- استعراض لإنجازٍ وهميٍّ، كاذبٍ و مخادع! {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (لقمان- ١٨).
و هو دلالةٌ على طباعٍ مختلفة عن الآخرين، و من الآفات الخطيرة التي تُصيبُ نفسَ الٕانسان!
هنا مجازٌ قام على علاقةِ المُشابهة بين المستعار منه المحذوف (الملكة) و هو مشبَّهٌ به، مكتفيًا بصفةٍ من صفاته 'التاج'.. و بين المستعار إليه المشبّه (المتكبرة/المزهوة)!
و الأصل.. أن المتكبرة تفاخرت بشيء لا تملكهُ و لا وجودَ له، انما ذُكِرَ على ما يدلُّ على إمتلاك الملكة.. للتاج!
و هذا يُسمَّى في المحسنات البديعية 'استعارةٌ مَكْنيَّة'! و هي من الوسائل التي اِستعانت بها 'الوامضة' لإظهار مشاعر و عواطف للتأثير على النفس!
فضلًا عن كونها إستعارة حسنة و صريحة لمعنى غير ما وُضِعتْ له، بُغية توسعة فكرة الومضة.
ثالثًا:- العَجْزُ... خَذَلَتْها الجُذُورُ
خَذلَ:- خَيَّبَ الأمل، و تَخلّى عن نصرة شخصٍ ما، و هو ضدُّ الفعل 'نَصَرَ'.
و الخذلانُ يعني تَرْكَ النُصرة و الأعانة، و حملهُ على الفَشل. {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا} (الفرقان- ٢٩)
جُذور الشخص ، تشبيهٌ بالشجرة، هنا..
الأنسابُ و الأصحابُ و الفصيلةُ. فحينما يتركون و يخذلون مِمَّنْ يَتباهى عليهم ضاربًا عرضَ الحائط، القِيمَ و الوشائجَ التي تربطهُ معهم..
هذه الومضةُ.. جاءت بنهايةٍ مباغتة، لَمَعتْ في وجدان المتلقي، و تبدو غير مقبولة في أول وهلةٍ، لٕان تَخلِّي جذور الفرد، أمرٌ ليس بالهيّن، عن أحد أفراد الإسرة أو المجتمع!
لكن قفلة الومضة، فرضت هذه المباغتة و الدهشة التي قفزت فجأة من داخل النص لتُعلنَ الخاتمة!
بحيث لم تتركْ المتلقي أن يسألَ:-
و ماذا بعد ذلك؟
و عَبَّرتِ الخاتمةُ عن هدف الومضة المُراد و هو:- مَنْ يتفاخر لا يجد مَنْ يَمدَّهُ بمقوماتِ بقاءه في زهوهِ وكِبَرهِ!
أسلوب كتابة هذه الومضة:-
* كَما أسلفنا آنفًا..
اِستعانتْ كاتبةُ الومضة بالمحسناتِ البديعية، لإبراز عواطف مؤثرة في نفس المتلقي كالزهو، لغرض توسعة فكرة الومضة.
* اِزدواج.. اِتفقت جملتا المتنِ و العجزِ في الطول و التركيب و الوزن و الموسيقى.
* نَلْحظُ طباقًا إيجابيًّا، اِجتمع في الومضة التفاخر و عِلُو الشّأن، و عكسه الخِذلان و الدَّنُو.
* وازنتِ الكاتبةُ بين شَقَّي الومضة من فِعلَي الماضي اللّازمين، و بتكثيفٍ شديد رصدَتِ الموقف المُراد باتقانٍ كبير، و نقلتِ المعنى للمتلقي بنصٍّ بَرَّاقٍ و ايحاءٍ وامضٍ.. سهلٍ!
* لم نشهدْ تطورًا في حَدثِ الومضة، بل بقِيَ في حدود الزهو و التفاخر، أَطَّرَتْهُ أربعُ كلماتٍ تدور حول محور واحد.
أخيرًا...
منطقيةُ الومضةِ تمثَّلتْ في:-
زهو - تفاخر - خذلان
فالزهو لا يأتي دون ان يمرَّ بمدةٍ زمنية محددة من التفاخر و الكِبَر، ليصل فيها المتفاخر الذَروة، بَيْدَ أنه سرعان ما يَتدحرجُ سريعًا إلى الهاوية، من القِمَّة، في الجانب الآخر...
أرجو أن أكونَ وُفِّقْتُ لِما ذهبتُ إليه، و أعطيتُ النصَّ اِستحقاقهُ في القراءةِ و التحليل...
مع أجمل التحيات.
(صاحب ساجت/العراق)