الخطاب النسوي
في ديوان خواتم الملح للشاعرة الفلسطينية نداء الخوري
الأديب سلمان فراج (2000)
سنرى بشكل خاص في قصيدة "مراهم ونساء" بعد قليل، وعلى حذق في عمليّة الإختيار والرصف الضروريّة لكل لغة شعرية، والتي أشار إليها رومان ياكوبسون في مقالته عن العلاقة بين الشعرية واللغة، فقد ذكر ياكوبسون إلى أن كلّ كلام هو نتيجة تفاعل أو تقاطع بين عمليّتي الاختيار والرصف. وتتم عمليّة الاختيار بانتقاء المُرسِل لألفاظه من بين إمكانيّات متساوية القيمة، ثم رصفها في مبان.
وتكون اللغة الشعرية أكثر حذرًا وحذقاً في الحالتين لكي تتم المراوغة وتتقاطع الإيحاءات بالقدر الذي يجعل القصيدة أكثر انفتاحاً أو أكثر انغلاقاً.
أنظر مثلاً إلى قصيدة "مراهم ونساء" (ص 30-31)، إذ تبدأ بالقول:
مرهم للسهم
مرهم للشفاء
مرهم للوهم
ونساء مرهميّات
للتداوي بالأعشاب
والتمريج والبسملة
لا شكّ أنَّ هناك قصديّة في اختيار كلمة "مرهم" وتكرارها في الأسطر الثلاثة الأولى، وتكرار حرف الجر "لام"، وكذلك تنوع المجرور. ألا يُذكّر هذا الاختيار وهذا النوع من "الرصف" بالبائع المتجوّل الذي يعرض بضاعته في شوارع البلد؟ ألسنا أمام جانِر أدبي عرفة الشعر العربي في "قل للمليحة في الخمار الأسود ...." ؟ وهو الأدب/ الشعر الدعائي الذي يخاطب الوجدان بالنغم والإيقاع والخداع من أجل الترويج؟
ثم تأتي الأسطر الثلاثة التالية، لتعلن بضاعة جديدة: " نساء مرهميّات للتداوي بالأعشاب والتمريج والبسملة".
هل بالصدفة وصفت النساء بالمرهميّات؟ وهل بالصدفة استُعملت كلمتا "تمريج" و "بسملة" متقاربتين؟ ثم هل بالصدفة اختير المرهم المتعدّد الأنواع قبل النساء في هذا "الصوت" الدعائيّ؟
كان أمام الشاعرة عدّة إمكانيات للإختيار على صعيد المفردة وعلى صعيد الرصف، وقد تعمّدت هذا الإنبناء الدلاليّ لخلق الدلالة المُتوخّاة بالتكرار الإيقاعيّ والنغميّ في الأسطر الثلاثة الأولى، ثمّ بالإعلان عن النساء، كما كان الإعلان عن المرهم بأنواعه. وتتشابه النساء بالمرهم ليس بالإشتراك بعمليّة الإعلان فقط، بل بإنّ صفتهنّ مثل المرهم، فهنّ مرهميّات للتداوي. السطر الرابع إذن لا يشترك مع الأسطر السابقة بعمليّة الإعلان فقط، بل بالنغم النابع من دخول كلمة "مرهم" المكرّرة فيه كصفة ثلاث مرّات، ثم اندماجها مع "مرهميّات" التي هي صفة للنساء هنا.
هكذا نفهم لماذا يعلن البائع المتجوّل عن النساء أيضاً كما المراهم، فهنّ يصلحن للتداوي وللتمريج والبسملة. في هذا الرصف دلالة ساخرة، لا تقل عنها سخرية اجتماع وظيفتي التمريج والبسملة، فالتمريج لمُعتلّي الجسد واليسملة/ الرقية لمُعتلّي النفس. البائع إذن يعرض بضاعته على الرجال المُعتلّين.
إنه اختيار دقيق محكم لمقدّمة قصيدة سرعان ما تتلاحق فيها الرموز والتشابيه والاستعارات والكنايات لتشتيت الدلالة التي خلقتها الأبيات الستّة الأولى وتصعيب عمليّة ربط الخيوط التي أوصلت في نهاية القصيدة إلى المقولة الآتية:
أبديّة الأجساد
تهترئ بالشهوة
والتعبّد
والوصاية
ورغم هذا التشتّت نبقى في حالة تواصل حميم يقوم بمرافقتنا محمّلين بزحم السخرية العنيفة القاسية التي لا تفارق إحساسنا بوحدة الصور المتناثرة وراء بعضها البعض، والتي تكمل الحالة المأساويّة في مقابل واقع ظالم وغير سليم.
يعد الإعلان عن البضاعة الغريبة يأتي دور الصوت المفسِّر الواصف ليشرح الأمر ويزيل الغرابة، لكن باختيار غريب ورصف مشتّت يحتوي على مفارقة، لأننا نتوقّع التفسير المبسّط، فنقع في تتمّة القصيدة على كلام يصعب رصد دلالته:
أرغفةٌ كالمسابح وشواهدُ
كحروف الحكاية.
كواحل تغتسل في النهاية.
حبّات قرنفل
تبهِّر الليل،
والأسِرَّةُ تنزف
والمرهَميّات تداوي.
أسِرَّة تنزُّ نساءً
وجواري.
إنّهن للاستهلاك كالخبز/ وإنّهنّ للتسلية أو لتكرار الحرف كحبّات المسبحة أو هنّ كثيرات كالمسابح وإنّهنّ شواهد على هذه المأساة الإنسانيّة، كما هي الحروف التي تتجمّع لتصنع الحكاية/ المأساة.
القصيدة تختار للتعبير عنهنّ، عن المرأة : ب "أرغفة" و"شواهد" (وشواهد كلمة ترمز أيضاً لشواهد المسبحة أو للأصابع التي نشير بها) و"كواحل" و"حبّات قرنفل" وأخيراً "مرهميّات".
فالشاعرة تعطيهنّ صفات تتراوح بين القداسة ( أرغفة، مسابح، شواهد، على ما فيها من تورية) والبهائميّة (كواحل) والتوابل الشرقية (قرنفل)، وحالهنّ للاستهلاك ، فالأسرّة تنزف وهنّ مرهميّات للتداوي .. وهكذا دواليك: "أسرّة تنزّ نساءً وجواري". لنلاحظ المفارقة التي تصنعها الكلمات "تنزف" و"مرهميّات" و"تنزّ"، وهي تصف تصوّراً ذكوريّا للمرأة لا يثير في العادة تساؤلاً ولا اعتراضاً، ولكنّنا هنا في هذه المقابلة الدلاليّة نحس بالحاجة إليهما دون أن يكون النص أي توجّه إلينا للتساؤل والاعتراض. مرّة أخرى أشير إلى حميميّة الاختيار والرصف التي تصل هذه الاختيارات والانبناءات ببعض، لتتكامل الصورة بها وبالتالي لتكون موافقة للدلالة الساخرة في المطلع.
ثمّ إنّ القصيدة تستعين بالنغم الذي يتوافق مع مستوى السخرية فب الخطاب من عدّة مصادر:
1. القافية (سهم، وهم)، (حكاية، نهاية)، (تداوي، جواري)، (معزّين، قرابين، حنين).
2. تكرار (مرهم، مرهم، مرهم، مرهميّات)، (الأسرَّة، أسِرَّة).
3. تتجمّع فونيمات متشابهه: ("هم" خمس مرّات في المطلع)، وبعده (حرف الحاء خمس مرّات في أربعة أسطر متلاحقة).
4. تتجمّع فونيمات صائتة إلى جانب فونيمات ليّنة: (السين، الزاي) إلى جانب (هاء، ياء، ألف) (الأسرَّة تنزف وأسِرّة تنزّ نساء) إلى جانب (المرهميّات تداوي ... جواري).
5. تكرار مبانٍ نحويّة متشابهة:
أ. مبتدأ + جار ومجرور، كما في الجمل التالية: "مرهم للسهم" ، "مرهم للشفاء" ، "نساء للتداوي" أو "أرغفة كالمسابح" و"شواهد كحروف الحكاية".
ب. مبتدأ وخبره جملة فعلية: ( كواحل تغتسل، حبّات فرنفل تبهّر، أسِرّة تنزف، أسِرّة تنزّ، مرهميّات تداوي).
6. بعد كلّ تجميع لمبانٍ نحويّة متشابهة يأتي فاصل مبنويّ مختلف يليه تجميع مبنويّ جديد، فبعد المبتدأ والمجرور باللام في مطلع القصيدة يأتي ترادف بالعطف : "والتمريج والبسملة"، وبعد المبتدأ والمجرور بالكاف تأتي جمل اسميّة، خبرها جملة فعليّة تنتهي مرّة أخرى إلى ترادف بالعطف.
كأنما أرادت الشاعرة بهذا التقطّع البنائيّ لنحو القصيدة تقطيع جسد القصيدة، كما هو جسد المرأة مقطّع مهان، وكما هو الواقع الإنسانيّ. كل ذلك في تنغيك لحني وإيقاعي يغني الدلالة.
مما ذُكر يتبيّن أنّ عمليّة الإختيار والرصف التي يتمّ بها نسيج القصيدة ليست عمليّة عفويّة، إنّها عمليّة قصديّة يتلاحم فيها النغم مع الدلالة، فيغنيها وتغنيه، ويتوافق فيها النحويّ بالشعريّ ويتداخلان، فيحدّدان نَفَسَها ونبضها المتلائمين مع تطوّرها وتنوع دلالاتها. هكذا كلّ ظاهرة في موقعها تتلاحم مع ما يلامسها، إنّها فعلاً نتاج رصف لاختيارات متساوية القيمة على حد قول ياكوبسون، بل قل إنها متماسّات ومتقاطعات عن عمليّات رصف لاختيارات متساوية القيمة تتقابل لتصنع الرمز المقابل للواقع الأليم.
لا أرى من الملزم أن أبحث عن هذه الظاهرة في قصائد خواتم الملح في مواقع أخرى، فهي ظاهرة ملازمة لأكثر قصائد الديوان، وقد اخترت مقطعا من قصيدة، ولم أصف ما في تتمّتها توخّياً للتلميح دون التفصيل، كما أنّني لم ألجأ إلى أكثر القصائد إحكاماً وتماسكاً، بل توخّيتُ ما يساعد على كشف الظاهرة في أقل ما يمكن من مظاهر الإنغلاق أو التنافر بين الدالّ والمدلول.
هذه اللعبة الفنيّة كما يصفها الشاعر والناقد عمر شبانة بشيءٍ من المبالغة: "هي ملامح من تجربة تسعى إلى الخصوصيّة في فضاء شعريّ وحياتي، لا يمنح الفرصة للتمايز، إلاّ في صعوبة واجتهاد ... في مرحلة تطغى فيها فاعليّة السياسيّ ويكاد يمحي أمامها فعل الإبداع".
وإذ تتعمّد نداء خوري في خواتم الملح فعل الإبداع مؤثرة إيّاه على المباشرة والتسطيح، فإنها تعتمد كما رأينا في الأمثلة القليلة التي سقناها. وفي كثير من القصائد الأخرى إلى "ثرثرة" من نوع آخر، "ثرثرة" على ما فيها من سذاجة سطحيّة وفقر لغويّ وإرثيّ، تتسع بالدلالات من كلّ مساحة فيها وهي تحاور الواقع الذي ترفضه بخلق المفارقات وزرع المقابلات بالنغم والإيقاع، كما بالألفاظ الدالّة والصور، ف"مواسم الرمان" القادم جميلا متفتّحاً في أكواز تنفرط منها حبّات حمراء كالفرح نقيّة ناعمة سليمة المعنى – يقابل "موسم الزيت" اللزج المملّ الذي يفرّ منه دمنا ولا يطيقه. والتمريج الذي يداوي المريض أو الجائع للجنس يقابل البسملة القدسيّة التي تداوي الممسوس بواسطة الدعاء.
والقصيدة "المنهوكة الجسد" ذات العوالم التحتيّة المستترة تحت غرابة الشكل واللفظ تقابل جسد المرأة المهان المنكسر رغم توق النفس والروح إلى الانعتاق والحريّة.
هذه المفارقات والمقابلات تجعل من الشعر همساً، وذلك بتخليه عن أهم صفاته الصاخبة كالوزن الواحد والقافية الواحدة.ِ
.... يتبع...