الدموع هي ذلك المشهد الراقي الصامت الذي يعبر عما يجيش بالقلب من إحساسات مخبوءة ومشاعر دفينة سواء أكانت فرحا أم ترحا،إنها قمة البلاغة وغاية البيان عما يعتلج النفس من كوامن وخبايا تفصح عنها بلغة لها أبجديتها الخاصة تتلاشى معها كل اللغات لتصير لغة واحدة لمن ألهم رقة الشعور ، ورهافة الوجدان ، ولسانا مشتركا للأسود والأبيض معا والثري والفقير سواء بسواء . وآلة فهم لمن منح العقل ونزع من قلبه الجحود والكبرياء .إن الدموع هي الإنسانية الحقة في أوج شأنها وهي العطاء المتدفق الذي يمنح النفس البشرية تهذيبا وتأديبا ويلبسها ثياب التواضع والانكسار لخالقها .إنها صورة واضحة المعالم لكل خلجات الروح ، وهي الصديق الذي تأنس به العين حين يفتقد الأعزاء ويرحل المخلصون ، وهي المحب الذي لا يستأذن محبوبه عند زيارته وعيادته. يالها من نعمة عظيمة حرم منها ذوو القلوب الصلدة القاسية الميتة ! ولو أنهم علموا خيرها وحسن مآبها لجالدوا أصحابها على تلك النعمة ولاقتلعوا المحاجر والعيون من مكانها .إنها دواء مجاني لراحة النفس حين تتكالب عليها هموم الدنيا ، بل هي الحائط الظليل الذي يستند إليها صاحبها عندما ينوء كاهله ويثقل ظهره بأعباء الحياة ومتطلباتها. كم أنت ذو حظ عظيم يا صاحب العين الدَّمُوعِ ! ؛ لأنه لا يلقاها إلا أصحاب القلوب السليمة النقية التي لا تكسر خاطرا ولا تجرح شعورا . كن حريصا أيها الآدمي على غسل عينك بهذا الماء المالح مذاقه ؛ لتطهر نفسك من أدران الحياة وشوائبها ولتسمو روحك وتترفع عن الصغائر . إنها جلاء القلوب التي صَدِئَتْ مشاعرها ، ورواء النفوس التي ظَمِئَتْ من هجير الحياة .
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق