الأربعاء، 15 ديسمبر 2021

السلام بقلم/ فتحي الخريشا

 * السلام *

 شابة حسناء يبدو على ملامحِها البهجة والإشراق قائلة:

 أخبرنا أيها الأخ المعلم آدم ما السلام.

 قال آدم :

 مَا أَحوجكَ يَا أيُّها الإنسانُ إلى السلامِ، إنَّكَ إنْ تبلغَ درجة عَلى سلمِ إرتقائِهِ تكن في آمنةٍ وسرورٍ، فكيف بِك إذ تملك ناصِية السلامِ وتكن فيهِ حيِيّا، الحرِيُّ إذاً أنت في لُبِّ الكمالِ، لأَنّكَ لنْ تبلغ روح السلامِ إلّا حين ترتقِي نفسكَ في كافةِ كمالاتهَا، حين تصير أنت في جَوهرِ ذاتِكَ العلَّيَا غير متأثرٍ بِمَا يمور في نفسِكَ الدُّونِيَّةِ، لكأنَّمَا ضُرِب سدا عظيما لَا يُنقبُ بَيْنكَ وبَيَنْ الأسافلِ فلا ٱنحدار، فلا تقوىٰ عَليك معمعات التناقضات لا ولا يقوىٰ عليك أيِّ من ٱضْطِراب، لَا ولا يقودك التّفكِير في أيّ موضُوعٍ كان ما كان أنْ يجرجرك إلى هَمٍّ أو حزنٍ مَا هبَطت أو صعدت بِك الأجْنحةُ وكذا علَى ما تراءىٰ لكَ من أخيلة أن ينتزع منك أُسا من بُنيان، فلا سراءٌ وضراءٌ أو بدايةٌ وانتِهَاءٌ أو فرح وحزنٌ إلَّا وأنت بكامِلِ السكِنْةِ والرضَىٰ وعلَى كُلِّ ذلكَ أنت المسيطر، وآنذاك تكون حتَّى غير محتاجٍ أنْ تهزأ بِظلمٍ يقع عليكَ أو بِقسوةٍ تضربُ في قلبكِ الأوجَاع، إذ لكَ في السلامِ حصن حصِين يدرأُ عنكَ وسواسَ كُلِّ هامةٍ تهوم بظلمةٍ وحذلان كُلِّ شر يسوقُكَ إلى وبِيلٍ وخيمٍ، إذ تستوي لديكَ الشَّوكةُ الَّتي تصير على إصبعِكَ بِوخزةٍ وخنجر يطعنكَ فِي الخاصِرة، حليمٌ وقور لا نزقٌ سفيهٌ إذ الحِكْمة بين يديك خادمة أمينة توفيك سِر كُلِّ أمرٍ، وكذا الإرادة تحفُّ مقامك في السلامِ النورانيِّ ألَّا يضطرب أو يميد.

 إنَّ السلامَ إنشودةُ الحريَّةِ ومبتغاهَا الأَكيدُ، لأنكَ حين تصير في قلبِ السَّلامِ فالبتَّة ما مِن قيُودٍ ترسفك على أرضٍ خرابٍ أو تكبلكَ في مستنقعِ الآلامِ، ذلكُم تحرركُم مِنْ القشُورِ إلى اللّبابِ وإنْ كانَ لأحدٍ ما عسير أمرٍ فما هُو بِالمستحيل أبدا أن يصير يسيرًا، فليتخذ الفطين سبيل التَّذكرِ عَلى طريقة العادة بِأجنحةِ الوعي يصير لَهُ الاِرتِقاء فِي التحررِ مِنْ أوهامِ الظَّاهرِ إلى حقائقِ الباطنِ ويصير لأمثالهِ الذين أبصارهم على أفقِ الحِكمةِ الخروجُ منْ عماءِ الظّلْمةِ إلى الإبْصارِ في الضِّيَاءِ.

 إنَّ في السَّلَامِ جنّتك التي حثيثا تطلبُ، وهل الفردوسُ إلَّا غايةُ كُلُّ عاقلٍ وكما الجنّةُ على أرضٍ مَا كذلك الجنةُ الأعزُ والأكثرُ فردوسِيَّةٍ هي في ذاتِ كلِّ إنسانٍ، فإذا ما حلَّ فيهَا السلَامُ تفتحت لَهُ عنْ أكمامها وصار هُو الهانىءُ السعيدُ، والحقُّ أقولُ إذا ما صار أحدٌ على الحقيقةِ متحررا في السَّلامِ حتى تلكُم الجنَّة هُو عنها في اِستِغناءِ إذ هُو في حقِّ السلطنةِ عَلى جنّة أو سِواها المتجلّي في تمامِ السمو وفي كمالِ الذاتِ.

 إنَّ السلامَ لَا أنْ تتصالَح مع نفْسِكَ فحسب بَل تحيا فيها بِأثمنِ الٱطمِئنانِ، ألآ إنَّ السَّلَام صفاءُ الفِكْرِ ونقاءُ السرِيرةِ، كأمرِ الحيِّ في السلامِ على كل مجهولٍ في روِيَّةِ التَّفكِيرِ مَا لَهُ عَليهِ مِنْ قرينةِ مركوزٍ تقترنُ بِركنٍ ثابتٍ فإنْ كان أو لَمْ يَكُنِ سواء، وكأمرهُ على النّاسِ كُلَّهم لَهُ إخوة أجمعين، مذ كانُوا وسيكُونُون على كلِّ مكانٍ وفي كُلِّ زمانٍ.

 السَّلام يَا أخي أنْ تحيَا في لُبِّ التسبِيحةِ مَا ٱجتاحكَ مِنْ إعصارٍ أَو ألْقت عليك السماءُ مِنْ نارٍ، فسبحان المحبّة والخير والجمال والحرِيَّة والسلام، لَا أنْ تلعن وتكون في حميمِ اللِّعانِ، فما ٱعتَلَّتِ النّفسُ إلَّا مِن القلقِ والاِضطِرابِ ولَيْسَ لها مِنْ بَلْسمِ شفاءٍ إلَّا أنْ تطلقها في جَمالِ السَّلَامِ، فحرِيُّ بكُم إخوتي أنْ تُبرِؤُوا أنفسكم من آفاتِهَا وتصيروا على عيوبها باِلسيطرة قادرُون.

 إنَّك تطلب الأمن لِنفسِكَ مِمَّا يعتملُ فيهَا وما يجتاحهَا فأدرأهَا في السَّلامِ تكنُ وإيَّاها في السلْمِ وفي الأمانِ.

 إيهٍ إخوتِي إذا أردتمْ الإِيْمان فعليكم أوَّلا أنْ تهيئُوا لهُ بِساط السلام، لِأنَّ السَّلامَ هُو الحاضِنةُ المثلىٰ لِكافةِ الفضائِلِ فيها تنموا وتترعرع لأطيب الثمار.

 طهر نفسكَ منْ خبيثِ الشَّهواتِ ومنْ ميولِ كُلِّ هوىٰ ذي غبارٍ، وطَهَر نفسكَ مِنَ الحمَّىٰ على تحقيق الرَّغائِبِ فما محموم محرور في عينيهِ سعر أوار الجمرِ صنو سليمٍ سوِيّ قرير العين، فذلك الحرِيُّ يُقربُكَ أكثر أنْ تحيا فِي ثابِتِ السَّلَامِ، فأنَّكَ إنْ ترفع كأس الخمرِ ٱغترافا بلا رقيب لِعطشِ نفسِكَ للاِرتِواءِ من المسرات بالثملةِ وحاطا كل رحالك في الدَّنِّ فٱعلمْ أنت حين تصحو من سكرتك تكون قد أدرأت نفسك إلى أثقالِ الأحزانِ والأوجاعِ والٱضْطرابِ فما أغناك عنْ كلِّ ذلك لو كانت رغبة لك أو شهوة بقدرِ الاتِّزان وعَلى سبِيلِ سلامةِ الصحةِ مِنْ أنْ تكون أنتَ العلِيلُ، وما أغناك عنْ داءٍ وٱضْطِرابٍ لَولَا أنت في حسنِ الٱخْتِيَارِ لِتثبت فِي قُوةِ السلامِ مبرأً مِنْ كُلِّ سمٍّ، كذا لا تغترفَ لِجَوفِكَ إلَّا الماءَ الصافِيَ العذبَ ولِعاقِلتِكَ إلَّا التفكِيرَ النقيَ السليمَ ولِنفسِكَ إلَّا جمالَ الفضائلِ وكُنْ في طهرِ المحبَّةِ ونقاء الحريَّة يَكُن لَكَ التغيِّرُ عَلَى سلَّمِ الارتِقاءِ حتميًا وأكِيدا، فما أغناك إلّا أنْ تكون وعلى الحقيقةِ فائق القدرةِ في التحكم وفي مستقر مكِينٍ.

 ألآ أنظروا إلى الطُّيُورِ المهاجِرَةِ من إقليمٍ إلى آخرٍ، إنَّهَا في الرِّحلةِ لا تعبأُ بِأجواءٍ تصيرُ عليها بِتقلبُاتٍ، ثم ٱنظروا إلى طير الحباري وحباريات ومَا أطلقت من أجنحةٍ لِفضاءٍ أو تهاوت على التُّراب فوق الأعشاب، فأنَّهَا وإنْ تصير الجوارح بِأجنحةِ التّوثبِ لِلقنص عليهَا مع انتباهتها لأيِّ خطرٍ يمكن أن يُداهِمُها تحيا في طمأنينة الرضىٰ وتحيا في السلام، كذا الغزلان على شطحاتِ الماء وإن حاصرتها لبوات أو ذئابٌ فهي ترعىٰ العشب وترشف المَاءَ واثقة في قدرتِها وقانعة بِما هي فيه على نبهةٍ وفي السَّلَامِ، كذا أنْتُمْ يَا أبناءُ الطَّبيعةِ مسالِكُمْ لَا تخلو من العثراتِ وكما الخير فوق رؤوسِكُمْ كذلك الشَّر يحومُ ويتربص بكم الموت، ضِياءٌ وعتمة قدامكم فٱطمئِنُوا وٱرضُوا إذ لَا مناص أنفسكُمْ في السلامِ تكسبُونَ، ولا يصير الإنسانُ كاسِرا وجارحا إلَّا حِين الدِّفاع عن النَّفْسِ وحِين الحريّ لَا مناص، فلست أنت في جوهرك بمُفترسٍ أو فريسةٍ بل الحريّ أنت هو الإنسان. 

 ومَا التسامح والمودةُ والاِعْتِذار والصفح إلا رفقاء السلَام، كذا الصفاءُ والطمأنِينة والغِبْطة والرضَىٰ أحِبَّة السلام.

 إنَّ الذي يحيا في السلام فعالٌ في كُلِّ أمرٍ يريدهُ وإنْ شابه المحالِ، يُغيّر مَا ٱستطاع من قدرٍ أو أقدارٍ، إذ يرغبُ ودائما أنْ يُسطَرَ بِيدِهِ أمرهُ فلَا انكِفاء، لَا ولَا ٱستسلام.

 إنَّ السَّلام البُنيان المتين الذي تقيم فيهِ نفسك لِتنطَلقْ روحك مجنحة في أنوارِ الأعالي، وإنَّ السَّلَامَ هو محرر الأجنحة لِنِعمةِ الحيَاةِ، مطلق حريَّتك مِمَّا يصير عليهَا من أوهاقٍ الدوابِ وقيُودِ العبِيدِ.

 إِنكُم إنْ تكونُوا في السلَامِ تتذوقوا حلاوة التفوقِ وتنتشوا إعجابا في الإرادة ذات القدرة على الٱرْتِقاءِ.

 إنَّ السَّلامَ غاية أكيدةٌ مِنْ غاياتِ الإنِسيَّةِ لِتحيوا في جمالِ الحياةِ على الوجودِ كوامِلٌ إِنسِيُّون.


       من كتاب الإنسان الكامل النوراني لمؤلفه :

           المهندس أبو أكبر فتحي الخريشا

                              آدم

... يتبع له الجزء الثاني موضوع ( الحرب والسلم )*

هناك تعليق واحد:

  1. ابدعت كالعادة، السلام التصالح مع الذات والرضا

    ردحذف