إذا لم تكن منهم فانظم اليهم!!!
أنا من مواليد الخمسينات.. جيل أراه في طور الانقراض.. جيل يرى الحياة ليس بالعين التى يراها بها أناس اليوم.. جيل يرى السعادة في الراحة النفسية و السلم الداخلي والحب بلا شروط، وليس في الانفراد والوحدانية و تكديس الأرصدة والعيش البادخ وامتلاك كل أنواع الماديات.. الذي يعيش وبعده الطوفان...
أنا اليوم هذا الضعيف، ازددت في عائلة غنية جدا. لكن ليس بذلك الغنى الذي يدندن به لسان حال أقوامنا والذي هو امتلاك المال، ولكن عائلة، غنية بغنى القلب المفعم بالإنسانية. قلب يحب ما بالكون فيزيده الكون من الحب ما يكفيه و يمنح منه للآخرين.. صفة تفتقر إليها القلوب اليوم. صفة تفتقدها، كطاقة، كثير من عائلات اليوم. عائلتي كانت غنية بغنى المحبة الذي هجر جيوب مجتمع اليوم مرغما لا بطلا. مرغما بترك المكان لغنى المال. هذا المال الذي أصبح هو ركيزة حياة كل بني البشر. الكل استثمر مشاعره في حب المال فلم يبق للقلب مشاعر لحب الانسان.. فلا أخ يسأل عن أخيه ولا جار يسأل عن جاره.. ولا حتى أب يسأل عن ابنه إن هو غاب عنه...
ازددت في عائلة غنية جدا. لم تفكر يوما في كسب السيارة ولا الفيلا و لا السفر خارج نطاقها. عائلة راضية بما هو في يدها. منه تصنع سعادتها وسعادة ابنائها.. عائلة ارضعتني الحنان و العطف ومحبة الآخر.. أب وأم، هدفهما من وجودي محبتهم لي.. وتربيتهم لي هي لتعليمي محبتهم ومحبة من يدور في فلكهم.
من أمي، و أبي، اكتسبت العمل بجد و التحدي. لم أكن يوما أطمع في جمع المال بالغش أو الاختلاس أو الرشوة، وقد تعرضت لهذا وكان موقفي الرفض.. من أمي و أبي المتواضعين، تعلمت بالقليل المادي الكثير المعنوي.. كانا بجانبي بالليل والنهار.. شباب اليوم، أظلمه إن حاسبته على تصرفاته التي لا تلائم تصرفاتي. فهو ليس مسؤولا عما وصل اليه. فالأم والأب في غياب عن الابناء. عملهما المتواصل خارج البيت، للبحث عن المال جعلهما والاطفال بعيدين عن بعضهم. الأطفال تسهر على تربيتهم مربيات شابات في المنزل أو في الروض. مربيات لا زلن لا تعرفن معنى الأمومة. مربيات همهن هن الأخريات، جمع المال.. يسرقن فيتعلم الطفل السرقة. يكذبن فيتعلم الطفل الكذب. يسكتن الأطفال بالضرب فيحدث هذا اضطرابات في نفسية الطفل. مربيات ينومن الاطفال بالمخدرات فيصيرون مدمنين منذ الصغر.
أبي كان يحب الارض. يحرثها و تعطيه من خيراتها. يأكل منها ويؤكل. يحب السماء وتعطيه من غيثها يروي منه عطشه و يسقي به حرثه.. اليوم، الأطفال يرضعون حليب المصانع، يشربون ماء المصانع. يأكلون خبز المصانع... فكيف نريدهم غير ما وجهناهم نحوه وهو ما هم عليه؟ كيف نطلب منهم الحنان وقد افتقدوه وهم صغار؟ كيف نريد منه طاعتنا وهم ثائرون على مجتمع نحن من كرهناهم فيه..
أمي كانت تحلب البقرة وتستخرج لنا من حليبها اللبن الطاجز و الزبدة و السمن. تعجن الدقيق و تهيئ لنا خبزا مطهيا فوق نار الحطب. نشم فيه رائحة بخور اعواد الاشجار التي تمدنا بالثمار.. اليوم، الأمهات تردن الاحتفاظ برشاقة اجسامهن، تهيئن أكلات سريعة من مواد المصانع. عجين مهيئ، توابل مهيئة، أكثر ما تحتويه هو مواد كميائية. مجتمع مهلوك باستهلاك مواد لا يعرف ما بها ولا مصدرها. مجتمع أكلاته مطبوخة بسرعة في كوكوت على نار الغاز أو في أفران الكهرباء. خبز تشم فيه رائحة غاز البوطان وإن لم تشمها فيه فهي، لا محالة، اصبحت من مكوناته.. الكل يأكل بسرعة و يحتفظ بما تبقى من الطعام في الثلاجة ليأكله، في ما بعد وقد افسدت المدة مكوناته.. الكل لا يهمه غداء الروح ولا تطوير الذكاء بل الكل عوض ذكاءه بامتلاك الهاتف الذكي والتلفاز الذكي والحاسوب الذكي ففقد الكل ذكاءه وأمسى ضحية الاستهلاك الفاحش. رؤيته للمستقبل هو الوصول لامتلاك فيلا وسيارة و رصيد...
أنا، كبرت في عائلة منزلها صغير، لكنه كبير بحبه، واسع الأطراف بترحيبه بكل زواره. بيت فيه الصغير يحترم الكبير، و الكبير يحمي الصغير. بيت فيه الأب هو الآمر، هو الناهي، هو القائد.. بيت فيه الأم هي منبع العطف والحنان. هي من تجبر الخواطر. هي من ترشد. هي من تلملم الذكريات ليس كأم اليوم، المنشغلة دأئما، محشورة في مكتب وظيفتها وإن لم تكن لها وظيفة فهي تعمل، كل يوم، كسائقة طاكسي لوصول الأطفال الى المدرسة أو الروض...
كبرت في عائلة غنية بإكرام الضيف، إذ تقدم له الثمين مما تملكه. غنية بتشبتها بأصولها. غنية بقول الحق ولو في نفسها. غنية بشرفها. غنية باحترام رجالها نسائها، و قوامة رجالها على نسائها، و تقدير صغارها لكبارها...
أنا اليوم أتخبط بين جيلين. ذاك الذي تركني وانقرض، وهذا الذي يرفضني لأنه يرى في بقية ذاك الذي انقرض...
عندما دخلت الجامعة، وعمري 65 سنة، كان الطلاب يرونني بينهم كثور أبيض وكان الكثير منهم يتساءل ما فائدة وجودي بينهم، و خط وصول نهاية حياتي، يرى من قريب.. ما فائدة تلقي العلم وقد هرمت؟ أي جنون مسني وقد تقاعدت بعد 30 سنة من العمل؟
ها أنا اتساءل اليوم:
- هل ما نحن فيه وما وصلنا اليه، من تعقد الأمور، ومن حروب، ومن حقد، ومن اللاإنسانية، ألا يكون سببه هو هذا الرفض لبعضنا البعض؟ ألا يكون سببه هو هذه الخروقات لنظام الحياة الطبيعية و الابتعاد عن ما خلقنا له و التشبت بالتفاهات و الجري وراء الاموال تحت دريعة التقدم و الحضارة التي ابعدتنا عن أنفسنا ثم عن غيرنا؟
الا يكون كل هذا هو من جعل من انسان اليوم انسانا أنانيا حتى النخاع. انسانا لا يحب النصح. انسانا فرداني. انسانا يكذب. انسانا يغش. انسانت طماعا. انسانا فقدت الثقة منه. انسانا خلع لباس المعنى وارتدى لباس المادة فلم يعد يمنعه شيئ من ارتكاب المحظورات للبحث عن ما يظنه السعادة ولو بالعيش بالمخدرات...
أحمد علي صدقي/المغرب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق