كاتب صغير أحمق
كان الطقس حاراً ولزجاً، رفعتُ حقيبتي السوداء فوق رأسي، لكن جلدها الطري الساخنْ سرعان ما أخذ يلسعُ اصابعي! بدأتْ ظلال الغضبْ تلوّنُ ملامح وجهي، فالباص الملعون قد تأخر أكثر من المعتاد هذه المرّة!. ألقيت نظرة حولي، أغلب الوجوه عابسة، أضحكني منظر الرجل البدين أمامي، يدٌ تمسح العرق المتصْببْ على جبينه وأخرى يشدُّ بها بنطاله، أنزلتُ الحقيبة فجأة وأنا أهمسُ بشتائم قد لاتوجد حتى في أكبر قواميس اللغة، همست لنفسي، تباً وألف تباً، كيف فاتني أمر الفأر! ربما شَوته أشعة الشمس الآن ، يا للمسكين، كان فأراً نحيفاً هشاً وطرياً، أتذّكر حين أمسكته كيف حدّقَ فيَ بذعر حتى كاد يبكي! لكني منحته آنذاك وعداً بالأمان، إنه يجلسُ ساكناً في قعر الحقيبة، محاطاً بالظلام وبوعدٍ أطلقته، وأنا اداعب شاربيه الهزيلين، بأني سأفعلُ ذلك حالما نستقلُّ الباص!. كانت فكرة خرقاء تلك التي تَرسبتْ في ذهني، لا أعرف من الذي أشار بها عليَ حينها ،لكنه أخبرني بأن هذه أفضل طريقة للحصول على مواد دسمة من أجل الكتابة، وقد قَررتُ بعد أيام من التردّدْ، تطبيقها على أرض الواقع! كانتْ فكرتي هذه تقوم على دراسة ردود أفعال الركاب، فيما لو أطلقتُ فأراً بينهم! وحتى أكون دقيقاً فإني قد ضحكتُ كثيراً في غرفتي، حين طَرأتْ في بالي هذه الفكرة، رحتُ أتخيّل الذعر وجميع من في الباص يعلّقونَ سيقانهم ويرفعونها للأعلى وهم يصرخون فأر، فأر، كدتُ أشرق بضحكتي، لكن لا، يجب أن لا اضحك والا إنكشفَ أمري وباءتْ خطتي بالفشل، المفروض بي ككاتبٌ متمرّسْ عركّتهُ التجارب أن أكتفي بأشاحة وجهي وأمنحُ نفسي فرصة كبيرة لمراقبة ردود الأفعال فحسبْ، نعم هكذا يجب أن أتصّرفْ، وسيكون من الأفضل لو رَسمتُ على وجهي بعضُ تعابير الخوف، آه تباً لي من كاتبٍ ذكي ولعينْ!. أثار الباص جلبة من التراب وهو يقف عند محطة الإنتظار عارية السقف، أصطدمنا ونحنُ نحاول الصعود ببعض الركاب الهابطين، أختلط حابلنا بنابلهم، حاولَ الرجل البدين أن يصعد لكني تخطيتهُ بسرعة، أخذ يتأفف وهو يقيس بنظره جسدي الهزيلْ، رفعتُ الحقيبة بيدْ، وباليد الأخرى حاولتُ فسح طريقاً، أخذتُ أدمدمُ مع نفسي، من أين تخرج هذه المخلوقات؟ أخيراً وجدتُ نفسي أمشي في الممر وأنا أتصفّحُ الوجوه التي أرتسم على أكثرها مشاعر توحي بالغبطة والرضا، رفعتُ رأسي، ثمة مقاعد فارغة في نهاية الباص، تنفستُ الصعداء وأنا أرمي بنفسي على مقعد بجوار النافذة، تركت الحقيبة على المقعد الفارغ بجانبي، لكني ما لبثتُ أن وضعتها في حجري حين راح الرجل البدين يحدجني بنظراته التي كانتْ تنطقُ بنفاد الصبرْ. أنطلقَ الباص وأخذَ يمخرُ عبابْ الشارع الاسفلتي، سرعان ما فاحتْ في الجو روائح غريبة، سحقاً، حدقّتُ بطرف عيني لجاري البدين والتصقتُ أكثر بالنافذة، رحتُ أتطّلعُ أمامي، الباص شبه ممتلئ، كان بودي الاطمئنان على فأري المسكين، حتماً هو عاتب عليّ الآن، ألم أمنحه وعداً بأطلاق سراحه؟ كدتُ أن أضحك وأنا أتخيلُ غضبه وهو يقطع قاع الحقيبة جيئة وذهاباً، وكأنه يقول، كلكم كاذبون، حتى أنت أيها الكاتب المهذّبْ. ما أن توقفَ الباص في المحطة التالية حتى كان جاري البدين قد هبطَ مع ثلّة من الركاب وهو يواصل إزاحة العرقْ عن جبينه ، وجدتُ أن الرؤية أصبحتْ واضحة، كانتْ أصابعي تداعبُ سحاب الحقيبة، فكرتُ بأن الوقت قد حانَ ربما للأطمئنان على فأري العزيز، أدرتُ وجهي في مختلف الأتجاهات، آه مازالَ الوقتُ مبكراً للقيام بذلك، أنطلق الباص، فَتحتُ زجاج النافذة، لفحني الهواء البارد، شعرتُ بمن يجلس بجواري ، عَبقتْ قرب أنفي رائحة شذا الياسمين الطيّبْ، َهبطتْ اليدُ البضّة البيضاء برقّة ومسّتْ ظهر المقعد أمامها، آه، هي امرأة أذن، وأكادُ أجزم بأنها فاتنة، أخذتُ نفساً عميقاً، ثم أستدرتُ ببطء شديد صوب جارتي، صعقني منظرها، يالروعة هذا الصباح! كانتْ بالفعل تضجُّ بالأنوثة، صدرها البارز للأمام أصابني بالدوار، وكأنه يهتف بي، حدّقْ ياولد لكن لاتلمسْ وإلا انفجر البالون! نسيتُ أمر الفأر السخيف، حاولتُ أن ابدأ حديثاً معها، قد تكون موضوعاً طازجاً لقصتي القادمة، من يدري! تنَحنحتُ بصوتٍ خافتْ ثم استدرتُ بكامل جسدي صوبها، قلت :
_عفواً هل تريدين النافذة؟ أعني تغيير مقعدك. قلت ذلك وانا أشير بيدي شبه المرتعشة صوب الزجاج، خُيّل لي بأنها لم تسمع، المغرورة، حتى إنها لم تلتفتْ نحوي ، أبتلعتُ خجلي، والتصقتُ أكثر بالنافذة، فجأة أستدارتْ برأسها، يا إلهي، ما أعذبُ صنعة الربْ ، قالتْ وهي ترفع أفخم حاجبين :
_عفواً، هل كنت تتحدث الي؟. أبتلعتُ ريقي وأشتّدتْ قبضتي على الحقيبة، قلت وأنا أحاول أن لا ارمش أمام الوهج المنطلق من عينيها :
_نعم سيدتي، آسف، فَكرتُ بأنكِ قد تودّينَ الجلوس قرب النافذة، النسيم يهبُّ بصورة طيبة كما ترين . أبتلعتُ باقي الكلمات وأنا أراها تنهض فعلاً وهي تبتسم، قالتً بعد أن التصقتْ بالنافذة بجسدها الفخم :
_شكراً لك، كان لطفاً منك أن تفعل هذا. (يتبع للجزء الأخير)
بقلم /رعد الإمارة /العراق /بغداد
كان الطقس حاراً ولزجاً، رفعتُ حقيبتي السوداء فوق رأسي، لكن جلدها الطري الساخنْ سرعان ما أخذ يلسعُ اصابعي! بدأتْ ظلال الغضبْ تلوّنُ ملامح وجهي، فالباص الملعون قد تأخر أكثر من المعتاد هذه المرّة!. ألقيت نظرة حولي، أغلب الوجوه عابسة، أضحكني منظر الرجل البدين أمامي، يدٌ تمسح العرق المتصْببْ على جبينه وأخرى يشدُّ بها بنطاله، أنزلتُ الحقيبة فجأة وأنا أهمسُ بشتائم قد لاتوجد حتى في أكبر قواميس اللغة، همست لنفسي، تباً وألف تباً، كيف فاتني أمر الفأر! ربما شَوته أشعة الشمس الآن ، يا للمسكين، كان فأراً نحيفاً هشاً وطرياً، أتذّكر حين أمسكته كيف حدّقَ فيَ بذعر حتى كاد يبكي! لكني منحته آنذاك وعداً بالأمان، إنه يجلسُ ساكناً في قعر الحقيبة، محاطاً بالظلام وبوعدٍ أطلقته، وأنا اداعب شاربيه الهزيلين، بأني سأفعلُ ذلك حالما نستقلُّ الباص!. كانت فكرة خرقاء تلك التي تَرسبتْ في ذهني، لا أعرف من الذي أشار بها عليَ حينها ،لكنه أخبرني بأن هذه أفضل طريقة للحصول على مواد دسمة من أجل الكتابة، وقد قَررتُ بعد أيام من التردّدْ، تطبيقها على أرض الواقع! كانتْ فكرتي هذه تقوم على دراسة ردود أفعال الركاب، فيما لو أطلقتُ فأراً بينهم! وحتى أكون دقيقاً فإني قد ضحكتُ كثيراً في غرفتي، حين طَرأتْ في بالي هذه الفكرة، رحتُ أتخيّل الذعر وجميع من في الباص يعلّقونَ سيقانهم ويرفعونها للأعلى وهم يصرخون فأر، فأر، كدتُ أشرق بضحكتي، لكن لا، يجب أن لا اضحك والا إنكشفَ أمري وباءتْ خطتي بالفشل، المفروض بي ككاتبٌ متمرّسْ عركّتهُ التجارب أن أكتفي بأشاحة وجهي وأمنحُ نفسي فرصة كبيرة لمراقبة ردود الأفعال فحسبْ، نعم هكذا يجب أن أتصّرفْ، وسيكون من الأفضل لو رَسمتُ على وجهي بعضُ تعابير الخوف، آه تباً لي من كاتبٍ ذكي ولعينْ!. أثار الباص جلبة من التراب وهو يقف عند محطة الإنتظار عارية السقف، أصطدمنا ونحنُ نحاول الصعود ببعض الركاب الهابطين، أختلط حابلنا بنابلهم، حاولَ الرجل البدين أن يصعد لكني تخطيتهُ بسرعة، أخذ يتأفف وهو يقيس بنظره جسدي الهزيلْ، رفعتُ الحقيبة بيدْ، وباليد الأخرى حاولتُ فسح طريقاً، أخذتُ أدمدمُ مع نفسي، من أين تخرج هذه المخلوقات؟ أخيراً وجدتُ نفسي أمشي في الممر وأنا أتصفّحُ الوجوه التي أرتسم على أكثرها مشاعر توحي بالغبطة والرضا، رفعتُ رأسي، ثمة مقاعد فارغة في نهاية الباص، تنفستُ الصعداء وأنا أرمي بنفسي على مقعد بجوار النافذة، تركت الحقيبة على المقعد الفارغ بجانبي، لكني ما لبثتُ أن وضعتها في حجري حين راح الرجل البدين يحدجني بنظراته التي كانتْ تنطقُ بنفاد الصبرْ. أنطلقَ الباص وأخذَ يمخرُ عبابْ الشارع الاسفلتي، سرعان ما فاحتْ في الجو روائح غريبة، سحقاً، حدقّتُ بطرف عيني لجاري البدين والتصقتُ أكثر بالنافذة، رحتُ أتطّلعُ أمامي، الباص شبه ممتلئ، كان بودي الاطمئنان على فأري المسكين، حتماً هو عاتب عليّ الآن، ألم أمنحه وعداً بأطلاق سراحه؟ كدتُ أن أضحك وأنا أتخيلُ غضبه وهو يقطع قاع الحقيبة جيئة وذهاباً، وكأنه يقول، كلكم كاذبون، حتى أنت أيها الكاتب المهذّبْ. ما أن توقفَ الباص في المحطة التالية حتى كان جاري البدين قد هبطَ مع ثلّة من الركاب وهو يواصل إزاحة العرقْ عن جبينه ، وجدتُ أن الرؤية أصبحتْ واضحة، كانتْ أصابعي تداعبُ سحاب الحقيبة، فكرتُ بأن الوقت قد حانَ ربما للأطمئنان على فأري العزيز، أدرتُ وجهي في مختلف الأتجاهات، آه مازالَ الوقتُ مبكراً للقيام بذلك، أنطلق الباص، فَتحتُ زجاج النافذة، لفحني الهواء البارد، شعرتُ بمن يجلس بجواري ، عَبقتْ قرب أنفي رائحة شذا الياسمين الطيّبْ، َهبطتْ اليدُ البضّة البيضاء برقّة ومسّتْ ظهر المقعد أمامها، آه، هي امرأة أذن، وأكادُ أجزم بأنها فاتنة، أخذتُ نفساً عميقاً، ثم أستدرتُ ببطء شديد صوب جارتي، صعقني منظرها، يالروعة هذا الصباح! كانتْ بالفعل تضجُّ بالأنوثة، صدرها البارز للأمام أصابني بالدوار، وكأنه يهتف بي، حدّقْ ياولد لكن لاتلمسْ وإلا انفجر البالون! نسيتُ أمر الفأر السخيف، حاولتُ أن ابدأ حديثاً معها، قد تكون موضوعاً طازجاً لقصتي القادمة، من يدري! تنَحنحتُ بصوتٍ خافتْ ثم استدرتُ بكامل جسدي صوبها، قلت :
_عفواً هل تريدين النافذة؟ أعني تغيير مقعدك. قلت ذلك وانا أشير بيدي شبه المرتعشة صوب الزجاج، خُيّل لي بأنها لم تسمع، المغرورة، حتى إنها لم تلتفتْ نحوي ، أبتلعتُ خجلي، والتصقتُ أكثر بالنافذة، فجأة أستدارتْ برأسها، يا إلهي، ما أعذبُ صنعة الربْ ، قالتْ وهي ترفع أفخم حاجبين :
_عفواً، هل كنت تتحدث الي؟. أبتلعتُ ريقي وأشتّدتْ قبضتي على الحقيبة، قلت وأنا أحاول أن لا ارمش أمام الوهج المنطلق من عينيها :
_نعم سيدتي، آسف، فَكرتُ بأنكِ قد تودّينَ الجلوس قرب النافذة، النسيم يهبُّ بصورة طيبة كما ترين . أبتلعتُ باقي الكلمات وأنا أراها تنهض فعلاً وهي تبتسم، قالتً بعد أن التصقتْ بالنافذة بجسدها الفخم :
_شكراً لك، كان لطفاً منك أن تفعل هذا. (يتبع للجزء الأخير)
بقلم /رعد الإمارة /العراق /بغداد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق