**حتماً..حتماً**
قصة قصيرة..بقلمي..أ.#ايمن -حسين- السعيد..إدلب...الجمهورية العربيةالسورية.
كان أستاذ الرياضيات في ثانوية قريتنا،من أهل وسكان القرية.
طويلاً....ممشوقاً ذو بشرةٍ بيضاء وعينين خضراوين وشارب عريض أشقر مشذب ،وبشعرخفيف مائل إلى اللون الأحمر وكان دائما يلبس ذلك المعطف الطويل البني من الجوخ،حاملاً بيده مسطرة خشبية طويلة ونادراً ماكنا نراه بدونها.
في الحقيقة كنت كما غيري لا أفهم ولا كلمة من درسه، وكنت كلما أعطانا درساً أذهب إلى ابن خالي طبيب الأسنان فيفهمني إياه جيداً.
كان درسه سريعاً كلمح البصر،.....فمن شدة عبقريته يعطينا الدرس وكأنه يحدث نفسه ويشرح كأنه يشرح لنفسه ويرسم ويمحو بالممحاة، ويصحح وكله لنفسه فمن شدة اندماجه بشرح الدرس تخاله يحدث نفسه منهياً كلامه بكلمة حتماً حتما.ً.هذه هي النتيجة.
كان كل من في الصف يخافه ويهابه، فالجميع تقريباً له صلة قرابة به قريبة او بعيدة، كانت الحصة مدتها خمسُُ وأربعون دقيقة..ينهي درس الجبر أو الهندسة بأقل من عشرين دقيقة...بعد ختامه الدرس بكلمته المعتادة حتماً حتماً...هذه هي النتيجة.
،يستدير نحونا قائلا:
-حتماً الجميع فهم ماشرحته من منكم لديه سؤال!؟
كنا لا نجيب أبداًعلى الرغم من أن معظمنا مافهم كلمة واحدة مماقاله، ولكن خوفنا منه ومن مسطرته الخشبية ومن تهكمه الدائم على كل واحد منا هو ماكان يحول دون أن نعرب حقاً عما يجول في عقولنا من استفسارات شتى حول درسه.
كان معنا طلاب من قرى أخرى،... ويتكلمون باللهجة البدوية ،وكانوا لا يعرفون طبيعة شخصيته في بداية الأمر يستفسرون منه حول الدرس، ويسألونه..طالبين منه شرح نقطة معينة في درس جبرٍ أو هندسة
- أستاذ بالنسبة لمعادلة الدرجة الثانية مافهمتها والله.
ينظر الأستاذ إلى ذلك الطالب وبعينيه الخضراوين اللتين تجحظان بدهشة في وجه ذلك الطالب ويتقدم نحو مقعده بمسطرته ويضربه بها على كتفه.
-حتما لن تفهم وكيف تفهم..هذه الرياضيات والمعادلات للعباقرة وليس للرعاة عين عمك أتسمع مني على مايبدو أن مخك سميك جدا ، سلم لي على والدك وقل له أن أستاذ الرياضيات عبد نصحني بألا أكمل تعليمي ، وأنه من الأفضل أن تشتري لي كم غنمة وأعمل برعي الغنم وتسمين الخراف، أحسن من أضيع العمر والوقت هدراً.
-أستاذ لدينا غنم
-عال عال من الأفضل لك أن تبقى مع غنماتك لما تتعب نفسك بالمجيء إلى المدرسة وتتعبنا بمخك السميك
-أستاذ أنا مخي سميك وأنت من فتح الله عليك وزادك علماً فزدنا من العلم ولا تبخل به علينا.
-وتتفلسف أيضا...ماشي..ماشي سأشرح لك فانتبه ولن أعيد.
-حاضر أستاذ
ويعيد أستاذ عبد الدرس بكلماتٍ تخرج منه رشاً......
وبعصبية وليس دراكاً وبتروٍ من غير أن يعير نظره لهذا الطالب الذي أحرجه.
ثم يرمي بالطبشورة على ذلك الطالب...قائلاله..أفهمت الشرح أم لا.
- والله يا أستاذ لم أفهم ولكن مشكور تعبك.
- اخرج من الصف اخرج من الصف...ياالله...حمار..حتماً أنت حمار..حتماً حمار.
ويخرج الطالب من الصف وهو مطأطأ الرأس خجلاً
ومن ثم يستدير نحو الطلاب قائلاً:
-من لم يفهم الدرس فليلحقه كذلك.
ويخرج الطلاب الغرباء........ عن القرية جميعهم متضامنين مع زميلهم ،ومن أجل أن يدخنوا..أيضاً.
لم يكن الطلاب يعتمدون عليه كثيراً،بعد مواقفه هذه وسلوكه المستهجن ، فلذلك جُلهم انخرط في دوراتٍ مسائية بمادة الرياضيات عن طريق منظمة اتحاد شبيبة الثورة غير عابئين به وبدرسه.
ونجحت بامتحان الصف الثالث الإعدادي ونلت علامة جيدة في الرياضيات وقدرها اثنان وأربعون من أصل ستون درجة بفضل ابن خالي (ابن أخ جدتي لوالدتي) طبيب الأسنان وليس بفضله..متحصلاً على الترتيب الخامس من أصل اثنين وخمسين طالباً هم العدد الكلي للشعبتين، كما نجح معي ذلك الطالب البدوي بمجموع هزيل.
اتبعت..في الصيف معسكرين ترفيهيين أحدهما في مدينة الحواش غربي محافظة حمص والآخر في مدينة الشيخ بدر بمحافظة طرطوس..على الساحل السوري..وامتدت فترتيهما مابين شهري آب وأيلول..كانت تجربة مختلفة كليةً بالنسبة لي، فقد كسرت حاجز الخجل عندي وأطلقت مواهبي في الشعر على مسرح المعسكرين في حفلاته المسائية اليومية..وكونت عدة صداقات مع فتيات وبعض من الفتيان..ولا زالوا أصدقاء لي حتى مع تقدمنا في السن.. وحتى لحظةمفارقة البعض الآخر للحياة منهم.
مع دخولي الصف الأول الثانوي كنت لأول مرة أحلق ذقني وافرق شعري الكثيف مقلداً مطرباً عربياًكان مشهوراً بوسامته وأغانيه الجميلة.......وكان أستاذ مصطفى أستاذ اللغة الانجليزية لا يناديني باسمي بل باسم ذلك المطرب ..وليد توفيق..وكنت أحبه كثيراً أي
الأستاذ مصطفى فقد كانت معاملته معي ومع الجميع معاملة صداقة واحترام ،وكان مخلصا في تدريسه جداً وصاحب نكتة وهو من جعلني احب مادة اللغة الانجليزية لتأثيره الإيجابي على نفسي ونفوس بقية الطلاب ،وكانت شعبتي هذه المرة مختلطة على عكس السنة الفائتة.
وما إن دخل أستاذ عبد الصف، وكالعادة المسطرة بيده حتى تفاجأ بشكلي الجديد...... وبمسطرته..بدأ يخرب تسريحتي منزلاً بمسطرته .....على ذقني متهكما...
-فرقة شعر هذه مانوعها...فرنسية..أم ايطالية...؟مقصوف العمر ماسح ذقنك!!..ماشاء الله ماشاء الله.
واحمر وجهي خجلاً وحنقاً منه فلم أعتد منه او من غيره السخرية والتهكم وخاصة أمام الطالبات...وهذا ما أثار حنقي..
ولم يكتف بذلك، بل وضع كلتا يديه وخرب بشكل عنيف تسريحة شعري بزيادة..لم انبس ببنة شفة ولم أتكلم.... ولم أدافع عن نفسي احتراماً لصلة القرابة ولغرس أمي والمجتمع تربية في نفوسنا، نحن القرويون أن المعلم هو شخص مقدس وأنه بمنزلة الوالدين وأكثر في القداسة .
وعليه كنت دائم الشعور بالخجل والاحترام من أي ولأي معلم، فكيف بالأستاذ عبد وهو يمت لي بصلة قرابة بعيدة، فجدي تزوج إحدى عماته رحمهما الله وبعدها بدأ باعطاء الدرس بينما أنا بدات بتسوية تسريحة شعري بأصابع يدي..نظر إلي نظرة بعينيه الخضراوين اللتين جحظهما كالعادة حتى خلت أنهما سيخرجان من مكانهما.
-دع شعرك لا تصلحه...دعه..حتماً..ستعيده إلى ماكان عليه وستفرقه كما شعر وليد توفيق..ويضحك علي بسخرية قائلا:هكذا أحلى..
يتابع درسه كالعادة لم أكن أفهم منه شيئاًغير تكراره لكلمة حتماًحتماً.
وبينما هو كذلك يُطرقُ باب الصف...
فيرد الأستاذ عبد بصوت عال
- تفضل.
وإذ بساعي بريد قريتنا وبيديه مظروفات حنطية اللون ودفتر سجل التسليم، عرفت أنني المقصود من زيارته ،وخاصةً أنه اليوم الثالث من الشهر كالعادة، أستلم مجلات كنت مشتركاًبهامنذ سنتين آنذاك.
بالإضافة لمراسلة بعض الصديقات والأصدقاء لي من مختلف المحافظات...ولكنه على غير عادته هذه المرة أتى الصف، إذ كان يسلمني البريد الوارد لي في البيت مساءً بحكم أننا جيران، أو في فرصة مدرسية دراسية أثناء تسليمه بريد وجرائد ثانويتنا.
-السلام عليكم أبو حسام (الأستاذ عبد)ويقترب منه مصافحاًإياه.
ويتهلل وجه الأستاذ عبد مُرحباً به.
'-أهلاً وسهلاً أهلاًوسهلاً (أبو النوري) خيرا إن شاء الله.
-خير إن شاء الله فقط أريد تسليم جاري أبو حسين (أنا) بريده ومجلاته.
أتقدم إليه ويعطيني القلم لأوقع على سجل التسليم.
وأمام الأستاذ عبد والطلاب والطالبات.يقول:
-تفضل ياسيدي هذه مجلة المدار السوفيتية،وهذه مجلة العربي الكويتية، وهذه ياسيدي مجلة المختار، وهذه هذه وتبان أسنانه ضاحكا مجلة الشبكة اللبنانية،
وهذه رسالة من صديقتك هيفاء...المخرم.. وهذه رسالة من صديقتك مادلين..بيروت.......وهكذا نكون خالصين..
ينفغر فاه الأستاذ عبد وتجحظ عيناه مندهشا.
-يا عين يا عين..يخرب بيتك..الذي ينظر إليك يفتكر القط يأكل عشاءك...هيفاء...مادلين..ياعين ياعين...ومجلة الشبكة...أيضا...ويفتح عن المجلة المظروف وإذ بصورة لممثلة مصرية على غلاف المجلة غير محتشمة..فتجحظ عيناه بشدة أكثر..بينما الطلاب والطالبات بدأوا بهمهماتهم وضحكاتهم لمنظره وهو على تلك الحال.
ويسألني..
-هل لوالدك علم بهذه الأمور..
-نعم أستاذ.
-من أين تسدد رسوم الإشتراك لهذه المجلات.
-من عملي أستاذ بتجارة العنب والتين.وتعرف أن جدي الحاج مسطو لايبخل علي أبداً...
ويقلب في مظروفات المجلات..
-مجلة العربي جيدة ومفهوم أمرها، ولكن مجلة المدار الشيوعية السوفيتية..ليس مفهوماً أمر اشتراكك بها.
إممم..إم..إم..ثم أن والدك الأستاذ حسين أستاذ التربية العسكرية بعثي وهو رئيس الفرقة الحزبية الشبيبيةبالثانوية...كيف هذا التناقض أأنت شيوعي؟ لا تقل لي أنك شيوعي.
-لا أستاذ أنا بعثي وعضو عامل أيضاً ولكن اشتراكي بمجلة المدار زيادة معرفة واطلاع وهي تهتم بما أرسله لها من نتاجي الشعري وتقوم بنشره بالإضافة إلى أن الاشتراك السنوي فيها لا يتجاوز العشرون ليرة سورية..وهو مبلغ زهيد.ثم أن الحزب الشيوعي من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية.
-مفهوم مفهوم.اححمم..هل نشرت لك المجلة شيئاً؟.
-نعم أستاذ والعدد موجود في المنزل ولا أعرف إن نشرت لي في هذا العدد......فقد أرسلت لها قصيدة.
يقلب في صفحات المجلة ،وإذ به ينفغرفاهه من جديد ويجحظ بعينيه وكأنه غير مصدقٍ..... هذا الموقف البتة..وإذ به فجأة..يصرخ بصوت مندهش..
- يخرب بيتك وتكتب شعراًوغزلاًوغراماً........ياعين ياعين..المجلة ناشرة قصيدتك..أنت إبليس بحد ذاته.
كم فرحت عندما أخبرني الأستاذ عبد بأن المجلة قد نشرت قصيدتي الثانية..ولو أنه كان في طريقة إخباره متهكماً، ولكني سعدت جدا بالخبر....وشعرت بنشوة عارمة.
ويضع رسالة أحد الصديقات على أنفه وهو يقول:
-...عطر ..رسالة معطرة..
ويبدأ بفتحها..هنا..في هذه اللحظة..امتقع وجهي غضباً وتحولت إلى ذئب يريد نهشه..صارخاً..به......بأعلى صوتي.
-اتركها من يدك فوراً.....وإلا سترى مني شيئاً لن يسرك.
وبسرعة البرق اتجهت إلى طاولته وأخذت المظروفات والرسائل واتجهت إلى مقعدي وبغضب فتحت سحاب حقيبتي واضعاًفيها مايخصني.
وحصل كل هذا في لحظات، بل ثوان لم أكن اجرؤ مطلقاًعلى النظر في وجهه، واستويت على المقعد كذلك من غير أن أنظر إليه ،ودرت بناظري يمنة ويسرة نحو الطلاب والطالبات الذين أصيبوا بالذهول من تصرفي.
بينما هو سمعته يقول:
-نكمل درسنا في المجموعات التجميعية والتبديلية.....وأكمل درسه..من غير أن يوجه كلمة لي..وأنا كنت في عالم آخر منتشيا سروراًوبهجة بنشر المجلة لقصيدتي وبرسالة صديقتي هيفاء المُعطرة.
فقد كان لي معها مواقف عابرة في حياتي..ولم ألتق بها إلى هذه اللحظة..بالطبع حباًمراهقاً وقبلاتٍ مراهقة.
أبحرت الذاكرة بي وقتها إلى دموعها وهي تودعني....
ممسكة بيدي..ولكن أنى تلاقيها يدي.... بعد كل هذه السنين...والتي مدتها مايزيد عن ثلاثين عاماً خلت...وهي أسترالية الجنسية الآن ومتزوجة..والتي كنت مستعداً..لضرب الأستاذ..مخافة أن يقرأ كلماتها الراااائعة في رسالتها لي.
بعد ماحصل..كان موضوعي.وموقفي..معه حديث الأستاذ عبد في غرفة المدرسين..وبحضور والدي..الذي قال له:
حسبما أخبرني مستخدم الثانوية..
-أنا والده أحترم خصوصياته..وكان عليك احترام خصوصيته وعدم وضع نفسك في مثل هكذا موقف.
أما مدرسة اللغة الفرنسية..وهي جميلة جداًوطيبة القلب ومن محافظة اللاذقية..فقد استنكرت تصرف الأستاذ عبد وأدانته وقالت له:
-أنت اعتديت على خصوصيته، واحمد ربك أنه لم يضربك..أستاذ عبد الرزاق نحن هنا مدرسين لمواد تعليمية ولسنا هنا لفضح وشرح خصوصيات الطلاب.
لم ينس الأستاذ عبد ماحصل معه ولم يترك عادته السيئة في تخريب شعر رأسي كلما كان لدينا حصة درس رياضيات حتى أنني كنت أخرب تصفيفة شعر رأسي من قبل دخوله الصف..كرهاً... مني له في عدم اقترابه مني.
وبلغ منه الأمر أن يتهكم عليّ أمام المدرسين والطلاب أثناء الفرصة مابين الحصتين.
ورجوت ساعي البريد جارنا ألا يسلمني أي رسالة أو مجلة في المدرسة، بل في البيت وأصبح هاجسي الوحيد ،هو كيف أوقف تهكمه وسخريته مني وعدم تخريبه لتسريحة شعري، فقد وصلت حد الإنفجار ولا أريد لوالدي أن يتصادم معه لأجلي، ..... لحساسيات وأمور في القرية نحسب لها ألف حساب بالعقل.
وبعد مضي شهر ونيف..على تلك الحادثة يدعوني أحد الطلاب معي لسهرة يوم الجمعة عنده..وكان والده ابن عم الأستاذ عبد ولكن على خلاف معه من أجل قضايا إرثية عالقة فيما بينهم، أثناء السهرة أتى لي بألبوم صور فيه صور للأستاذ عبد وهو في مرحلة الشباب،
هالني مارأيت..تصفيفة شعره ولباسه وبجانبه عدد من الجميلات..في مطعم علي بابا بدمشق في الستينيات من القرن الماضي وهو في مرحلة دراسته الجامعية، واخرى في ملهى الطاحونة الحمراء وهو يقبل فتاة أوروبية جميلة واخرى في رحلة جامعية على الساحل السوري وهو وبعض زميلاته بلباس السباحة..وأخرى وحوله الجميلات في مطعم العصافيري..في اللاذقية..وكثيرُُمن الصور في سينما العباسيين وعلى مسرحها يرقص رقصة الدبكة مع زميلات وزملاء له..وكانت الصور مكتوبة بخط يده بالأسماء والتاريخ والزمان والمكان.
طلبت من صديقي اعطائي هذه الصور، فوافق فوراً لاعناً إياه ومتهماً له بأنه رجل سيء لا يخاف الله وهو ليس على حق في مطالبته لأرض هي لوالده ولجد والده ولكن كون الجد والوالد لم يسجلا شراؤهما من والد الأستاذ عبد..فإنه الآن يطالب بهذه الأرض مدعياً ملكية والده الذي مات لهذه الأرض وبالتالي يريد أخذها منهم بالمحاكم ، ومن باع و اشترى هما تحت التراب أموات ولكن لاشهود على هذا البيع والشراء.
وعرفت .....مآل صديقي الذي توافقت مصلحته مع مصلحتي وكرهه له مع كرهي، سائلاًإياه:
-هذا الألبوم خاص بالأستاذ عبد كيف وصل لك.
فما كان منه إلا أن قال:
-نسيه تماماً عندما نقل أغراضه من بيت جدي إلى بيته الجديد بعد الزواج وطلب من والدي التخلص منه بحكم أنه متزوج ولا يريد لزوجته الإدلبية الثرية أن تعرف بماضيه.
فقلت: بيني وبين نفسي جاءت والله أتى بها.
في صباح يوم السبت نهضت باكرا، ووضعت ألبوم صور الأستاذ عبد............ و غراءً لاصقاًفي حقيبتي المدرسية،بالإضافة إلى كتب برنامج يوم السبت
واتجهت صوب المدرسة ولم تكن بعد الشمس قد أشرقت،و قبل وصول المستخدم للمدرسة.تسلقت جدران سورها بعد رمي حقيبتي المدرسية، وكان لا بد من القفز للوصول لداخلها.
وعلى جدران ساحة المدرسة التي نحيي بها العلم
بدأت بلصق صوره الماجنة المبهرة، وفي بهو المدرسة الذي يؤدي إلى الصفوف وعلى أبواب الصفوف كلها وباب غرفة المدرسين، والمخبر والمكتبة وأمانة السر وحتى المستودع وغرفة الرياضة وغرفة المستخدمين وأبواب مراحيض المدرسة.
واختبأت بدورة مياه المدرسة، ريثما يحين موعد بداية الدوام الرسمي.
ثم اندسيت بين الطلاب الذين وقفوا مشدوهين بمعرض الصور هذا، وأنا والطلاب نتهكم على الأستاذ عبد ساخرين.
-هذا عرصة وليس أستاذ
وآخر يقول: انظر انظر..هنا يقبل العاهرة..
وووووأقاويل كثيرة وانا بيني وبين نفسي وصديقي نضحك..حتى رن الجرس وإذ بالمدير وحوله المدرسين والمدرسات، وكانت دهشتي جداً....كبيرة عندما رأيت الضابط مدير الناحية ومعه أمين الفرقة الحزبية وأعضائها ،وأربعة من عناصر الشرطة مدججين بسلاحهم.....وهنا انتابني الرعب والخوف.
بينما الأستاذ عبد.بينهم..يصرخ غاضباً..حتماًحتما هناك مؤامرة حتماًهناك مؤامرة...لتشويه سمعتي.
بدأ والدي بإعطائنا الأوامر بحكم أنه مدرس التربية العسكرية.
-استااااااعد ...استااااارح ..استاااعد...إلى العلم...تحية
ونفذالطلاب الأوامر وامتشقوا أياديهم لتحية العلم على وقع موسيقى النشيد الوطني السوري عبر مكبرات الصوت للإذاعة المدرسية..والتي كنت أحد المشرفين عليها في معظم الأحيان.
واستدار والدي بعد أن أسبل يديه...قائلا: للقسم....استااااعد
ومد الجميع أياديهم للقسم..
عهدنا أن نتصدى للإمبريالية والصهيونية والرجعية وعصابتهم المجرمة عصابة الإخوان المسلمين العميلة...آآآسبل
حي والدي سيادة العقيد مدير ناحية القرية .
- شبيبة الثورة في الثانوية جاهزة للتفقد سيدي القائد...وخبط الأرض بقدمه خبطةً قوية
حي مدير الناحية والدي..وتقدم ومعه مدير المدرسة إلى المايك...
وبلهجته الحورانية قال:شباب أنتم شباب جيدون وأهاليكم أهلُُ كرام ولكن الذي حصل اليوم من لصق صور الأستاذ عبد هو عمل واحد جبان حاقد قليل التربية والقصد من عمله النيل من سمعة الأستاذ الراااائع والخلوق أبو حسام...وسنكشف الفاعل حتماً ومن يعرف شيئاً عمن قام بهذا الأمر أتمنى أن يخبرنا...وسنقوم بمكافأته...وأعدكم بأننا سنكشفه..وسنحيله للقضاء كي ينال جزاؤه.
ثم تقدم مدير المدرسةمتحدثاً: لن أضيف على............ ماتفضل به سيادة العقيد بأكثر مما قال وهذا الحيوان قليل التربية سينال جزاؤه عاجلاً أو آجلاًومن يوم غد ستبدأ ورشة الحدادة عملها في رفع سور المدرسة وإغلاق مداخلها وملاعبها وشرفاتها...كي لا يتكرر الذي حصل هذا اليوم...ثم طلب منا الدخول إلى صفوفنا...
وكانت الحصة الأولى للأستاذ عبد في صفنا المقابل لغرفة الإدارة...تأخر...مايقرب الثلث ساعة...ثم حضر ممتقعاً وجهه أحمر اللون من الغضب لم أكن أعلم ماجرى ولكن المستخدم كان حزبياً......على نقيض الأستاذ عبد...الذي كان يتهكم من الأحزاب فأخبر أمين الفرقةالحزبية الذي بدوره أخبر مدير الناحية والذي بدوره اتصل بمدير المدرسة قائلاً له: اليوم الله ستر وكان الضحية الأستاذ أبو حسام...كيف لو أن أحداً وضع منشورات سياسية كنا تبهدلنا ياسيادة المدير وانت تعرف الظرف والوضع.الذي تعيشه سورية من مؤامرة الإخوان عليها،ولكن هذا الأستاذ مخبص كثيراً في حياته ويستأهل.....ويضحك ساخراً...من الصور التي أزالها عناصر الشرطة وهي على طاولته وبعضها غير مكتمل ومشوه بتأثير الغراء اللاصق القوي أثناء نزعها.
هذا ماعلمته من والدي والذي كان مسروراً هو الآخر مما جرى.
من غير علمه............. أنني كنت من قام بهذا العمل.
بعد فترة من الزمن..........تهكمَ عليّ مرةً أخرى ومن شعري...فأخرجت له صورة في ملهى الطاحونة الحمراء..وحوله راقصتان...قائلا له:حتماً حتماًمن شابه أستاذه ماظلم حتماً...أليس كذلك أستاذ.
أخذ الصورة من يدي بعصبية من دون أن يفتح فمه بكلمة وخرج من الصف وسط ذهول طلاب صفي مما فعلت...
ولم يعد مطلقاً لصفي...إذا تبادل مع أستاذ الرياضيات أحمد شعبتنا بشعبته وهو جداً خلوق..ومخلص في درسه...وأفهمه جيداًوقمت بدعوته ووالدي إلى منزلنا بعد الدوام الرسمي ومدرسة اللغة الفرنسية ومدرس اللغة الانجليزية على الغداء...وتجاذبنا أطراف الحديث..بينما والدتي..انتحت بمدرسة اللغة الفرنسية مسرورة جداً بها....
أما أستاذ الرياضيات أحمد فقد قال لي: أنا مستغرب جداًمن الأستاذ عبد...لإعطائه علامة الصفر لك بالشفهي وأنت ماشاء الله عليك لاينقصك الذكاء والفهم..فالتفت...إليه قائلاً:حتماً حتماًسيعطيني علامة الصفر حتماً وقهقه ضاحكاً وأستاذ اللغة الانجليزية...وتصديت لرجعيته وتهكمه ومات وهو لم يعرف من قام بهذا الأمر ظناً منه أن ابن عمه من فعل ذلك...ولم يكن يريد مواجهتهم لجبنه الشديد.
تمت...بقلمي.أ.أيمن حسين السعيد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق