الجمعة، 3 يوليو 2020

ذات الضفيرة السوداء بقلم / رعد الإمارة

ذات الضفيرة السوداء/ج٧ والأخير 

لم يكن حظي بأفضل من سابقه، وكأن الأرض إنشقّتْ وابتلعتْ بنت الجيران هي وظفائرها، قالتْ عمتي :
_رأيتك وأنتَ تتلكأ عند الباب، أنتَ ولد شقي فعلاً. احمرَّ وجهي وأخذتُ أستعرض أمامها كتابَيْ ذات الضفيرة، لا أعرف، لكني شعرتُ بضيقٍ في صدري، قلت :
_لكن أين هي ياعمة؟ حتى شقيقها أختفى. هزّتْ عمتي رأسها، أخذتْ تتصفّح الكتابين وهي تُبدي إعجابها ، كنت أنظر في وجهها وأنا أبحثُ عن جوابٍ لسؤالي، سرعان ماتنهدّتْ وأطبقتْ الكتاب في وجهي، قالتْ وهي تجذبني من يدي :
_تعال معي سأحكي لك كل شيء، لكن اطمئن هي بخير. قالت ذلك وهي تخزُّ جبهتي بسبابتها. وأنا أتبع عمتي إلى غرفتها سمعتُ سعال جدتي القادم من غرفة الضيوف، توقفتُ في مكاني، تَلفتَتْ عمتي صوبي وقد رَفعتْ حاجبيها، دخلتُ الغرفة مسرعاً، جثوتُ على ركبتي أمام جدتي التي أحاطتْ أصابعها المرتجفة المعروقة بوجهي، قالتْ وهي تلهثْ :
_لو يمدُّ الله في عمري، فقط حتى أرى عرسك حبيبي. أبعدتُ يدها بسرعة، قلتُ وقد تلوّنَ وجهي وفاضتْ عيناي بالدمع :
_أرجوك جدّة، لاتتحدثي أمامي هكذا، ستعيشين طويلاً، لسنوات كثيرة جداً، هل فهمتِ؟. لا أعرف كيف صرتُ عصبياً وقد توترَ كلُّ عرق نابض فيَ وأنا أضمُّ رأسها إلى صدري، سَمعتُ عمتي تتنحنح من خلفنا ، وجدتها تضحك وهي تقول :
_الله الله، ما أحلى غرام الحفيد والجدّة. في غرفة عمتي العابقة دوماً بشذا الياسمين كان الوضع مختلفاً هذه المرّة، أجلسَتني على طرف السرير، قالتْ وهي تعصر يديّ بين يديها:
_تعرف حبيبي، أنا قليلة الأختلاط، ربما بسبب حظي النحس، أعني لا أريد لحظي هذا ان يتنقّلُ معي للبيوت الأخرى، من أجل هذا أنطويتُ على نفسي، أعتبرك صديقي الكبير، أنت تفهمني بسرعة. قالتْ هذا ورفعتْ ذقني بيدها، أخذنا نحدّق ببعضنا، كَسرتْ جمود وجهها بأبتسامة مصطنعة أطلقتها في وجهي، قالتْ :
_صديقتك الحلوة ذهبتْ مع أمها وشقيقها الصغير لبيت عمها، - رفعتُ حاجبيَ - من أجل التحضير لمراسيم العرس، عرسي أنا. أشاحتْ بوجهها بعيداً، تركتها على سجيتّها، كنتُ أعرف أنها تبكي الأن بصمت، أعرف شعورها، لاتراجع وقد أصبح الأمر حقيقياً وقريباً جداً، التصقتُ أكثر بها، قلت :
_لا أعرف ياعمتي بماذا أجيبك حقيقة، جدتّي تفكّرُ بمصلحتك، هي تقول حفيدي يرعاني، والبنت كبرتْ ويجب أن تتزوج، هذا ما قالته لي. لم تردْ، فقط تحسّرتْ وجَذبتْ رأسي إليها لكنها لم تنظر صوبي، قلت :
_عمة؟ أنا أفهم شعورك، تتخيلين أن جدّتي سيحصل لها شيء إذا أبتعدتِ عنها، تفكير سئ، هذا رأيي كرجل بصراحة. فجأة وجدتها تلتفتُ صوبي وتطلقُ ضحكة كبيرة كادتْ تجعلها تشرقْ، قالتْ وهي تُدير يدها حول كتفي وتضغطه بقوة :
_الله، أين أمي لترى رجل البيت الذي صارَ ينطق بالحكمة؟ بل أين صديقتك لترى تقاطيع وجهك الصارمة! أصبحت رجلاً فعلاً حبيبي. كالعادة ما أن أنتهيتُ من تناول وجبة الغداء حتى وجدتُ نفسي أغرق في النوم، رواية اجاثا كريستي تفترش السجادة، يدي تغطي وجهي، وهمسٌ تتخلهُ ضحكاتٍ وسعال متقّطع من جدتي التي َبدتْ سعيدة جداً هذا اليوم، لم يدمْ استغراقي في النوم طويلاً، شَعرتُ كما لو أن الصرخة التي إنبعثتْ فجأة من خارج غرفة الضيوف قد رفعتني للسقف، فَتحتُ عيني وأنا أدفع بيدي عدواً مجهولاً، كانت عمتي محنية الرأس وقد غطّتْ وجهها بكلتا يديها أما جدتي الواقفة فوق رأسها فكانتْ تنحبُ وهي تميلُ برأسها ذات اليمين وذات الشمال، بقيتُ جالساً في مكاني للحظة، كان قلبي يَخفقُ بقوة، هل هذا كابوس آخر؟ مابال المرأتين! قَفزتُ عن مكاني والتصقتُ بعمتي التي ما أن رأتني حتى إزدادَ بكاءها وقد أحاطتْ بجسدي وضمتني إليها، سمعتها تردّدْ :
_آه، حبيبي، سينفطر قلبك، أنت مسكين وهي مسكينة! أبعدتُ رأسي عنها، قلت وقد أنخطف لوني :
_ماذا جرى ياعمتي، ومن هذه المسكينة؟. راحت تضربُ على جبهتها بكلتا يديها وهي تردّدْ :
_ألم أخبرك يا أمي بأن النحس يلازمني ، انظري لقد ماتتْ بنت الجيران، كانتْ حتى الأمس تضحك وتمرح بسعادة.  لا أتذكر بأني صرخت، كل ما اتذكره من هذه اللحظة أني وجدتُ نفسي أقفز درجات السّلم حافياً، لذتُ بإحدى زوايا السطح، وبكيتُ مثل الرجال، بقيتُ أنحبُ حتى بحَّ صوتي، كنت أردّدُ أسمها مع نفسي ولأول مرة مذ عرفتها، ثم لا أعرف، وجدتُ نفسي غافياً ومعفراً بالتراب، حطّتْ على كتفي يد طيبة لطالما قبلتّها، كان صوت عمتي هو الآخر قد بُحَّ، قالتْ :
_تعال حبيبي، هيا أنهض وإلا فإنك ستمرض، الحرُّ شديدٌ هنا، ستنسى مازلتَ صغيراً. حدقّتُ فيها بدهشة، كنتُ أودُّ أن أصرخ فيها، كيف أنسى ياعمتي؟ كيف لك ان تقولي هذا؟ لكني لم أقوى على الكلام، جذبتني من يدي وأحاطتْ كتفي، كانت جدتي صامتة حين دخلتُ غرفة الضيوف، فقط رفعتْ رأسها حين أبصرتْ بي ثم عادتْ تسكبُ عبراتها لكن بصمتٍ لم يكن يقطعه سوى سعالها مابين حينٍ وآخر. نمتُ على الاريكة، لا أعرف متى غَفوتْ، كانت عمتي تتخلّل شعري بأصابعها، لا أتذكر بأني حلمتْ، طَردتُ كل الذكريات عن ذهني، كنتُ مندهشاً وغارقاً في ذهول لا أول له ولا آخر. مَضتْ الأيام سريعة بعد ذلك، كان مكاني المفضّل هو السطح، أصبحت مدمناً على النظر الى حديقة بيت الجيران الصغيرة، والتحديق بشجرة الصفصاف بأوراقها  الصفراء الذابلة المتناثرة،لقد جفَّ الربيع من حياتي، وأصبحتُ كثير الشرودْ، أما ذات الضفائر، البنت الحلوة، الشقية الضاحكة، فلم تعد موجودة، أحرقها الماء المغلي وهي تستحم، كانت تهئ نفسها للاحتفال بخطوبة عمتي. لا أعرف إن كان بقي ثمة شيء من هذه الحكاية، فيما يتعلق بعمتي فأنها لم تعد تفارق غرفتها إلا نادراً، أنكفئتْ على نفسها وأنكبّتْ على ماكنتها ، حتى أن جدتي قالت لي، أظن أن عمتك قد تَزوجتْ من ماكنة الخياطة أخيراً، وفي واحدة من المراّتْ التي خرجتُ فيها من البيت فقد خُيلَّ لي وأنا أحدّقُ في باب الجيران المغلق بأن ثمة رأس أطلَّ من الباب وصوت يهمس خلفي :
_طالع حلو اليوم، وجه البومة. (تمت 😔)

بقلم /رعد الإمارة /العراق /بغداد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق