الاثنين، 28 سبتمبر 2020

في مهب الريح بقلم // رعد الإمارة

 في مهب الريح (الجزء الثاني) 


كان بيتنا يسوده التوتّر، فبعد رحيل خالي وأصحابه واختبائهم في عمق الأهوار أصاب أمي نوع من الجمود والكآبة، أصبحت بالكاد تتكلّم، فهي صامتة أغلب الوقت، حاول أبي جهده وهو الصارم أن يبدو فكاهياً أمامها فراح يلقي النكات يميناً وشمالاً ، في الحقيقة أدهشني منظر أبي بحركات يديه، حتى أنه جعلني لا أتوقف عن الضحك، قال لها ونحن في سبيلنا لتناول عشاءنا :

_مابكِ يا امرأة؟ أن شقيقكْ لم يذهب بعيداً، أنه ورفاقه يصطادون السمك الآن على ضوء المشاعل، أنا متأكد أنه سعيدٌ في عمق الأهوار حيث أصوات ضحكاتهم تعلو على نقيق الضفادع وعواء الذئاب ، هيا شاركينا الطعام عزيزتي، امنحيني أبتسامة فخفارتي في العمل ستطول لثلاث ليال. مدّتْ أمي يدها على استحياء، كانت تخشى غضب أبي، فهي تعرف جيداً ما يختبئ خلف حنانه هذا، قلت وأنا أدسُّ في فمي لقمة خبز كبيرة وضعتُ فيها قطعة بطاطا مقلية :

_أمي أهملتْ حتى دجاجتها السوداء المفضّلة، لقد رمتها بحبّة بطاطا بهذا الحجم قبيل الغروب، مسكينة، لم يصدر عنها صوت منذ ذلك الحين، أتسعتْ عينا أمي وهي تحدّق فيّ، كانت تودُّ التهامي عوضاً عن اللقمة في يدها، لكنها فجأة ضَحكتْ وكأن أحداً ما قد وخزها في خاصرتها، ابتسم أبي وشاركتْ شقيقاتي الثلاث، أمي ضحكها الذي تخللّه سعال متقطّع، نهض أبي بسرعة وقد انخطفَ لونه ووقف خلفها، راح يضربُ ظهرها ضرباتٍ خفيفة لكن سريعة وهو يردّد :

_راح الشر، راح الشر. كانت أمي تقف عند الباب الخارجي وهي في سبيلها لتوديع أبي، سَمعتُ صوته ينادي علي، تركتُ ما بين يدي من بطاطا وأنا أنظر أسفاً صوب شقيقاتي المتهيئات للهجوم، قلت :

_ الويل ثم الويل، اذا نقصَ نصيبي. جذبَ أبي يدي ووضعها بين يديه، قال :

_كن عاقلاً، أنت رجل البيت الآن، اسمعْ كلام أمكْ ولاتضرب شقيقاتك وإلا..!. امتلأ بطني ومَسحتُ آخر لقمة بأصبعي عوضاً عن الخبز، قالت أمي وهي تساعد شقيقاتي في تنظيف المائدة :

_الطقس حار في الداخل ، سنصعد منذ الآن فوق السطح، لاتسهر كثيراً أمام التلفزيون، فهمت؟. اومأت برأسي علامة الفهم، أرهفت سمعي جيداً حتى تلاشت خطوات أمي وشقيقاتي، عندها برقت عيناي وأخذتُ أضحك بصوت خافت مثل المجانين، مَشيتُ على أطراف أصابعي، لم يكن ثمة نور مضاء في الخارج، فقد أطفاتْ أمي كل المصابيح كنوع من التدبير ، ما أن اطبقتُ الباب الخارجي خلفي حتى رَفعتُ رأسي للسماء وتمتمت :

_وانتَ ياقمر الا تطفئ نوركْ، كُدتَ تفضحني؟. لم يكن موعدي مع بنت الجيران الأول من نوعه، فقد سبقته عدة مواعيد بريئة كنا نقضيها أنا وذات الأربعة عشر عاماً واصابعنا متشابكة مع بعضها، احياناً كانت تضع رأسها على كتفي ونحن نختبئ في أحراش حديقتهم الواسعة، كنت اتحسّس شعرها الأسود القصير بأصابعي،  نمضي وقتنا ونحن نتنهد أو نتأمل السماء. كاد باب الجيران  يفضحني بصريره المزعج حين دفعته ، تَجمدتُ في مكاني للحظات، اغلقتُ الباب خلفي ثم تسللتُ بسرعة صوب الحديقة، اختبأتُ بين أشجار السيسبان الملاصقة لجدار بيتنا وتنفستُ الصعداء. لم يطل انتظاري كثيراً، كنت اتسلى بعدُّ النجوم حين شعرتُ بدبيب خطوات تقترب صوب الحديقة، أزحتُ الاغصان الطرية جانباً وأخذتُ أرمق بحذر الشبح الرشيق الواقف يتلفت هنا وهناك، زَحفتُ على أربع وأصبحتُ أمامها ، راحت تحدق بي، استدرتُ وعدتُ لمكاني فشعرت بخطواتها خلفي، اتكأتُ بظهري للجدار، الصقتْ كتفها بكتفي وأخذتْ تضحك فوضعتُ يدي على فمها، شَعرتُ بصدرها يعلو ويهبط، كان ملمس فمها الندي العذب قد أصابني بأرتباك، ياربي، أنه شعور جديد لكنه مفعم باللذة، أخذتُ امرّرُ أصابعي على فمها شبه المنفرج، همستُ لها :

_هل جدتكْ نائمة؟. اومأتْ برأسها، كان أبوها أحد الفارين مع خالي في عمق الأهوار، أما أمها فقد ولدتْ طفلاً ميتاً ثم لحقت به بعد سويعات معدودة، همست بأذنها :

_هل نعدُّ النجوم الآن؟. لم تجب، كانت شبه مغمضة العينين وهي تحرّكُ فمها مع أصابعي يمنة ويسرة، فجأة وجدتها تعضني، يا إلهي، اتسعتْ عيناي، كدتُ أصرخ، وجدتها تضحك وهي تخبئ رأسها في حجري، تباً، مابها اليوم، وما هذه الأثارة الجديدة التي أشعرُ بها؟ (يتبع 🙃)


بقلم /رعد الإمارة /العراق /بغداد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق