قصة : قطعة قطن
في يوم ربيع مشمس أبحر الأصدقاء الثلاثة على متن قارب للنزهة في البحر، كانت مياهه زرقاء صافية مثل مرآة مصقولة ، ترى الكائنات البحرية وراء الماء وهي على حريتها تنزل وترتفع حتى تكاد تلمس سطح الماء والهواء الرقيق يلامس وجوه الأصدقاء وهم سكارى بهذا اليوم الرائع طالما تمنوا رحلة مثل هذه ، والقارب يشق عباب البحر ويتوغل في وسطه ، ولم ينتبهوا إلا وهم بعيدون عن الشاطئ ولم يعودوا يرون إلا مياه زرقاء حولهم ، احتاروا إلى أي جهة يقصدون ولم يتزوّدوا ببوصلة حتى يعرفوا اتّجاه العودة وتركوا القارب يسير ويسير ، لكن إلى أين؟ وانقلب فرحهم إلى حزن وكآبة والليل يقترب ببطء مثل غول يلتهم بقايا الضياء
قال أحدهم : كنا نظن أنها رحلة خفيفة ونعود إلى الشاطئ ، ولم نتزود بالماء الكافي والطعام وحتى وسائل اتصال.
وقال الثاني : أعجبنا هدوء البحر وزرقة الماء والطيور البيضاء والهواء العليل ونسينا أنّ البحر يفتح لك ذراعيه ليحتضنك ، فإذا أصبحت في حضنه انقلب عليك وأراك من ويلاته ومتاعبه الكثير والكثير.
وقال الثالث في غضب : ياو يلتاه لقد خدعتماني لما زينتما لي رحلة في البحر وقلتما إنها رحلة ليس فيها خطر نبحر ونعود بسرعة وها هو الليل يزحف بسواده فلا نرى إلا سوادا في سواد
انبرى إليه الرفيقان وقالا بصوت واحد : لم نضربك على يديك لتأتي معنا أنت كنت تلح على هذه النزهة ، ونحن معك في الهم سواء.
انتحى صاحبنا في جهة بعيدة عن رفيقيه وراح ينظر إلى السماء وقد ازدانت بملايين النجوم وتمنى لو أن له جناحين يطير بهما إلى أعلى لكي يرى أضواء الشاطئ فينزل ويترك هذا القارب اللعين.
ظل القارب يتلاعب به الموج الذي بدأ يضربه من كل الجهات ،و أسودت الدنيا في وجوههم ولم يعودوا يرون بعضهم بعضا إلا بالصوت ، حتى ماء الشرب لم يبق إلا القليل ، وهبّت نسائم الليل باردة ارتعشت لها أبدانهم ، وكلما تقدم الليل ازدادت البرودة حتى أصبحوا كتلة واحدة في أحد جوانب القارب الذي سكن محركه إلى الأبد فقد انتهى الوقود وصاروا سجناء الماء.
قال أحدهم : لا تخافوا نحن لم نبتعد عن الشاطئ وعندما يطلع النهار، صاحب القارب يخبر حرّاس السواحل الذين ينتشرون في البحر وسيجدوننا إن شاء الله.
هذا الكلام اطمأن له الأصدقاء وراحوا يتلهفون على مطلع النهار الذي أبى أن يزول ظلام الليل الذي طال واستطال ...
لكن هدوء البحر انقلب فجأة وراحت الأمواج تصب عليهم من كل جهات وشعروا بالخطر الذي بدأ يقترب منهم ، حيث امتلأ القارب بالماء ونشطوا بإ خرج بالماء الذي بدا باردا أثر على أيديهم وأرجلهم التي لم يعودوا يحسّون بها وشعر كل أحد بالخطر وكيف ينجو بنفسه إن غرق القارب الذي لم يعد يحتمل ثقلهم مع الماء الذي أصبحوا يجلسون فيه.
قال الثالث : أنتما بسببكم أصبحت في خطر، وها أنا أشعربدنو أجلي ربما يغرق القارب فأين أذهب؟ سأكون لقمة سائغة للحوت ، أنتما اللذان سعيتما في هذه الرحلة المشؤومة التي لا أخال النجاة منها ، وراح ينتحب مثل طفل صغير ، فما كان من أحد الرفاق إلا أن صفعه صفعة قوية ليعيده إلى رشده ، لكنه أعاد الصفعة لصاحبه وتشابكا بالأيدي في صراع عنيف داخل القارب ورأى الثاني أن الثالث كان ذو بنية قوية راح ينجد الأول الذي وجد نفسه في وضع سيّئ للغاية نزل بجسمه فجأة كان الثالث يهوي في الماء ، وقبل أن يفزع إليه الصديقان كانت الأمواج أسرع منهما في إغراقه.
ساد الصمت بينهما وبدأت الأمواج تخف عنهما لكأنّ رضيت بأخذ صديقهما وهي تقول لهما : في الليلة القادمة أختار أحدكما فاستعدا.
أفاق على حرارة الشمس التي أعادت لهما الحياة والأمل في النجاة ، وراحا يتطلعان إلى الأفق لعل سفينة تمر بهما لتنجدهم ، وشعرا بجوع شديد يستبدّ بهم و لولا قطرات الماء التي تبلل شفاههما لهلك واشتد ت حرارة الشمس عليهم فكانا يلتقطان حفنات من الماء يصبانها على جسميهما.
لاح لهما بعيدا نقطة سوداء بدأت تكبر شيئا فشيئا حتى أصبحت سفينة ،فصاحا بصوت واحد النجدة النجدة النجدة ، كان حظهما كبيرا فالمكان الذي هم فيه هو طريق السفن إلى بلدهم حيث وصلت إليهم السفينة وأنجدتهم بالطعام والوقود وأعطاوهم بوصلة يسيران على هداها حتى وصل إلى ألشاطئ واتصلا بحرس الشواطئ الذين أخبروهم بوجود جثة على الشاطئ ، كان زميلهم الذي أوصلته الأمواج إلى البر.
خضع الرفيقان إلى تحقيق عميق كيف سقط ثالثهما في البحر واخبرا أنهما تعارك مع الضحية وسط القارب وكان الظلام شديدا وعلى خطإ من أحدهم انزلق أرضا فما كان من الرفيق الا أن هوى في البحر بدون أن يدفعه أحد. وقُيّدت القضية على أنها قضاء وقدر.
عاد الرفيقان إلى حياتهما الطبيعية ، وانشغل كل منهما بشغله وتناسى الناس مأساة زميلهم الذي غرق في البحر.
وذات يوم بينما الرفيقان يمشيان على جانب الطريق إذ فاجأهم شخص على دراجة نارية كاد يدهسما والغريب في الأمر أنّه كان ملفوفا في البياض لايُرى منه إلا عينان ... تعجب الرفيقان من هذا المتهور وعاد أدرجهما إلى منزلهما.
بعد مضي أسبوع على حادثة الدراجة فوجئ أحدهما بمصرع رفيقه إثر حادث سير حيث دهسته دراجة نارية مسرعة واختفى أثرها ، لكن أحد أدلى بما شاهده حيث قال : كان صاحب الدراجة وكأنّه ملفوفا بالقطن.
أصبح أحد الثلاثة خائفا من هذه الحوادث غير أن زملاءه خفّفوا عنه وقالوا له : كل يوم تقع مثل هذه الحوادث ، عش حياتك ولا تلتفت إلى هذه الأمور.
لكنّه لم يعتبرها حادثة عادية ، بل كانت مقصودة ممن؟ الله أعلم.
أصبح لا يقترب من الطريق بل كان يتجنب حتى الشارع لا يقطعه إلا وهو في جمع من الناس ، بل كان سيره على الرصيف وبحذر. عندما يعود مساء إلى بيته بعد انتهاء عمله ، وذات ليلة وهو يهم بالانتقال من رصيف إلى رصيف وفي وسط الطريق يتفاجأ بصاحب درّاجة يضربه بالعجلة الأمامية ويلقيه بعيدا عن الرصيف فكانت نهايته ، لما حضرت الشرطة انتبه المحقّق إلى شيء في يد القتيل ، تقدّم وفك يده فإذا قطعة قطن بيضاء ، قال لرفيقه : للمرة الثانية أجدها ، سأله زميله أين وجدتها في المرة الأولى؟
قال : في يد القتيل الذي دهسته الدراجة النارية قبل أسبوع.
لخضر توامة // الجزائر
.
📷
📷
٢روان الحسيني وشخص آخر
٣ تعليقات
أعجبني
تعليق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق