الثلاثاء، 4 مايو 2021

هذه الأم بقلم// مهدي الجابري

 هذه الأم 


  تكورت أمامي كخرقة بالية،  رأسها قريب من ركبتيها، فقط نفس يصعد وينزل؛ ام علي عائدة للتو من دفن رفات إبنيها، كان هذا في زمن حقبة مظلمة، بعد أن  غابا فترة طويلة،  وجدت رفاتهما في مجموعة مقابر جماعية،  دفنوا وهم أحياء إذ لم يستطيعوا قتلهم رميًا بالرصاص من كثرتهم، بعد ان أعدوا لهم حفرًا كبيرة رموهم بها وهم أحياء مقيدون بالأغلال، يوارى التراب عليهم بواسطة الآليات لتسويهم وطمرهم واخفاء معالمهم.  

  تفتح عيناها الذابلتان على خيط أشعة الشمس من النافذة الصغيرة، إتكأت على الحائط أمسكت النافذة وهي ترى شمس الصباح وخيوطها الجميلة، همهمت أوووووه وتندب حظها العاثر، أخذتها ذاكرتها الى أكثر من ثلاثين سنة مضت، حين كان زواجها من ابن عمها العسكري، والذي تحلم برؤيته كثيرا بسبب حرب العصابات مدفوعة الثمن، احرقت الاخضر واليابس، راح ضحيتها رجال ابطال وشباب بعمر الورود، كان يعود اليها زوجها كل شهرين وبعض الاحيان ثلاثة اشهر، تحلم بنومة هانئة على صدر زوجها، يؤمن لها ماتريد تعتمد عليه،  تلوذ به عند الشدائد وهذا لايحصل في ظل الحرب والبعد، ما ان خفت هذه العصابات.

 حتى تلتها حرب ضروس ثماني سنوات وهي تعيد ذاكرتها الى الخوف والهلع والاخبار المتضاربة والتضليل الاعلامي، حتى رجفت يدها ولاتستطع الأشارة على جهة الحرب، وهي تسرد لنا كيف ترى توابيت الشهداء في  مراكز الشرطة ليلا، وفي الصباح الباكر يأتون بتوابيتهم والناس نيام، تهرع المنطقة على أصوات النياح، كل بيت يصرخ انه إبني أو أخي أو أبي وتحدث مرات يأتون بشهيدين أو ثلاث في نفس الليلة، حرب مشتعلة على جبهة مفتوحة بطول أكثر من ١٠٠٠ كيلو متر؛ لم يهدأ لزوجها بال يخرج من معركة ويدخل في معركة وهي تصارع الحياة، هي المعيلة للعائلة وهي المربية..

   سئمت الحرب أم علي وأخبار الحرب وماتنقله من أخبار صادقة وكاذبة، وهي تروي لنا حكاية لطرافتها: سمعنا اطلاقات نارية، كانت هذه علامة وصول شهيد والحرب مشتعلة وهجوم كبير الجميع يتحدث عنه هرعت القرية على صوت الاطلاقات! كل من خرج يستفهم ظن أن ابنه هو الشهيد وذاك يقول أخي وذاك يقول أبي حتى وصلوا الشارع الرئيسي تبين فيما بعد أنها عطل في محرك سيارة جعلها تخرج أصوات أطلاقات، مثل هذا الرعب أتحدث، 

  طالت الحرب وخلفت الكثير من الأيتام والأرامل والجرحى والمعاقين والأسرى والمفقودين؛ والمآسي الكثيرة والمشاكل الكبيرة وحتى بعض الأحيان يزودون أهل المفقود بشهادة وفاة وتسأم زوجته الانتظار وتتزوج، ويأتي زوجها المسجل شهيد، انه كان أسير وتبدأ المشاكل.. ومن ويلات الحرب الكثير.

  قابلتني أم علي وكلها حسرات، ماذا جنينا وماذا فهمنا من حياتها أهذه المرأة العراقية أهذه الأم العراقية!

  جاءت حرب جديدة تبددت أحلامي من جديد، إذ دخل جيشنا دولة جارة هدد أمنها إستباحها، وكانت لعنة التاريخ، خسائر كبيرة في الأرواح والاموال والمعدات؛ وبنفس الوقت كثرت الأرامل والأيتام، وبعد الحرب طبق حصار جائر من شقيه حكومي ودولي تثاقلت أنفاس أم علي وضعت يدها على خدها، وانحنت مذهولة لما يحدث، كان همها الوحيد اطعام العائلة بعدما نفد ماموجود من إحتياطي مالي، وبيع الأشياء الثمينة، كانت محنة الحصار أشد وطئة من الحرب الكبيرة باستطاعة الكبار الصبر لكن الصغير لايعرف ذلك؛ بأن الحليب غير متوفر، حسرات أم لاتنتهي وفي ظل هذه الظروف غياب أبنيها لأسباب غامضة، لاتعرف مصيرهم هل هم أحياء أم أموات، إزداد همها، وزوجها العسكري لازال يتنقل في وحدات الجيش وبراتب زهيد لايسد رمقهم.

  إستبشرت خيرا أم علي بعد زوال الغمة عنها ، وكل أملها إن تعيد الدولة الجديدة الأمن والأمان، وتعيش عيشا رغيدا، راحت تبحث في المقابر الجماعية، وجدت رفات إبنيها، وهي تقلب بعظام نخرة تشم هذا الكيس الذي يحتوي العظام وتحظن الآخر ، سقطت مغشيا عليها، دفنت أبنيها ، عادت حزينة،  لكن القدر لايمهلها ذهبت للمطالبة بحقوق أبنائها قطعت أشلاءها بتفجير أرهابي في طابور المراجعة.. تمت


مهدي الجابري .. العراق.

.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق