الثلاثاء، 20 يوليو 2021

أكثر مما توقعت" بقلم // فاطمة المعيزي

 من مجموعتي القصصیة" أكثر مما توقعت"


امتد الظهر هذا الیوم  أكثر من المعتاد ، فالفصل صیف، لا تغرب شمسه إلا وقد أنهکت كواهلنا وامتصت کل قطرات الماء الناٸمة تحت بشراتنا، واعتکفت بعد ذلک في  حلکة اللیل وسکینته،  فدثرتنا  بوشاح لا یبرد  نغصاتنا الملتهبة ، و لا یشفي غلیلنا نحن الذین لا نتحمل  قُبلَ البرد وصقیعه ولا عناق الصیف وقره.

في هذا الجو الحار، اعتاد الحاج  الأربعیني، والذي يشبه جیل المقاومة أو جیش التحریر، أن یستسلم لقیلولة تعید صفاء ذهنه وتریح عضلاته التي لا تتوقف عن الکد والجهد.

الحاج، رجل بشوش تغلب علیه سمرة صافیة یزينها بابتسامة عریضة حتی بدون سبب، فیجعلک تقبل علیه، وتأمن رفقته. أما زوجته شامة ، فقد تعودتُ السلام علیها کلما التقینا في درج العمارة ، حتی أمست تستوقفني وتتجاذب معي أطراف کل القضایا حتی السیاسة منها ، و کانت طیبتها و جمالها وقدها الممشوق  یصبراني علی تحمل الوقوف أكثر مد ة لحین إفراغ ثقل لسانها علي، أنا التي کنت غالبا ما أحمل  جسدي و فکري المنهکین من مسٶولیة الوظیفیة والبیت مرغمة.

شامة، جارتي ، أسرت لي في أحد اللقاءات القصیرة علی آخر درج یفضي للحریة، أن أحد مسلسلاتها الغربیة تشبه قصة حبهما ، فقط، بتعدیل بسیط في أسماء البطلین (هي وزوجها) و المستوی المادي بطبیعة الحال.


 کان یوم الجمعة ، و کان لزاما علی الحاج موسی أن یدلِّي بطنه الکبیر علی اللحاف و یبسط رجلیه الصغیرتین خارجه و یراجع حساباته مع یده الیمنی التي غالبا ما تسترسل في جمع کل حبات الکسکس من الذي يلیه والذي لا یلیه، و یغرق في شراهة رجل یعیش لیأكل، 

و یتصادف أن أكون معزومة عند جارتي  شامة ، التي غالبا ما أشارکها وجبة یوم الجمعة " وجبة الکسکس" المشهورة   عند کل المغاربة،  وأنسل عاٸدة لغرفتي شاکرة.


الکسکس،  الذي غالبا ما یخضع لطقوس ممیزة وعینا علیها منذ الصغر، فلا تجتمع الخضر متسامحة و متجاوزة کل التناقضات  إلافیه. تجد الطماطم بجانب الملفوف، و البذنجان معانقا القرع السلاوي والزبیب معانقا البصل والجزر و الحمص و...، هکذا کانت أمي تحضّره بتأن و قداسة، وتتهیأ لذلک من  یوم الخمیس، مشترطة علینا أن نکون جمیعا بالمنزل ساعة " أتْسَقْيَة " أي لحظة سقي الکسکس بمرق الخضر واللحم، وکانت تضیف له السمن البلدي الذي تشم راٸحته علی بعد أمتار وأمتار، ولن أنسی حرکة کانت تقوم بها والقصعة أمامنا، إذ کانت تملأ كف یدها بزيت أرگان ذو الراٸحة الزكية النفادة  و تطوف به علی جنبات القصعةُ وبعد الإنتهاء تقول بصوتها العذب " یالله باسم الله" ، ذلک کان زمن البرکات والنکهات الطبیعیة والنفوس القانعة بأقل من القلیل.


کان المساء وقد تعودت أن أفرش قطعة دفء وأسدل السکینة علی شرفتي التي تقابل شموخ جبال الأطلس، أجلس أتلذذ بجمال المکان وأنا  منهمکة في تنقیح مجموعتي القصصیة " أكثر مما توقعت " فإذا بي أسمع صوت جارتي یعلو 


=  و عدتني بحیاة کریمة بعدما تصبح غنیا،  و هأنت قد فتحها الله علیک وأغلقتها علینا،  لن تتغیر، بخیل ... قرِف


-  إیه.... إیه، کفي لسانک، والله لقطعته


=  ستجبرني علی وضع شکایة عنف و تهدید بالقتل في حقک قبل أن تفعل ما نویت علیه.


- إتق الله یا حبیبتي، تعرفین أنني لا أستطیع قتل ذبابة،  فما بالک ببقرة.


انفجرت ضاحکة من هذا الثناء الغریب، وأتساءل کیف یعیشان بکل تناقضاتهما؟ الرجل وزن فیل، یخرج فجرا ممتطیا سیارة بیکوب، و یعود زوالا یجر جثته بعدما تزید  انتفاخا و سمرة، فیما شامة، طویلة القامة، قمحیة اللون، نحیفة شيٸ ما ، یغلب علیها الدلال والتغنج، لذلک ربما اختارت کمهنة لها صنع الحلویات ، تشکلها بدلال عسلي خبرة أصابعها الجمیلة،  زد علی ذلک  كرمها ، فغالبا ماکانت تعزمني علی و جبة  ، أو تهدیني طبقا من - شهیوة- أنستني إیاها الحیاة.


ویستمر جدالهما 


= أقسم أن أغادر هذا القرَف ، بیت عاٸلتي" وَاسَعْ وَعْرِیضْ " و علیک أن تدبر حالک مع أولادک


-  الأولاد  أولادک،  ولا تنسي،  والدیک ماتا، أما إخوانک فلن یسایروک في جنونک  المتقطع یا ابنة الناس


= لعنة الزواج هو الاستمرار مع رجل مثلک، بخیل ...   اتضح لي بخلک من أیام العرس


- هههههه والله ؟ نعم بخیل لأنني أفکر في المستقبل


= أتعرف، یجب أن تحدد زمنا یبدأ فیه المستقبل لدیک ،حتی لا نستمر إلی الأبد في العیش تحت رحمة ضیق یدک و ضیق  مخططاتک المستقبلیة


-  لولا مخططي المستقبلي    لما أنت الآن  أمامي، تنغصین علي لذة العیش، لیتني سمعت کلام والدتي لکنت الآن في باریس زوجا لابنة خالتي حجیبة، و لفتحت أكبر ....


= فتح الله مخک أیها الناکر للجمیل، ألم تتذلل حتی أقبلک زوجا ؟ ألم تقل أنه یستحیل أن تدخل حیاتک امرأة غیري؟


- نعم قلتها  ولا زلت أقولها.

أسمع قهقهتها وهي ترد علیه بدلال

- أعرف أنک تحبني

- لن تدخل امرأة یدها لجیبي ، هذا ما أقصد

= اللعنة ... اللعنة ،أسقطني القدر في  بخیل و لعوب،

ألم یقل علیه السلام " خِصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤمِنٍ، البُخْل وَسُوء الخُلُق”.


مسکینة جارتي، تستشهد بالأحادیث علی زوجها ، فتذکرني ب " الغالیة"  صدیقتي التي ظلت تحلم بإتمام دراستها بالخارج، و لما کانت تعرف أن والدها سیمنعها من ذلک، کانت  تحضر درسا في فواٸد العلم و طلبه من المهد إلی اللحد والسعي إلیه حتی إلی الصین، و هکذا استطاعت أن تقنع والدها. سافرت، واعتاد الأب علی زیارتها ،حتی انتهی به المطاف  بعروس حیث استقر و تزوج  بالشقراء  " أدلین"   فیما  عادت ابنته بعد التخرج  لوطنها ، وفتحت عیادتها و ظلت  مع أمها وأختها فیما الوالد ینتعش بضباب باریس وبریقها.


تعیدني مشادات  الجارین لواقعهما


- أهکذا ترینني یا مرأة؟ 

= وکیف تریدني أن أراک إن کنت مدینا لي بمهري، و لا ....

- حسبي الله و نعم الوکیل،  حسبي الله و نعم الوکیل . متی رأیت المهر یعطیه الرجل مرة کل سنة لزوجته؟ والله لو کان بذمتي ما تقولین لأعطیتک إیاه الآن .

عم السکوت و أحسست أنه علي مغادرة الشرفة  حتی لا أحس بتأنیب الضمیر، و أنني أتجسس علیهما ، لکن ما کدت أعزم علی الوقوف حتی سمعت صریر آنیة تسقط وجارتي تصرخ

- والله  ....والله لن أتنازل هذه المرة، أرید أن یشرفني و یکون في طولي أو أكثر و....


ماذا أسمع، هل هذه شروط مواصفات عریس لأحدی بناتها؟ تم لیس من حقها أن تشترط و تتدخل بکل هذه الخشونة، الأمر یعود للعروسة. و لماذا اشترطت أمي أن أتمم تعلیمي عندما جاء أول خاطب لي و أنا لم أتجاوز السابعة عشرة؟


إنه العمر الذي تشترط فیه المخطوبة و أمها و قبیلتها .

یصم صوت الزوج أذني من جدید


- " أَتْشَرْطِي یا ختي ْْْْْتْشَرْطي، بْغِتِیه حامل الجنسیة الکندیة حتّی هِيَّ ، حْفَاتْ لِیک الجَّریَة "  

= أتکلم جادَّة،  لن أرضی إلا بالذي  یستحق أن  یدخل بیتنا و .....

- هل تظنینَ أنه جاء لیخطب أحد بناتک؟ أنت تبحثين علی فض هذا المجمع بشروط لا یقبلها العقل

= هههه فقط للإشارة، عقل البشریة أصبح مرنا جدا، یقبل حتی ما لا یتماشی مع بشریته، لکن والله ... . والله إن لم تکن قرونه  کبیرة وتشرف مکانتي الإجتماعیة بین الجیران والعاٸلة لترکت لک المنزل و .....

هذه المرة لم أتمالک نفسي  ، فذلفت لغرفتي أداري خیبتي في جارتي و أقاوم موجة من ضحک هستیري  انتابني.

جلست علی مکتبي أسترجع کلام جارتي، و نظریتها القاٸلة أن حجم القرون  یرتبط ویحدد المکانة الإجتماعیة، ماذا تقصد بالقرون ؟ هناک العدید من القرون التي یمکن التحدث عنها، کالأسطورة القاٸلة أن

السماء محمولة علی  قرن وحش. هههههه یالله ، بعض الأساطیر تشعر بها تخدشک في الأماکن المثيرة لرغبة الجنون کهذه.  لکي یحمل هذا الوحش السماء علی قرنه، یجب أن یثقن رقص البالي ویقف علی مقدمة  حافره، کما علیه ألا یقضي حواٸجه الطبیعیة ، وإلا سقطت السماء علی طولها و عرضها، و لربما هناک أسطورة أخری تقول أن البرق والرعد والأمطار بسبب قرون الوحش التي تتطاحن فیما بینها ، وأن استقرار السماء و صفاءها مرده لمزاجه فقط.

و قد یکون هذا المسخ جان مهووس بحمل الأثقال ،أو یکون المقصود من القرون قرن الشیطان ، و لا أعني بذلک  أحد بوادي الیمن المسماة " قرن الشیطان" و لکن، أقصد صورة الشیطان الذي یرسو في الغالب علی هیٸة إنسان قبیح الوجه، أحمر العینین بصلعة ینبث علیها قرنین 

 واحد علی الیمین لأهل الیمین لهم بالمرصاد، والآخر علی الیسار لأهله بالزھور وبالعطور المسجلة الفاخرة. و قد تقصد بالقرون ، القولة القاٸلة " فلان دار لَگْرون "  فتقصد  الإنسان الذي یتحول ضعفه وقلة زاده إلی غول یتجبر ویتقوی علی من هو أضعف منه، و لا یستکین ولا یهدأ إلا بقطع قرونه أو یتدخل من تلقاء نفسه بغیة إصلا ح هذه النفس کفرد داخل مجتمعه، فینسل  لجمجمته و یقتلع اللاقط الهواٸي الذي یکشف مکره و اللا إنسانیته، و هذا ما یفسر بعض الظواهر التي حکیت لي من طرف العجوز عبد الهادي

 یقول :


عویفیة کان رجل مشهور ببیع  الفحم ، و هو رجل متخلق صبور، كان كلما وقف أمامه  زبون  خدمه أحسن خدمة ووفّی معه في التعامل و الميزان . و کم مرة كان یضیف عودین أو أكثر من الفحم  بابتسامة عریضة، وبعض الکلمات التي تکسب وتقرب الزبون إلیه، وأکثرمن ذلک فقد یحدث أن یحمل کیس الفحم لسیارات بعض عملاٸه منحني الرأس واسع الخطوات.

و ذات جمعة وبعد إعلان النتاٸج الإنتخابیة مباشرة،  یفاجأ عبد الهادي بعویفیة وهو یجلس أمام دکانه الکبیر مرتدیا بنطلونا وقمیصا أبیض، و کأنه یتحدی سواد الفحم و ینسلخ من جلده ، فیما أحدهم یتحرک برشاقة داخل المحل، و کل مرة یلتفت إلیه بوقار قاٸلا :

- وَعْل سلامتک أسعادَتْ الرٸيس، مبروک أسعادتْ الرٸيس، الله یطول في عمرک أسعادت الرٸيس

فیرد السید الرٸيس حسب الحاکي

- الله یعزك أولدي

والحقیقة أن الأدوار منفلتة جدا، فالذي بالداخل یقول عبد الهادي  في عمر الجد لا الإبن، وحسب ما حکی عویفیة للمسن بعد نجاحه في الإنتخابات، أن الفحم أصله من غابة في ملکیة جده، الذي کان قاٸدا یشبه القاٸد عیسی بن عمر، ویختلف معه فقط في التسمیة، التي کانت عمر بن عیسی، فالأول خرجت له قرون في كل رأسه ،استخدمها تارة للنطح والطفح والقضاء علی أعداٸه، و تارة استخدمها للقنص و جلب الطعام من القباٸل التي لم ینبث علی رأس أعیانها إلا القرع و بعض الدمامل، فیما قرون   آل عویفیة ظهرت متأخرة عند الأحفاد.

و یضیف عبد الرحمن أن عویفیة  كان کل لیلة یکبر ویتزاید حجمه  علی مقعده، حتی لم یعد یستوعبه، فغیَّره بأریکة مریحة ربما تشبه التي کنا نراها في بعض الأفلام العربیة، و أصدقکم القول أنني وأنا صغیرة كنت أعجب بالمستلقي علی الأریکة في أبهی حلة ، والعمامة تزینها جوهرة أو یاقوتة  بجبینه، کأنه نازل من السماء ، لکن لا یلبث أن تدخل علیه الجواري بقواریر النبیذ والفواکه ،فیغمز هذه ویهش علی هذه، ویشیر لمن یشیر ،فلا یکون الصباح إلا و هو أمین حزب آخر، إنتقل من البنفسج إلی الفرس إلی النخل ما دام هو  نحلة تبحث عن الرحیق أینما کان وکیفما کان.

یسکت عبد الرحمن، ویعیدني للنار الملتهبة و کل أفراد عاٸلتي تنتظر نضج ( الزنان) أو الکباب.

فاطمة المعیزي

مراکش20 یولیوز2021

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق