الأحد، 8 أغسطس 2021

القلم النبيل والخيل الأصيل بقلم //أنور ساطع أصفري

 القلم النبيل والخيل الأصيل . 

بقلم الكاتب الاعلامي : 

أنور ساطع أصفري . 

*****************************************************************************************


                                                              

الأقلام الصادقة الوفيّة التي تبتغي النبل في العطاء الإعلامي ، هي تماماً شئنا أم أبينا مثل الخيول العربية الأصيلة ، الحياة عندها لا تعني شيئاً أمام الجموح والشموخ كشجرة سنديان منتصبة وإثبات الذات ورفض الخنوع والإستكانة .

وهذه الأقلام التي تنشد الحقيقة الإعلامية لا يمكنها إلاّ أن تعيش في جو حقيقي وصريح من التنافس الشريف لما فيه مصلحة الوطن والانسان ، والذي يعني الإعتدال في المواقف والتسامح من خلالها ، وعدم إنكار الآخر .

تماماً أعود لنفس التشبيه الذي بدأت به ، فالخيول الأصيلة تمارس رغبتها في الصهيل في الأجواء الرحبة الواسعة ولكنها لا تعتدي على أحد ، بل تعكس شعور الإرتياح ومزاج الفرح عند الآخرين .

وإذا إفتقدت الأقلام الصادقة ثقافة الصهيل فإنها تتحوّل إلى أقلامٍ مكسورة الخاطر شبيهة بالأغصان اليابسة ، وتتحوّل إلى أقلامٍ عرجاء مريضة تنتظر رحمة خالقها .

إنّ الذين يودعون أقلامهم وأوراقهم وكتبهم ودفاترهم وذاكرتهم في مزادٍ علني أو في بورصةٍ تجترّ على الحقيقة الإعلامية والسياسيّة ، فإنّهم يدقّون المسمار الأول في تابوت أقلامهم ويعجّلون في دفنها ، أو ينتظرون القتل الرحيم من جهة ما .

لإنها  أي هذه الأقلام وُلدت مشوّهة عاجزة كسيحة .لإنّ أول صفة من صفات الأصالة هي الولاء للحسّ الانساني والاخلاقي .

إنّ الأقلام التي تنمو على الطحالب والوشايات ، وتتعكّز ليلاً نهاراً على همسات الجدران الخرساء ، وتلدُ لنا بعد عملية قيصرية مقالات ليس لها أي علاقة بهمومنا وجراحاتنا وصراعنا القومي وإحتياجات الانسان اليومية بكامل مجتمعه ، حيث  يعاني من الفساد المتفشي في قرى ومدن الامّة كلها  ، إضافة إلى مصادرة الحريات من كل صوب وجانب ، فهذه المقالات لا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال أن تكون محسوبة على الأقلام الصادقة ، أو على الخيول الأصيلة ، بل يتحوّل إنتاجها وبكل صراحة إلى رجسٍ من عمل الشيطان .

إنّ الكتّاب الذين يمارسون الترف الفكري يُعتبر إنتاجهم إنتاجاً غير مسؤولاً لأنهم لا يكشفون الحقائق ولا يفضحون الواقع الأليم الذي يعيشه الشعب ، وتقاعسهم هذا سوف لن يسكت عنه التاريخ ، بل ستقوم الأجيال القادمة بفضحهم وكشف النقاب عن نواياهم .

ولا يمكنني إلاّ أن أتساءل هل الذين ينتقدون القرصنة والقمع ومصادرة الحريات  والفساد المتفشي  هم فعلاً يسعون إلى البلبة وشق الصف وتعكير المزاج العام والمسّ بهيبة الدولة أو الأمّة  ؟! .

وهل يحقّ للآخرين تصنيف دعاة الخير والحرية والديمقراطية بأنّهم يعقّون وطنهم ؟! .

اليوم نحن أحوج ما نكون وأكثر من أي وقت مضى إلى أقلامٍ صارخةٍ ومسؤولة ، تصهل بأعلى صوتها وتواجه الواقع الأليم الذي يعيشه الوطن بدون ستائر مزيّفة أو خوف ، وبدون أن تنتظر مراسلات أو أوامر تكليف من الأجهزة الفاسدة للكتابة في موضوعٍ ما محدد بعينه ، فإنّ هذه الأقلام تتحوّل بهذه الحالة إلى دُمى المهرجين الذين يعرضون إنتاجهم في السيرك المهترىء والرخيص .

نحن بأمسِ الحاجة إلى أقلامٍ تحسّ بأمانة الكلمة والهدف الإعلامي النبيل الذي يبتغي في الدرجة الأولى مصلحة الوطن والامة والمواطن . وتشارك بمصداقية ونبل في هذا الوسط الوطني والقومي دون أن تتهرب لدواعي المصلحة الشخصية والتي من خلالها ومن خلال خوفهم يقلبون الحقائق ويمسّون حقوق الآخرين .

نحن بأمسِ الحاجةِ إلى أقلامٍ عفوية صادقة ، لا نطلب منها سوى كشف الحقيقة وعدم التستّر عليها ، أو تحريف الواقع .

إننا بحاجةٍ إلى أقلامٍ نبيلة تجيد العزف على وتر الحق والإعتدال والتسامح دون التجريح بمشاعر الآخرين ، وتجيد أيضاً إيقاع صوت جري الخيول الأصيلة وصهيلها الجميل ، ولا تقع أو تنحرف إلى المستنقعات التي يسكنها البعوض والوباء والحشرات والضفادع والأفاعي ، أو يكونون مطبّاً للوقوع في الشوارع والأزقّة المعتمة والغرف لتي يعمّها الوباء والقرف الآسن ، حينها سيتحوّلون وبإرادتهم إلى أقلامٍ يُشار إليها بالضمير المستتر ! .

نحن بحاجة إلى أقلامٍ يسكنها ضمير مستنير واعٍ لا يسكن أخاديد الظلام ولا يخاف من كلمة الحق وفضح غباء وقمع الآخرين .

نحن نثق تماماً ونشعر بأنّ الكلمة التي تُعبّرُ عن التصفيات الشخصية والحطّ من شأن الآخرين بدون سبب موثّق بحجة حرية الرأي مرفوضة عندنا ، لأنّ لكلِ إنسانٍ حرمته ، والحفاظ وصون هذه الكرامة نعتبرها من أولويات كل صاحب فكر ذو بصيرة ، فما بالكم بالفرسان الذين يحملون مشاعل النور والعطاء والتفاني ويضيؤون بأرواحهم درب العدل والسلام والحرية من أجل الوطن والشعب .

إننا نرفض المزاجيّة في الكلمة ، ونسعى بكل جهدنا إلى محاربة وإزالة اللون الرمادي الذي تعوّد البعض على السباحة فيه والتصيّد في الماء العكر .

ونسعى بنفس الوقت وبكل إيماننا بمنطلقنا السياسي والإعلامي أن لا نجرح أحداً ، ولا نمسّ كرامة الآخرين ، ولا نؤذي أي كان حتّى ولو إختلفنا معه بالرأي ، فالكتابة الصادقة عندنا هي تعبيرٌ مطلقٌ عن الشهامة والفروسية والكبرياء وليست حاوية نفاياتٍ كما يظنها الآخرون ، أو حفلة تنكّرية موسمية يأتي إليها المشاركون والمدعوون بوجوهٍ تنكريةٍ تخيّم عليها الأقنعة المشوّهة ، وتسيلُ منها دماءٌ ذكيةٌ بسيوفِ متنكّرة حيث يضيع تماماً دم الحقيقة دون أن يُعرف القاتل الحقيقي ، ومن ثُمّ تموت الكلمة .

إننا نسعى وندعو إلى سعة الأفق والترفّع عن الدنايا ، والإبتعاد عن التصرفات الصبيانية ، حينها فقط ينتشر الإبداع ويعم ، حتّى هذا الإبداع المقصود إذا عاش وترعرع في جوٍ من الخوفِ والتردد لا يمكنه ولا بأي شكلٍ من الأشكال أن يصل إلى مرتبة السمو والنضج الفكري .

وجميعنا يعلم أنّ المناخ الديمقراطي والحرية هما شرطٌ أساسي من شروط الإبداع بالكلمة ، ولكن هذا لا يعني أن يتمتع أحدٌ ما بهذا الشرط ويُحرم منه الآخرون ! .

إنها الفوضى والعبث بمشاعر الآخرين ، التي لا تنتج لنا إلاّ اقلاماً وسخةً لا يمكنها نشر البصيرة والحقيقة بين الناس ، فتتحوّلُ إلى إسطبلات رخيصة للخيول البعيدة كل البعد عن الأصالة والنسب الحقيقي ، خيولٌ لا تعرف كيف تصهل ، ولا تعرف كيف تجري ، كسيحةٌ ، لا تعرف لماذا تعيش ! .

إنّ الكلمة إذا صدرت بعيداً عن منطق العقل والحكمة والحنكة فإنّها ستكون كلمة مهتزّة رعناء كرصاصةٍ طائشةٍ وفي كثير من الأحيان تقتل صاحبها أو تقتل أبرياء آخرين .

ولقد قال أرسطو (( هناك دائماً ركنٌ غبي في عقل أكثر الناس حكمةً وذكاءً )) وهنا تكمن المقولة (( رأيي صواب يحتملُ الخطأ ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب )) وهكذا يكون الإعتدال والتسامح والمنطق بالكلمة .

فلنعمل جميعاً من أجل مصلحة الانسان والوطن والأمّة  بعيداً عن كل المنغصات ،فولاء القلم النبيل الذي يجيد صهيل الخيل يكون وفياً لشعبه ولوطنه ولأمّته  ، وذلك من أجل نشر لواء الخير والحق ، وبتر الفساد المتفشي في البلاد ، وإعادة الحريات إلى كل إنسان ، وإعادة البسمة العفوية على وجه كل طفل  ، ونشر قيم  العدل والسلام والحرية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق