يا رب
بقلم : ماهر اللطيف
طلبت مني ذات يوم مرافقتها إلى المسرح لمشاهدة عرض مميز ومشكور من طرف جل من شاهدوه ، واقتنت لي معها تذكرة في المقاعد الأمامية وكأننا من كبار القوم أو مثقفيها ونحن لا نعرف من الكتابة غير نقل أسمائنا وفي بعض الأحيان تسجيل الأعداد من واحد إلى عشرة.
كما اشترت لي ملابسا جديدة جد أنيقة لم أعتد على ارتدائها بما أنها معدة لمثقفي وكبار القوم لا لعامل يومي يرهق ويتعب من أجل توفير خبزة أو نصفها ليأكلها مع حبات من الزيتون وبعضا من الزيت حين أحصل على مزيد من المال...
فكانت تحاول أن تجعل مني شخصا مهما ولو لبعض الوقت عساني أهتم بنفسي واستقيم واقفا من أجل الاقلاع والانطلاق نحو تحدي المشاكل والصعاب عوض الخنوع والاستسلام ، تحفزني و تشجعني على الوقوف بعد كل سقوط لانهض وانفض عن جسدي العليل كل غبار واجعل منه نقطة بداية نحو النجاح بعد الغرق في الفشل، تمد يدها لتنقذني من وهني وعلتي التي انتقلت من جسدي إلى ذهني وعقلي الذي تصخر حتى لم اعد اشعر به...
وجاء اليوم الموعود لما ارتديت "قشرتي الجديدة" وعطرتني بأفوح العطور وقبلتني من جبيني قبلة قوية زعزعت ذاتي وأرجعتني إلى أمس بعيد حين كنت صغيرا أنعم بدلال والدي وعطاياه وهداياه ، حين بجلتني أمي عن بقية أفراد العائلة ولم احسن استعمال ذلك متى حدت عن الجادة وهربت من مقاعد الدراسة شيئا فشيئا ولم أجد من يردعني حتى وجدت نفسي خارج هذه المقاعد مرفوتا ، فبحثت عن حل وجربت العمل مع هذا وذاك هنا وهناك ولم أفلح في تعلم مهمنة معينة إلى أن تهت وضعت وأمسيت نموذجا للفشل والغباء والسقوط المستمر ، في حين نجح أفراد عائلتي وتجاهلوني كما تجاهلتهم لما كنت في نعيم جناحي والداي الذين توفيا فجأة...
ومازلت تحت وطأة هذه القبلة التي طارت بي في عالم الذكريات حتى ارجعني صوتها العذب إلى الواقع وهي تقول بصوت رقيق وحنون:
- لنتوكل على الله ونقصد هدفنا
- (وانا متردد وغير مقتنع بما أقوم به) لنتريث قليلا ، لما لا تذهبين بمعية صالح أخيك؟
- (ضاحكة وساخرة مني) إلى متى ستبقى خائفا ومترددا؟
- (مضطربا) لست خائفا في الحقيقة لكني مترددا من ولوج مكان وعالم لا أعلم عنه شيئا
- (مقاطعة) وهل تعرف الحياة وما تعطيكه كل يوم؟
- (مستغربا) لا بكل تأكيد
- وهل تعرف ما يهديك القضاء والقدر؟
- لا
- إذن ، انهض واترك هذا الخمول والتقاعس؟ انهض وسر مع السائرين فالحياة لا تنتظر المستسلمين
- لكن...
- (مقاطعة) لا تستدرك ، قم وتوكل على الله، اكتشف كل شيء وافشل، لا تفهم ، لا تفقه شيئا ...، هذا غير ذي بال ، المهم أن تنجح فيما بعد حين تصر على السؤال حين لا تفهم وتحلل وتناقش لتفهم وتنقد فتخطط قبل أن تنفذ
- لا أستطيع
- (مقاطعة) لا تقل لا أستطيع ، فهذه أسلحة الفاشلين يا أبتي ، هذه ترهات يلجأ إليها من يريد الفشل
- لا أريد الفشل ابنتي ، لكني لا أعرف كيف انجح من صغري
- (ضاحكة وماسكة بيدي) لا تخف أبتاه ، توكل على الله واتبعني رويدا رويدا وحاول تقبل ما أقوله واعلمك إياه وستجني نتيجة لم تتوقعها غدا بإذن الله...
وفعلا ، وبعد فترة زمينة قليلة تحولت من إنسان فاشل إلى إنسان ناجح -ولو نسبيا- ، ومن متقاعس إلى عامل ، ومن مستسلم إلى متحد ومصر على النجاح سلاحي في ذلك "يارب".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق