الجمعة، 10 يوليو 2020

الهروب من الأرض بقلم /عبد الرحمن بن أحمد الحازمي

قصة
الهروب من الأرض 
     قرر العلماء أن يعملوا مصعد يربطهم بالفضاء كي يهربوا من كوكب الأرض إلى كوكب أخر بديل عن هذه الأرض، التي أصبحت مهددة بالتدمير من قبل تلك الأجرام السماوية التي سَتلتطِمُ بها وأصبح البحث عن كوكب أخر من الضروريات  حتى يسلم هذا البشر من الكوارث المحتملة ولابد لهذا الكوكب أن تتوفر كل ما يطلبه الإنسان ، ويصلح للعيش فيه ، ويتوفر فيه كل مقومات الحياة من ماء وهواء وتربة ، كتلك التي متوفرة على الأرض ، والتي يحتاجها الإنسان ، فهمّوا بإنشاء ذلك المصعد الذي يتسع لكل أبناء البشر بغض النضر عن مستوياتهم ، وحالتهم وأشكالهم ونوعياتهم رحمة بهذا الإنسان الذي أوجده الله على هذه الأرض ليواجه مصيره!!! فقد أدرك البشر أنه آن الأوان لنبذ تلك العنصرية ، وتغلبوا على تلك النزاعات على أطماع الدنيا ، فكسرت البنادق ودمرت المدافع ، وأحرق كل شيء كان يتخذونه للاعتداء أوالدفاع ، بل أصبحت لا تعني لهم شيء هذه الدنيا بما فيها، فاتحدوا ووضعوا أيديهم في أيدي بعض ، وكأن تلك الكارثة التي قربت أن تحل بالأرض قد أرعبت شياطينهم ففرت عنهم لتبحث هي الأخرى عن  منجى لها ، وأصبحوا كالبنيان يشد بعضهم بعض ، ويؤازر بعضهم بعض ، وغضوا الطرف عن أطماعهم ، وعن أرائهم المنحازة  وقناعاتهم التي كانوا يقتنعون بها ، واعترفوا  إن النفس البشرية ليست ملك لصاحبها يسيرها كيف يشاء ، بل هي ملك للعالم الذي هو بحاجة لها ولخدماتها أين كانت تلك الخدمات ، فهم حريصون كل الحرص على أن لا يفقد بعضهم بعض  ، ودفعهم شدة حرصهم على هذا البشر أن لا يترك على هذه الأرض ، شخص قط ، يواجه تلك الكوارث التي ستحصل على هذا الكوكب (الأرض) ، فأعلنوا للعالم أجمع أن يجتمعوا كي يتساعدوا في بناء هذا المصعد لينقذوا أنفسهم من الكارثة المحتملة فلم يتركوا أي وسيلة لأخبار الناس إلا وقصدوها كي لا يبقى شخص له روح إلا يعلم بذلك الأمر ، وأخذوا يبحثون هنا وهناك وفي كل أنحاء المعمورة فلم يتركوا فقير أو سقيم ، أو معتوه ، أو مصاب إلى وأتوا به كي يجهزوهم ويهيئوهم كي يكونوا مستعدون للمغادرة عندما تعلن تلك الإنذارات التي وضعت لهم .
     فاجتمعوا كل علماء الدنيا وتوحدت أرائهم ، بعد إن كادت أن تتمزق بسبب تلك الأطماع والمهاترات ، ففكروا في شكل هذا المصعد الكهربائي الذي سينطلق بهم من الأرض حاملاً على متنه كل البشر بعد إن وجدوا لهم مأمن على كوكب أخر ، فهرع العالم من كل حدب وصوب ، استجابة لتلك النداءات ، وفزعاً من تلك الأهوال العظيمة ، التي ستحدث لكوكب الأرض ، والتي قرأ عنها في تلك النشرات ، وفي الرسائل الإلكترونية التي توقفت عن الدعايات الساذجة ، ومواقع ألنت، التي تركت نشر المغريات والدعايات الساذجة ، وسمعوا بها في الراد وهات ، ورأوها في قنوات التلفاز، بعد أوقفت عن نشر السخافات ، فلم يكن هناك رأي أو رأي أخر مغاير ، بعد أن اتفقت الآراء ، فحضر الناس في موقع الجمع المعلوم ، ووزعت عليهم الأعمال كل حسب تخصصه ، والذي ليس له تخصص عمل كعامل في جلب المؤن ، وكذلك النساء ساهموا في تحضير الوجبات للعاملين كي يسبقون الزمن في إعداد هذا المصعد ، فجمعوا كل حديد استطاعوا أن يجلبوه من الأرض ليعملوا منه قواعد تمتد من الأرض إلى الفضاء الخارجي وما هي إلى شهور وأيام حتى تم إعداد تلك القواعد الثابتة التي وقفت شامخة على أربعة أعمدة كل عمود بمقاس معين  وكل عمود يبعد عن الأخر بمسافات شاسعة  كي يتسع لذلك المصعد الهائل ويتحمل حمولة البشر الهائلة الذي ستحمل على متنه ، وتم تجهيزه وبدأ الناس بالصعود من أبوابه المتفرقة بعد أن أخذ كل شخص ما يستطيع حمله من الأرض ، وما يحتاجه في رحلته تلك ، وبينما هم كذلك صرخة أجهزة الإنذار معلنة قرب التطام تلك الأجرام السماوية بالأرض ، فتثبتوا بمقاعد المصعد ، وركب البروفسور fager) ) طائرته كي يطير حول ذلك المصعد ويتأكد من صعود كل البشر فيه ، وبينما هوا كذلك إذ بالمصعد ينطلق متجه إلى الفضاء الخارجي ولم يبقى على هذه الأرض سوى البروفسور (fager) فعاد البروفسور إلى القاعدة التي أنطلق منها المصعد كي يعيدهم إلى الأرض ونسي البروفسور بأن غرفة القيادة جهزت داخل ذلك المصعد فجلس يتحسر على نفسه ، ويتذكر حبيبته ، وأصدقائه الذين تركوه ، وأخذ  جهاز الجوال وقام ليهاتف حبيبته كي تطلب منهم العودة إلى الأرض ولكن لم يتمكن من الاتصال بسبب سرعة ذلك المصعد الذي أصبح في عالم المجهول واخذ يطمئن نفسه عندما يصلون إلى ذلك الكوكب ، ستتذكرني حبيبتي ، وستطلب منهم إعادة المصعد إلى الأرض وسألحق بهم ، فوصل المصعد إلى الكوكب ، وهبط الجميع من المصعد ، فرأوا منظر ذلك الكوكب على الطبيعة وأدهشوا من ذلك المنظر ومن تلك الرمال التي لم يطأها بشر وتلك الينابيع التي يحتويها سطحه ، وبينما هم كذلك صرخ أحدهم قائلاً : ليست هذا هو الكوكب الذي كنا نقصده فقد نزلنا على كوكب آخر ، وقد أنحرف المصعد عن الكوكب المزعوم فطأطأ رأسه أحدهم وقال : نعم قد أنحرف بنا المصعد وهذا ما لم نعمل حسابه قال : أخر ماذا تقصد ؟ قال لم نعمل حساب دوران الأرض حول نفسها ! ولم نعمل حساباً لدورانها حول الشمس ! صرخ الجميع في دهشة وهم يسألون أين المصعد ؟ وأين تلك الأعمدة التي تحمله ؟ فقد اختفت ولا يوجد لها أثر ! : وفجأة تتذكر السيدة مدام (fager) حبيبها البروفسور (fager) وقامت تنادي وتنشد عنه كل من يعرفه ، فتذكر أحدهم ، أن البروفسور قد أبلغه أنه سيقوم بجولة في طائرته الصغيرة ليطمئن على الجميع ويتأكد من ركوبهم  داخل المصعد ! فقد كان ذلك البروفسور حريصاً كل الحرص على أن لا يبقي على كوكب الأرض بشر ، فصرخة مدام (fager) فيهم ، وطلبة منهم الرجوع إلى الأرض ، كي تصطحب عزيزها (fager) قال لها أحدهم : وقد ارتسمت على وجهه علامات اليأس ، والحزن ، لقد اختفى ذلك المصعد يا مدام ! ولن يعود ! حتى تلك المؤن، والمعدات ، التي اصطحبناها معنا من الأرض لم يدع لنا فرصة كي ننزلها منه ! ومنهم من لم تدخل في رأسه فكرة اختفاء ذلك المصعد ، فهو لا يزال  يبحث هنا وهناك ، ولكن دون جدوى فقد اختفى بقدرة قادر ، شعروا بالجوع ، ونسوا المصعد ، والبروفسور ، وعادوا يبحثون على سطح هذا الكوكب لشيء يأكلون منه  قبل أن يموتوا من الجوع ، فلم يأتي بهم إلى هذا الكوكب إلا خوفهم على أنفسهم من الموت على كوكب الأرض  ، فبحثوا هنا وهناك ، فوجدوا نبات بأشكال مختلفة لم يروا مثلها من قبل ولا يعرفوا حتى مسمياتها ، فأخذوا يجربون من هذي وتلك كي يسدوا بها جوعهم ، وعادوا إلى الحياة البدائية التي كانت على الأرض قبل آلاف السنين ، بل إن تلك الحياة التي كانت على الأرض قبل آلاف السنين كانت أحسن بكثير من ما هم عليه الآن ، فكُوكبْ الأرض قد جهزه الله بكل مقومات الحياة كي يصلح للإنسان أن يعيش فيه أما هذا الكوكب  فلا يوجد به سوى الماء والتربة التي تصلح للزراعة ، وتلك النباتات التي لم يألفها الإنسان ، حتى تلك الحيوانات والطيور التي كانت على الأرض لا توجد في هذا الكوكب ، وكذلك لا يوجد معهم معدات كي يحْرثوا أرض هذا الكوكب  ويعمَّرُوه ، كما كانوا يفعلون في لأرض فلم يعملوا حساب أنهم لن يعودوا للأرض ، كي يجلبون معداتهم ، ويعودون في ممارسة حياتهم التي كانوا عليها ، ومضت السنين وهم في كد ومشقة ليؤمنوا قوت يومهم ، وأصبحت تلك التطورات التي كانت على الأرض كذكريات لهم يحكوها بين الفينة والأخرى للأبناء الذين لم يشهدوا تلك التطورات ، وعندما يسألونهم عن سبب تركهم لتلك الحضارات ، يقولون : لهم خوفاً من النهاية التي توقعها علمائنا ، فهم من أتوا بنا إلى هذا الكوكب التعس ! الذي هلك فيه الكثير ، بسبب عدم توفر المأكل الذي اعتادوا عليها في كوكب الأرض وكذلك لا يوجد مراكز الصحية ولا مستشفيات ، قال  أحد الصبيان :  وماذا تعني تلك المركز والمستشفيات ؟ قال : هي أماكن وضعنْها نحن البشر عندما كنا على كوكب الأرض لنعالج فيها مرضانا وفيها نقلل من خطورة المرض الذي يحدث للإنسان ! قال : ولماذا لا تعملون كتلك على هذا الكوكب ؟ قال : نحن بحاجة إلى سنوات طويلة كي نعمل كتلك المعامل التي كانت على الأرض التي كانت تساهم في صناعة الأدوية ! وصناعة المواد الغذائية والملابس وصناعة السيارات والطائرات ، التي كانت تنقلنا من مكان إلى آخر بأسرع وقت وهي من ساهمت أيضا في نقلنا إلى هذا الكوكب ، ويسأل أخر: ماذا حدث لكوكب الأرض ؟ يقول : لهم - لا أعلم ماذا حدث له ! ، إذا أين هوا ؟ قال : أنه كوكب في السماء.
    وأما علمائهم عاودوا نشاطاتهم العلمية في البحث والتحري ليجدوا كل ما هوا جديد على هذا الكوكب كي يعيدون تلك الحضارات التي تركوها على الأرض ويسْتعِيدون ما بقى في عقولهم  من تلك المراجع العلمية التي ذهبت مع مؤنهم في ذلك المصعد .
     وبينما هم كذلك اكتشفوا بحسب خبرتهم التي تعلموها على كوكب الأرض إن كوكبهم هذا لا يوجد به ثروات معدنية ، ولا بترولية ، ولا نشاط لدوائر الإلكترونية مثل تلك التي كانت على الأرض فأنهكت قواهم وضعفت أجسامهم وكثفت شعورهم وشابة لحاهم وسلموا بالأمر فلا يمكن أن يقوموا بأي نشاط علمي ، بلا تلك الخامات ، فعادوا في مزاولة نشاط الزراعة ، والاحتطاب ، وحفر الآبار لاستخراج المياه منها ونقلها على ظهورهم إلى منازلهم المتخذة من القش ، بعد أن كانوا ينعمون بالرفاهية والراحة التي مدتهم بها الأرض ، وأصبحوا عراة حفاة ، فلا توجد حيوانات يسلخونها ويتخذون من أوبارها لباس ، ولا من جلودها أحذية ، سوى ذلك النبات الذي يختسفونه ليواروا سوءاتهم .          
  وأما الأرض بعدما صمدت من تلك الصدمات التي حدثت بها ولم تتزحزح وبقة شامخة تتنفس الصعداء من تلك الاختناقات التي تسبب فيها البشر .
     وأما البروفسور (fager) لا زال يبحث عن من يؤَانسهُ في وحدته ويؤَازرهُ في مصيبته ، فيبحث هنا وهناك لعله يجد من قد تخلف عن تلك الرحلة فلم يترك بلد إلى وذهب إليه ، فيركب هذه الطائرة ويركب تلك ، وهذه السيارة والسيارة الأخرى ، ويعود من حين إلى حين إلى القاعدة التي أنطلق منها ذلك المصعد لعله يجده وقد فتح بابه وحبيبته تقف به وتقول له تعالى لنلحق بالركب ، فتارة يبكي وتارة يضحك وتارة يقول يا لحماقتنا نحن البشر نسينا من خلقنا ونسينا بأنه أعلم بحفظنا منا . تمت
 
يكتبها / عبد الرحمن بن أحمد الحازمي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق