الثلاثاء، 14 يوليو 2020

عائد من الموت بقلم / ثريا الشمام

عائد من الموت
ركضت طويلا والدخان يغطي المكان، والصراخ يشقُّ عباب هذة السحب السوداء. بين الوعي واللاوعي رأيت حفرة صغيرة،حاولتُ الولوج إلى داخلها لأحتمي من شظايا النار المتساقط
بدأ المكان مخيفاً لكنه ليس أسوأ من المكان الذي كنت أقبع داخله.
هو دهليزٌ رطب عفن لم يشم رائحة الشمس منذ أعوام
مضيت مسرعاً كأني أحارب الوقت كان علي الذهاب دون تفكير.
مرَّ وقت طويل ولم يكن هناك أيُّ بارقة أمل وكأني أهرب من موتٍ محتوم لموتٍ مؤكد ممتطياً صهوة الواقع المرِّ
وبعد جريٍ سريع دون توقف وخوفاً من موتٍ يلحقني ولحاقي بآتٍ أجهله يتدافع الي مسمعي أنهيار مخيف ربما هو حتفي.
فترتطم صخرة برأسي أسمع فيها حشرجة الروح في صدري وأشم رائحة الموت تحاصرني. حيث أنهار الدهليز مخلفا جسدي ركام كبقايا الصخور المنهارة من حولي.
صحوتُ بعد أيام أو ربما بعد شهور لاأتذكر شيئاً... سألت نفسي هل خرج الجدول عن مجراه ليغرق ماحوله أم تاها في الصحراء فأغرقته شقوق الأرض.؟هل قذف الحوت ذو النون ليبتلع البحر ويموت؟!
لم اتذكر شيئاً. بات جسدي متعباً آلمتهُ ساعات التعذيب في الأسر وعفونة ذاك الطريق المحمل برائحة الظلم والقهر. دخلت عليَّ امرأة كخيوط الشمس كأنها أمٌ للبشرية جمعاء تجاعيد وجهها تسرد حكايا الألم تلفُها سُمرةٌ تجعلها كعروقٍ ثائرة تطلب الثأر من الحياة
اقتربت مني مسحت جبيني كأنني وليدها وكأني لم أعرف سواها. شعرتُ بحنوّها ودفء يدها. حاولت التحدث دون جدوى لكنها أخبرتني أنني تعرضت لحادث وسأعود الي وعيي عن قريب.
مرت الايام متثاقلة ولاأحد في القرية سوى المرأة وزوجها الذي يحمل على كاهله ألم السنين حيث فقد أولاده في الحرب وبقي الي جانب قبورهم ينتحب ويستذكر ويعاني أعتاد صمتي وآلفت حزنه والأم معنا. بدأنا نلوك حزننا نأسى ولاننسي غير ذواتنا حيث انقطعتُ عن ذاتي فلم اعد أعرفها ولاتعرف عني حتى اسمي
وفي يوم سقطت تلك الأم أرضا فصرحت ُلايقاظها لكن دون جدوى تلفظت آخر أنفاسها وودعتني بكيت كثيراً فلم أكن اعر ف سواها هل ماتت أمي.... عندها عادت بي الذكريات الي أمي وأبي وزوجتي. شعرت بغصة وكانها قدمت روحها لتعيد لي ذاكرتي. ودعتُ زوجها بوعدي له بالعودة القريبة. حيث كان على أن أعود إلى اهلي بعد سبعٍ عجاف استذكرت أشهر الأسر وعذاباتها وكيف حدث انفجار ضخم في السجن فهربنا من الزنزانات بحثاً عن الحياة
عدت الي بيتي فوجدت أمي تتشح بالسواد وشيبتها تلوح من خلف الحجاب أحنت ظهرها ليال ثقال. اقتربت منها فنظرت الي بعينين غائرتين في كهوف مظلمة شمّت رائحتي وتلمست وجهي أطلقت حشرجات متدافعة من حنجرتها التي آلفت النحيب قالت: أنت ولدي نعم انت هو، لقد استودعتك الله والله لاتضيع ودائعه. حلفت ذئاب كنعان ليعقوب أنها لم تأكل يوسف وأنا استحلفت الموت فأقسم لي انه ماعرفك. نعتوني بالجنون وماعرفوا أنني أشم ريحك في الفلات. ضمتني الي روحها قبل صدرها فماتت سننين الغياب تعانقنا مطولا فبكيت لها وأبكتني. سألتها عن أبي وزوجتي فغصت بريقها متألمة... مات أبوك في صراع مع المرض وزوجتك اختارت بيتاً آخر اما أنا حاربت الموت كثيرا بقيت انتظرك عند الباب خشيتُ ان تأتي ولاتجد مفتاحا فلم تأخذ المفتاح معك
عندها سألت نفسي هل أنا عائد من الموت أم عائد الي الموت أم أنني والموت على موعد
ثريا الشمام. سوريا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق