الجمعة، 21 أغسطس 2020

أنا وصديقي ودراكولا بقلم // ياسين سعدان

أنا وصديقي ودراكيولا

هو لا يعلم بأني لا أصدق أيا من خرافاته ونظرياته السخيفة المتعلقة بعالم ما وراء الطبيعة.. مصاصي الدماء الذين اعترضوا طريقه حينما عاد من العمل البارحة.. والزومبي الذين حاولوا قتله حين زار نيو يورك (مع أنه لم يغادر قريتنا النائية منذ أن عرفته).. وميديوسا التي كادت تجعل منه تمثالا يوم زار اليونان.. حسب تصريحاته فإنه لولا وسامته المفرطة لكان الآن زينة من حجر يأخذ معها السياح صور سيلفي في أحد معالم أثينا.. أعجبت به ميديوسا أغوى ثعابينها هياما وتحولت إلى خصلات شعر بنية...

منذ فترة لاحظ اشمئزازي وتذمري منه، عندما يقرأ لي روايات مزورة طالعها قبل ليلة على لينكدن..

شم رائحة الشك والتكذيب التي صرت أتضمخ بها كلما تفوه بكلمة.. غضب غضبا شديدا.. وتحداني أن أرافقه الليلة إلى مكان ينبض بالرعب "سنزور بيت دراكيولا".
-وأين يقع بيت دراكيولا، في بئر برهوت مثلا؟

-لا لا.. هو قابع في مكان مجهول.. خفي عن الأنظار. .لا يخطر على البال.
إنه في قريتنا!
أجل دراكيولا يختبئ في قريتنا.. هو بشري عادي مثلي ومثلك في النهار.

"وهل ترى نفسك عاديا"؟ قلت بصوت خافت.

وفي الليل تبرز أنيابه ويسود جلده.. فيتحول إلى خفاش عظيم يفتش عن العروق الجارية، ويرتكب الجرائم الدامية..

سترافقني؟

-أين سنعثر عليه بالتحديد؟

-إنه في الكهف المهجور، يتستر داخل كومة من الخفافيش، نومها مغناطيسيا وجعل منها الأتباع والخدم.. يقول الأقدمون أن كهفه حار كالسقر.. وأن عضة منه تجعل من البشري وحشا كاسرا يقتل دون رحمة، ثم تتوفاه المنية بعد أيام معدودات من لدغة الشيطان الهجين "دراكيولا".

-حسنا، حسنا.. يكفيك وصفا سأرافقك.. متى موعدنا؟

-قابلني الليلة وراء المسجد على الساعة صفر.

الظلام الشتوي قاتم، أستعين بفلاش هاتفي كي أبصر الطريق أمامي.. وصلت إلى المكان المنشود، كان وجهه محاطا بسحابة ضوء شاحبة تنبع من القنديل القديم الذي يحمله بين يديه، رغم الضوء الخافت إلا أن نظرته الغاضبة كانت شديدة البروز.
"أيها الغبي، ستفسد كل شيء.. لماذا شغلت ضوء الهاتف.. المراسم تقول أنه يجب علينا أن نستعين بضوء القنديل وفقط، إن أردنا رؤية "دراكيولا".. أطفئه حالا"!

مضينا نحو الكهف المهجور.. نحو القصر الجديد أين يقبع أقدم مصاص دماء.. 
نتعثر بالحصى والأغصان  بسبب ضوء قنديلنا الكسلان..

الكهف شاهق كعش النسور.

-كيف سندخل إلى الكهف؟

-هل أنت مجنون؟ الدخول إلى الكهف يعني خروج روحك.. 
-ماذا سنفعل إذن؟

-سننتظر خروجه هنا.

-لكن الخفافيش تغادر أوكارها عند غروب الشمس.

-أ لم أقل لك أن هذه الخفافيش ليست عادية؟

انتظرنا ساعات وساعات.. عددت للنجوم وسافرت مع الدجن.. ثم 

-أنظر ها هي! إنها تخرج

بالفعل كانت الوطاويط تغادر كهفها.. اتجهت نحونا كموجة طائرة، خدشت فينا ما خدشت وعضت أكثر مما خدشت..

"أيها الغبي لقد أحضرتنا إلى وكر هذه الطيور المتوحشة.. كي تثبت لي أن كل قصص الرعب التي كنت ترويها علي كذب على كذب".

نظرت إلى صديقي.. كان ملق على الأرض.. وجهه منتفخ يتناوب عليه اللونان الأحمر والبنفسجي.. ويداه ازداد حجمهما بوضوح..

"لقد كان دراكولا بين الخفافيش.. حوله إلى الوحش القاتل الذي تحدث عنه"!

هرعت مسرعا نحو كوخي كي ألملم أغراضي وأغادر القرية قبل استيقاظ الوحش الكاسر الذي سيدمرها..
عندما أردت ركوب سيارتي وجدته أمامي.. ثيابه غدت أسمالا، وعيونه حبتا خوخ، وجسده استعار شحم مصارع السومو..

"لقد تركتني أيها الخائن.. هيا أثرع ثغل محرك قطعة الخردة، وقدني نحو المثتثفى..  "قال صديقي، بينما لسانه البنفسجي المتورم يسد ثغره.

"يبدو أنني أعاني حثاثية إتذاه الخفافيش" 

تمت.

بقلم ياسين سعدان _ الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق