العنقاء
قصة / عماد حمدى
تضع أطباق الطعام على السفرة، تنادى:(الأكل)، يجلس الزوج وابنيها فى صمت، يلقون الطعام فى أفواههم دون أن ينطقوا كأن على رؤوسهم الطير، لا تلقى بالاً فقد اعتادت ألا ينير أحد مسامعها بكلمة إشادة بالطعام أو تقدير لوقفتها أكثر من ساعة لإعداد الطعام بعد أن أنفقت عدة ساعات تتعامل مع الجمهور عبر شباك فى هيئة التأمينات الاجتماعية.
تضع الشاى أمامهم، يمدون أيديهم لتناول الشاى فى سكون يشبه سكون القبر، تنظر لزوجها تصبو أن تلمح فى عينيه نظرة شغف واهتمام كى تطلق إشارة بدء الانطلاق؛ لتفرغ ما فى صدرها من أحداث ومتاعب يومية، اعتادت أن تسردها أمامه فتشعر بالتسرية وتفرغ روحها استعداداً ليومٍ جديد لكنه يغلق أذنيه بالسماعة ويوصد عينيه بالنظر إلى الموبيل بصورة متصلة.
تحس بروحها تغرق وسط أمواج الصمت، تنهض للمطبخ لغسل الصحون، تتذكر فجأة أيام خلت كان زوجها يتسلل للمطبخ يداعبها أحياناً، يحادثها أحياناً، يغسل الصحون معها، تتبسم حينما تذكرت الضحكات المجلجلةوالسعادة التى تشرق بمجرد دخوله المطبخ، يردها للواقع صيحة عنيفة من زوجها الواقف خارج المطبخ( خلِّى بالك الطبق هيقع من إيديكى)!
تشعر بشيء من الخمول فتقرر أن تنال دش دافئ، تدخل الحمام تنظر إلى المرآة، تشعر أنها ترى نفسها لأول مرة، هالها تهدل جفونها والهالات السوداء أسفل عينيها، تشعر بنضارة بشرتها تتوارى، تمرر يدها على جسدها بحثاً عن مصدر سعادة، تصطدم من تغير ملامحها بصورة، تنحدر دمعة من عينيها، لا تفيق إلا على سيل من العبارات يحفر أخاديد على خديها، ينتشلها من بحر الحزن صراخ ابنها الأكبر(بسرعة يا ماما هموت مزنوق).
تخرج و تجلس أمام التلفاز توارى الوقت فى مشاهدة مسلسلات معادة، لا يلتفت إليها زوجها، لا يخرج رأسه من قبر الفيس، تعلو وجهه ابتسامات وأحياناً يعلو صوته بضحكات، إذا سألته ما الأمر أجاب لا شيء كأنه يضن أن يصب فى روحها بصيص من الفرح، تنتقل من مسلسل لمسلسل، يقفز ابنها الأكبر أمامها وقد استعد للخروج تصرخ فى وجهه:( مش تقعد تذاكر؟! مش امتحانات الجامعة قربت؟!).
يقترب منها بهدوء وهو يطبع قبلة على رأسها، تشعر بسعادة يقتلها بقوله:(مفيش عشرين جنيه؟ العبد لله على الحديدة وحوار الامتحانات كله تحت السيطرة).
تفتح كيس نقودها وتعطيه وهى تقول: (اوعى تتأخر).
تشعر بوجع شديد فى ظهرهاوتصرخ بشدة: (آه ..مش قادرة استحمل). ينتبه لها أخيراً زوجها يحادثها بلهجة أقرب لتأدية الواجب(مش الدكتور قالك حاولى تنقصى وزنك وخففى من مجهودك شوية؛ علشان سنك؟) يزور وجهه ابتسامة خفيفة فى تلك اللحظة، تنظر إليه نظرات مشتعلة، تخشى أن يفلت لسانها فتجعل روحه تنزف لأمد غير معلوم، تكتفى بالنظر إليه ولسان حالها يقول: (ما هو أنت السبب؛ شايلة البيت على كتفى، وأشترى كل حاجة، أتابع الدراسة، أروح مع الأولاد للأطباء، حتى المناسبات الاجتماعية أقوم بها).
- يقترب منها ابنها الأصغر، تصرخ فى وجهه:(عاوز إيه أنت كمان؟) تلمح فى عينيه دمعة تتأهب للفرار من قيود التماسك، تشعر بالندم لأن شظايا الغضب مست ابنها الطيب.
يحادثها بصوت خفيض:(كنت عاوز اطمن على حضرتك؛ أصل شكلك مجهد وتعبان أوى).
تشعر بنسائم الامتنان تحد من غضبها من زوج يوصد أبوابه محل روحها.
تشهد مشهد فى المسلسل، ترى البطل يسير بجوار البطلة مبتسما وهو يناولها الذرة، لا تدرى لماذا تصرخمرة واحدة (والله الواحد نفسه مرة يمشى على النيل، ياكل درة ويقزقز لب ويضحك من قلبه بَلا عِيال بَلا وَجَع قلْب).
يرد عليها بسخرية: (مش ضهرك كان واجعك دلوقتى؟ ولو فى الخروج بتبقوا زى المكن!).
ترد عليه بلهجة حادة: (أنت وولادك سبب كل تعب ومرض أنا فيه). يضحك بصورة ترج أرجاء الشقة وهو يقول: (أنتِ اللى كبرتِ). تنهض غاضبةً وتغلق وراءها باب غرفة النوم، تقف أمام المرآة، تمعن النظر إلى شكلها يتسرب لديها شك أن زوجها ربما يكون على حق؛ فقد ترك الارهاق والمعاناة بصمات لا تخفى على صوتها وشكلها ونظراتها، تشعر أنها ربما تكون على خطأ، تتلمس شفتيها تشعربتشققهما رغم أنها تضع زبدة كاكاو، تتذكر أن المساحيق وحدها لا تصنع النضارة، تجلس على السرير، تتأهب للنوم، تسمع باب الغرفة يُفتح، يقترب منها زوجها، يناديها باسم للتدليل، لا تلتفت، يهزها رفق فتلتفت إليه، تلمح فى عينيه نظرات كانت تسبق الليالى الدافئة، تتأهب لتلقى المزيد لكنه يطعن مسامعها بقوله: (ممكن تدينى 200 سلف لأول الشهر).
تمت
قصة / عماد حمدى
تضع أطباق الطعام على السفرة، تنادى:(الأكل)، يجلس الزوج وابنيها فى صمت، يلقون الطعام فى أفواههم دون أن ينطقوا كأن على رؤوسهم الطير، لا تلقى بالاً فقد اعتادت ألا ينير أحد مسامعها بكلمة إشادة بالطعام أو تقدير لوقفتها أكثر من ساعة لإعداد الطعام بعد أن أنفقت عدة ساعات تتعامل مع الجمهور عبر شباك فى هيئة التأمينات الاجتماعية.
تضع الشاى أمامهم، يمدون أيديهم لتناول الشاى فى سكون يشبه سكون القبر، تنظر لزوجها تصبو أن تلمح فى عينيه نظرة شغف واهتمام كى تطلق إشارة بدء الانطلاق؛ لتفرغ ما فى صدرها من أحداث ومتاعب يومية، اعتادت أن تسردها أمامه فتشعر بالتسرية وتفرغ روحها استعداداً ليومٍ جديد لكنه يغلق أذنيه بالسماعة ويوصد عينيه بالنظر إلى الموبيل بصورة متصلة.
تحس بروحها تغرق وسط أمواج الصمت، تنهض للمطبخ لغسل الصحون، تتذكر فجأة أيام خلت كان زوجها يتسلل للمطبخ يداعبها أحياناً، يحادثها أحياناً، يغسل الصحون معها، تتبسم حينما تذكرت الضحكات المجلجلةوالسعادة التى تشرق بمجرد دخوله المطبخ، يردها للواقع صيحة عنيفة من زوجها الواقف خارج المطبخ( خلِّى بالك الطبق هيقع من إيديكى)!
تشعر بشيء من الخمول فتقرر أن تنال دش دافئ، تدخل الحمام تنظر إلى المرآة، تشعر أنها ترى نفسها لأول مرة، هالها تهدل جفونها والهالات السوداء أسفل عينيها، تشعر بنضارة بشرتها تتوارى، تمرر يدها على جسدها بحثاً عن مصدر سعادة، تصطدم من تغير ملامحها بصورة، تنحدر دمعة من عينيها، لا تفيق إلا على سيل من العبارات يحفر أخاديد على خديها، ينتشلها من بحر الحزن صراخ ابنها الأكبر(بسرعة يا ماما هموت مزنوق).
تخرج و تجلس أمام التلفاز توارى الوقت فى مشاهدة مسلسلات معادة، لا يلتفت إليها زوجها، لا يخرج رأسه من قبر الفيس، تعلو وجهه ابتسامات وأحياناً يعلو صوته بضحكات، إذا سألته ما الأمر أجاب لا شيء كأنه يضن أن يصب فى روحها بصيص من الفرح، تنتقل من مسلسل لمسلسل، يقفز ابنها الأكبر أمامها وقد استعد للخروج تصرخ فى وجهه:( مش تقعد تذاكر؟! مش امتحانات الجامعة قربت؟!).
يقترب منها بهدوء وهو يطبع قبلة على رأسها، تشعر بسعادة يقتلها بقوله:(مفيش عشرين جنيه؟ العبد لله على الحديدة وحوار الامتحانات كله تحت السيطرة).
تفتح كيس نقودها وتعطيه وهى تقول: (اوعى تتأخر).
تشعر بوجع شديد فى ظهرهاوتصرخ بشدة: (آه ..مش قادرة استحمل). ينتبه لها أخيراً زوجها يحادثها بلهجة أقرب لتأدية الواجب(مش الدكتور قالك حاولى تنقصى وزنك وخففى من مجهودك شوية؛ علشان سنك؟) يزور وجهه ابتسامة خفيفة فى تلك اللحظة، تنظر إليه نظرات مشتعلة، تخشى أن يفلت لسانها فتجعل روحه تنزف لأمد غير معلوم، تكتفى بالنظر إليه ولسان حالها يقول: (ما هو أنت السبب؛ شايلة البيت على كتفى، وأشترى كل حاجة، أتابع الدراسة، أروح مع الأولاد للأطباء، حتى المناسبات الاجتماعية أقوم بها).
- يقترب منها ابنها الأصغر، تصرخ فى وجهه:(عاوز إيه أنت كمان؟) تلمح فى عينيه دمعة تتأهب للفرار من قيود التماسك، تشعر بالندم لأن شظايا الغضب مست ابنها الطيب.
يحادثها بصوت خفيض:(كنت عاوز اطمن على حضرتك؛ أصل شكلك مجهد وتعبان أوى).
تشعر بنسائم الامتنان تحد من غضبها من زوج يوصد أبوابه محل روحها.
تشهد مشهد فى المسلسل، ترى البطل يسير بجوار البطلة مبتسما وهو يناولها الذرة، لا تدرى لماذا تصرخمرة واحدة (والله الواحد نفسه مرة يمشى على النيل، ياكل درة ويقزقز لب ويضحك من قلبه بَلا عِيال بَلا وَجَع قلْب).
يرد عليها بسخرية: (مش ضهرك كان واجعك دلوقتى؟ ولو فى الخروج بتبقوا زى المكن!).
ترد عليه بلهجة حادة: (أنت وولادك سبب كل تعب ومرض أنا فيه). يضحك بصورة ترج أرجاء الشقة وهو يقول: (أنتِ اللى كبرتِ). تنهض غاضبةً وتغلق وراءها باب غرفة النوم، تقف أمام المرآة، تمعن النظر إلى شكلها يتسرب لديها شك أن زوجها ربما يكون على حق؛ فقد ترك الارهاق والمعاناة بصمات لا تخفى على صوتها وشكلها ونظراتها، تشعر أنها ربما تكون على خطأ، تتلمس شفتيها تشعربتشققهما رغم أنها تضع زبدة كاكاو، تتذكر أن المساحيق وحدها لا تصنع النضارة، تجلس على السرير، تتأهب للنوم، تسمع باب الغرفة يُفتح، يقترب منها زوجها، يناديها باسم للتدليل، لا تلتفت، يهزها رفق فتلتفت إليه، تلمح فى عينيه نظرات كانت تسبق الليالى الدافئة، تتأهب لتلقى المزيد لكنه يطعن مسامعها بقوله: (ممكن تدينى 200 سلف لأول الشهر).
تمت
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق