قصة (جذور) الجزء ما قبل الأخير
كنت مستغرقة تماماً في النوم، حينما شَعرتُ بدبيب شيء ، أخذ يزحف على فخذي، فتحت عيني مرتعبة وتراجعتُ بجسدي المنكمش للخلف! حدّقتُ في الشبح النحيف المنحني، والذي لم يكن سوى عمتي، شعر كلانا بالحرج، راحتْ عمتي تبدي لي من صنوف عبارات الأعتذار ماجعلَ وجنتاي تحمرّان خجلاً، قالت :
_آه ياطفلتي كم أنني فعلاً آسفة، لم أتوقع أن تجفلي بهذا الشكل، هل ثمة شيء ، هل أنتِ خائفة!؟
_خائفة! لا طبعاً لستُ بخائفة، فقط تخيلتُ أني مازلتُ هناك! كنت متعلقة بأمي، هذا كل ما في الأمر!. لم تتركني عمتي أنهي كلماتي، زَحفتْ بعودها النحيل، أدارتْ ذراعيها حولي ثم منحتني عناقاً طويلاً، وددتُ لو لم ينتهي، أخذت تمسح على شعري بخفة وهي تهمس بصوتها الخافت :
_لاحظت سهومك ونحن على مائدة العشاء، آه يا ابنتي، مازلتِ طفلة، عليكِ أن تتعلمي كيف تتخطين الماضي، لاتدعيه يطاردك، والا امتلأ وجهكْ الحلو هذا بالتجاعيد مثلي.
_لا عمتي، لاتقولي هذا، مازلتِ جميلة، ملامحك طيبة.
_هيا انهضي، اغتسلي، ريثما اوقظ ميس، عليكما تناول الفطور، تحتاج المذاكرة لذهنٍ نشط وصاف. تنهدت عمتي، سارتْ نحو الباب بجسدها الهش شبه المحني، وقبل أن تخرج استدارتْ وهمستْ بضعفٍ كبير :
_كنت مترددة في اخبارك، لكن ميس وأنتِ كنتما ستعرفان بالأمر عاجلاً او آجلاً! حسناً، عمك المسكين مات هذا الصباح. رفعتُ يدي إلى فمي وانا أحاول حبس صرختي، هزّتْ عمتي رأسها بأسى، ثم اطبقتْ الباب. لم أقوى على الحركة، فقد شكّل ما نطقتْ به عمتي للتو، صدمة شلّتْ حركة جسدي وقضتْ على تفكيري، الرجل النحيف الشبيه بعمود النور والصامت دوماً، قد مات أخيراً! لكنه كان بصحة جيدة حينما تناولنا وجبة العشاء البارحة ، ياالهي، كيف حدث هذا!؟ وميس المسكينة، كيف سيكون وقع النبأ عليها! أليس من المفروض أن أكون بجانبها الآن. كانت ميس ساكنة تماماً عندما دخلت لغرفتها، وكانت عيناها المُحمّرتان تحدّقان في الفراغ، اما شعرها الأشقر الذهبي الجميل فكان مشوشاً، لم تلتفت لي حينما دنوت منها، كانت عمتي ترّبتُ على كتفها بصورة آلية وكأنها طفل رضيع، رفعتْ رأسها حالما وقع بصرها علي، ابتسمتْ بضعف، ثم اومأتْ نحو ميس ونهضتْ وهي تتنهد، كنت أشعر بالعجز والحيرة، للحظة تذكرتُ حالتي وأنا اتأمل جثة أمي المسجاة في فراشها، كنت وحيدة، وقد شعرتُ حينها بالضياع، حسناً، لن أترك ميس تمرُّ بنفس ما مررت به! كانت عمتي قد غادرتْ، أصبحنا لوحدنا الآن، عليَّ فقط أن أكون صادقة في مشاعري! كانت يدها ذات الزغب الأشقر الناعم ملقاة إلى جانبها، تحسستُ ظاهر يدها بأطراف اصابعي، كنت أتمنى لو استطعتُ اخراجها من عالم الصمت المخيف هذا، ستعاني من صدمة يطول علاجها لو ظلّتْ تحدّق في الفراغ هكذا، خطرتْ في ذهني فكرة، سأحدثها عن والدها! أنا بالكاد اعرفه لكني سأحاول! دنوت أكثر منها حتى كدتُ التصق بها، ياربي، أكاد أشعر بنبضات قلبها، همستُ لها بصوتٍ خافت :
_كان والدك مغرماً جداً بأمك، عندما احضرني وتحدثنا عن الطبيعة الخلاّبة والغابات، اضطرمَ وجهه بحمرة قانية وتنهد بصوت مسموع، فيما بعد عرفتُ بأني قد ذكرته بشخص عزيز، والشخص ياعزيزتي هذا، لم يكن سوى أمكْ، أنتِ تعرفين حتى أكثرُ مني أنه كان يبكّر في الخروج صباحاً، يطلق العنان لسيارته ويتجول حول الغابات، أن أماكن الذكريات لايمكن أن تمحى، ووالدك كان وفياً لهذه الذكريات، وأنا متأكدة انك كنت من أجمل وأعذب هذه الذكريات التي تركتها أمك الراحلة له! كنت أشعر بأنه يحبك بطريقة فريدة، كان مغرماً بك جداً، لكن بطريقته الخاصة. شَعرتُ بميس تحني رأسها، وضعته بين ركبتيها ثم أخذتْ ترتعد، لقد أخذتْ تنشج اخيراً، وبقدر ما أوجعني ذلك، لكنه ارضاني من جانب اخر، ففي البكاء راحة، وقد حان اوانها. عندما غادرت الغرفة كانت ميس تغط في نوم عميق، لقد أمضيتُ وقتاً طويلاً في تمسيد شعرها وتدليك رأسها حتى غفت اخيراً، كانت نوافذ الصالة الكبيرة الثلاث مسدلة، أما مقعد عمتي الأثير فكان خالياً، فكرت بأنها قد تكون نائمة، فالصدمة كانت أشد عليها، ولا أعلم أن كانت عينيها قد ذرفت الدموع أم لا، لكني كنت متأكدة بأن شيئاً كبيراً قد انكسر في داخلها، وبأنها تحاول التماسك أمامنا فقط، سحبتُ أحد المقاعد، وضعت رأسي على طرف الطاولة الكبيرة، وغرقت في التفكير.شعرتُ بألم في عنقي، يبدو أني قد غفوت، قبل أن انهض للاطمئنان على ميس تناهى إلى سمعي صوت توقف سيارة، أزحتُ ستارة النافذة قليلاً، اصطدم بصري بأشعة الشمس التي كانت تحاول اختراق الزجاج، أنها عمتي المسكينة، أنها تترجل بصعوبة، لكن ثمة رجل يمسك بيدها، آه تباً، ايُّ صدفة لعينة هذه!؟ كان هو نفسه، الرجل الثلاثيني ذو العيون النرجسية، وثمة رجل آخر معه، رجل كهل راح يهمس بإذن عمتي التي كانت تستند في سيرها على ذراع ذو العيون النرجسية! كنت مندهشة، راح قلبي يخفق بقوة، صدفة عجيبة هذه، همستُ لنفسي، أين عليَّ الذهاب الآن!؟ لكني قبل أن اخطو للخلف اصطدمت بجسد ميس، كانت تقف خلفي كل هذا الوقت ، لم انبس بحرف، حدقت في ملامحها الجامدة، ازعجني أنها لم تكن مندهشة مثلي، امتدّتْ اصابعها، أمسكت بيدي، كانت الخطوات تقترب، ثمة من هو قادم الآن، أسرعتْ ميس وقادتني خلف باب غرفتها ثم أغلقت الباب. (يتبع للجزء الأخير)
بقلم /رعد الإمارة /العراق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق