الأحد، 6 سبتمبر 2020

عربون محبة بقلم // نعيمة بوزوادة

قصة قصيرة
عربون محبة
نور شابة جميلة جدا، صاحبة قد ممشوق وشعر أسود طويل مسترسل بكل بقوة وعنفوان خلف رقبتها وكتفيها يكاد يغطي ظهرها بالكامل، لها عينان عسليتان قد فرضتا جبروتهما في كل نظرة منها، يمكن تخيل المنظر في لون الليل الممزوج بلون العسل، وجهها موسوم مرسوم؛ فم كحبة فراولة علاها بريق حبات السكر وأسنان كاللؤلؤ المنثور، هي فتاة جزائرية من مدينة وهران ، عاشت يتيمة الأبوين لم تعرف أنه تم منحها لعائلة مغاربية الأصل تبنتها لكنها غادرت الجزائر بعد ذلك إلى المغرب، وبعد أن أصبح عمرها السادسة عادت بها العائلة إلى أرض الوطن، قام والدها بالتبني بإدخالها المدرسة الابتدائية لتلقى أولى خطواتها في التعليم؛ وفي سن الخامسة عشرة توفي ولم تجد أمها بالتبني طريقة لإعالة ابنتها من أجل إتمام دراستها سوى العمل كمنظفة في البيوت، كانت نور تتألم لرؤية أمها تتأوه من آلام الروماتيزم التي تصيبها في فصل الشتاء من جراء استعمال الماء البارد وعدم امتلاكها لحذاء واق.
قررت نور أن تعين أمها وتخفف عنها عبء الحياة التي يعيشانها معا، وهي طالبة في الثانوية بدأت بالبحث عن العمل ، كانت لنور صديقة تشكو إليها همومها فدلتها على مطعم وسط المدينة لعلها تجد غايتها به ، قامت نور بزيارة المطعم أين وجدت مجموعة من الشباب هناك ، كل منهم قد استلم عملا معينا ، سألت نور عن رب العمل فأجابها أحدهم أنه غير موجود وأنه لا يمكنها مقابلته لأنه قد أخبره بعدم عودته، ثم سألها ما الذي تريده ، أخبرته نور أنها تبحث عن عمل، ابتسم الشاب بسخرية ورمقها بنظرات سخيفة قائلا : كل هذا الجمال يبحث عن عمل ؟ لا يمكن، ثم صار يرفع حاجبيه ثم ينزلهما ويدقق النظر فيها مما أحرج نور فاعتذرت وخرجت من المحل مسرعة، وبدأت بالسير وجهة البيت وفي طريقها كانت تتفحص المحلات وفجأة اصطدمت بأحدهم كان قد أوقف عربته على قارعة الطريق أمام محل البيع بالجملة كان يحمل صندوقا مليئا بالبضاعة؛ حين اصطدم بنور وضع الصندوق على الأرض ليقول كلاما غير مرغوب كأن يصف الآخر بالعمى، لكنه سرعان ما أن رآها وهي تضع يدها على طرف جبهتها لأن حافة الصندوق تركت أثر الارتطام بها حتى أسرع قائلا: ما بك يا فتاة؟ هل تأذيتي؟ قالت: لا، ليس كثيرا لا عليك يا أخي، لكن الشاب لم يزح نظره عنها فقد انتقلت عيناها به إلى عالم آخر غريب عنه.
انصرفت نور لتدخل المحل المجاور من أجل السؤال كعادتها عن حاجتها للعمل ولم تعر الفتى اهتماما، بينما وضع هو صندوقه بالعربة ولم يغادر المكان، بل بقي قابعا فيه ينتظر خروج الفتاة ليتأملها من جديد، بعد أقل من عشر دقائق خرجت من المحل وعلامات الحسرة على وجهها، بينما طأطأ ياسر رأسه كأنه يبحث عن أمر ما داخل سيارته حتى لا تنتبه له أنه يراقبها، ثم رفع رأسه وإذا بها تغادر المكان فَهَمّ مسرعا بمناداتها : يا فتاة ، فالتفتت إليه مستغربة تتساءل ما الذي يريده منها؟، قال: هل تحتاجين إلى مساعدة، أخبريني؟، قالت: نعم، أبحث عن عمل، قال: أي نوع من العمل؟ أقصد ماذا تتقنين؟ قالت: أي عمل لإعالة أمي المريضة، قال: تعملين معي، لي مطعم وسط المدينة إذا أردتي أن أريك إياه، سنذهب الآن حالا بالسيارة، قالت: لا، أترك العنوان وسأقوم بزيارتك غدا إن أمكنني ذلك.
ترك الشاب لها رقم هاتفه وعنوانه، ثم أخبرها أنه ينتظرها بفارغ الصبر.
في اليوم الموالي قامت نور بالذهاب إلى المكان الذي أخبرها عنه ياسر وفجأة وجدت نفسها أمام الذي زارته بالأمس لتلتقي بنفس الشاب المتملق، دخلت نور المحل إذ به يرمقها بنفس النظرات قائلا: عدتي؟ ثم اقترب منها وهمس، ما بها الحلوة اليوم؟ هل هي بحاجة لأمر ما؟ وأخرج من جيبه ورقة نقدية، لم تفهم نور قصده وهمت بسؤاله: هل صاحب المحل هنا؟، قال: وما حاجتك به ؟، اتركي لي رقم هاتفك يمكنني مساعدتك وأنت ستكونين بعدها في أحسن حال، سأهتم بك يا صغيرتي، لكن نور ابتعدت عنه وهمت بالخروج لكن صاحب المحل كان عند الباب فالتقيا، قال آه أتيتي؟ قالت نعم: سيدي، لكن لا أريد العمل هنا، لماذا؟ البارحة أخبرتني أنك بحاجة إلى العمل لإعالة والدتك، ماذا حدث؟ وبقيا بين أخذ ورد، حتى أقنعها بالمكوث فقبلت.
استلمت نور العمل كنادلة، وبينما كانت بين ذهاب وإياب بين طاولات الزبائن كان ذاك الشاب الغبي يضايقها، ولكن صاحب المحل ياسر تفطن للأمر فحذره من الاقتراب منها وإلا سيفقد عمله، فتوقف عن ازعاجها.
كانت نور تعود مرهقة جدا إلى البيت لكنها في الحقيقة كانت سعيدة بما تقدمه من عون لأمها ،كان ياسر صاحب المحل يراقبها يوميا حتى أنه إذا هاتفته لأجل امتحاناتها يتأسف لغيابها عن العمل، كانت نور تحسبه معجبا  لأنها استطاعت كسب قلوب رواد المحل بسبب معاملتها ، لكنها لم تدرك أن ياسر ذاك الشاب الرائع قد أسرته نور من أول وهلة وأصبح لا يستطيع دخول محله في غيابها ، لكنه خاف من مصارحتها خشية فقدانها، فهي لم تكن من الفتيات المرحات اللواتي يهتمن للشباب واللهو، بل كانت حازمة جدا في تعاملها مع كل من يتجرأ على معاملتها بسوء أو يحاول مغازلتها ليكسب ودها .
فكر ثم فكر في أمر ما يمكن أن يجعل نور قريبة منه جدا، نور كانت مشغولة بتحضيرها لامتحان البكالوريا، قرر ياسر أن يترك الأمر الذي أراد أن يفاتحها به بعد أن تنقضي أيام الامتحان حتى لا يشغلها، انتهى أسبوع شاق بالنسبة لها لقد اجتازت الامتحان ويجب أن تعود إلى العمل.
في اليوم الموالي نور كعادتها في محل ياسر كالنحلة الدؤوبة تعمل بجد دون شكوى، ياسر يراقبها كعادته ويتمتم، كيف لي أن أفاتحها في الموضوع عليّ أن أتشجع، وفجأة قرر أن يفعلها: نور تعالي، وضعت الصينية والتحقت بياسر، نعم سيدي ماذا هناك؟ ...اسمعي منذ مدة وأنا أريد أن أخبرك أمرا، أنا أريدك زوجة لي، اقبلي أرجوك.
مفاجأة ...تشجعت نور لتخبره أن الأمر بيد والدتها.
قام ياسر بزيارة أم نور التي وافقت على طلبه لضمان مستقبلها بأن لا تتركها وحيدة في حالة موتها مع شرط أن تكمل دراستها وتلتحق بالجامعة، وحقا هذا ما حدث؛ تزوجت نور من ياسر وأنجبت ابنتها الكبرى في آخر سنة لها بالجامعة، بعد ذلك مكثت بالبيت مدة ثلاثة عشر سنة تهتم بزوجها ياسر بعد ما أنجبت منه ثلاثة أبناء آخرين ذكورا والتحقت بالتعليم لتصبح أستاذة لغة عربية، نور الآن لها ابنة بالمدرسة العليا للغات بالعاصمة ؛ لكن حياتها لم تعد هادئة فقد دخلها أمر عكر صفوتها بعد أن قرر ياسر الزواج مرة أخرى بعد كل ذلك الحب الذي جمعهما.
               بقلم نعيمة بوزوادة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق