" حلمُ فؤاد"
سأحدثكم اليوم عن فؤاد. عن الطفل فؤاد. عن حلم فؤاد.
كان فؤاد يحلم بركوب سيارة ليموزين ولو لمرةٍ واحدة في حياته.
وكم من مرةٍ ومرةٍ سمعته يحدِّث أصدقائه عن مفاتن تلك السيارة.
مريحة. واسحة. تشعر فيها كأنك في طيارة. كأنك رئيس جمهورية أو ملك من ملوك الدنيا. المكيّف. الأثاث. الستائر السوداء.
المحرّك المعجزة. وسائل الدفع "الغير طبيعية". الرهبة.
الهيبة ، وما دواليك من الأوصاف الطنانة والرنانة التي كانت تتراقص على شفتيه السعيدتين كلما حكى بشغف عنها.
وما يلبث أن يعود ويكرر : " وحدها الملوك تركب سيارات كهذه".
الملوك؟؟!
وكيف لفؤاد المسكين أن يدري؟
كيف له أن يعرف أن مَن يمتلك سيارة ليموزين ليس بالضرورة أن يكون ملكاً أو رئيساً أو وزيراً.
لكنه ، وبسبب فقره الشديد وبؤس حال ضيعته "أم النمل" ، الذي ولد وترعرع فيها ، اعتقد أن اقتناء سيارة كتلك هي حلم لا يصل إليه إلا السلاطين.
طبعاً لم يكن يمر الكثير من "اللميوزينيات" في ضيعة أم النمل.
وهذا لأن لأن عجلات تلك العائلات الثرية من السيارات تخجل ، بطبيعة
الحال ، أن تحتك بالعائلات الفقيرة من الطرقات.
مقامها ليست من مقامهم.
هي بنات عز وأولئك بنات فقر حيث لا قدر ولا قيمة.
ولكن كان يكفي مرور سيارة واحدة من هذا النوع في السنة حتى يترسّخ في عقل فؤاد حلم ركوبها لسنوات.
ومرّت السنوات ولم يستطع فؤاد تحقيق حلمه.
حتى أنه لم يستطع لمس هيكلها الخارجي بيديه الصغيرتين.
وكانت مريم ، أمه البائسة ، غالباً ما تطلب عبر أقربائها في المدينة ، أن يأخذوا إبنها معم ليركبوه سيارة ليموزين يمتلكها شخص ما هناك.
وكانوا يجيبونها مقهقين :
" يا مريم. أتعتقدين أن لديهم الوقت لتلك السخافات هناك؟".
فتردّد الأم بوجع الفقر الأليم : " ما هو سخيف لثري قد يكون حلماً لفقير".
وما إن يسمعوا هُم ذلك حتى يديرون ظهورهم ويتمتمون بين
أنفسهم : " ها قد بدأت بفلسفتها المعهودة".
فيسمعهم وجهها الممتقع ألماً ويصيح :
" ومتى كان دمع الأم فلسفةً يا أقرباء ؟"
وتقضم حروفها وتعود إلى بيتها الصغير خائبة.
تسير نحو ابنها الغافي.
تقرفص قرب فرشته الملقاة على الأرض.
تقرّب رأسها من رأسه. تبوسه على جبينه. تحضنه.
تصلّي. تدمع. وتنام.
يلتصق جبينه بحضنها ، وجسده الصغير بذراعيها.
تتشابك أصابعه بأصابعها ، فيتسرّب حلمه مثل الماء ، من عقله إلى قلبه ، ومن قلبه إلى أصابعه. ثم إلى أصابعها وقلبها وعقلها.
فيمتزج الحلم بدمها. فيصير حلمه حلمها.
وهدفه هدفها.
وأمنياته أمنياتها.
"ألهذا تنتزع الأم أحلامَها الخاصة عنها دائماً ثم تلبس أحلام أطفالها رداءً؟"
وتمر الأيام والسنين وتكبر الأم وتهرم.
ويصير فؤاد شاباً ربيعي العمر يناهز العشرين.
كل شيءٍ فيه تغيّر.
نعومة صوته الطفولية تلبس الرجولة نغماً .
صدره الصغير صار عريضاً.
خط شاربيه يخترق حاجز الجلد ويكشف عن نفسه أكثر وأكثر مزمجراً : ، ولو بخجل : "أنا هنا!"..
كل شيء. كل شيء في فؤاد لم يعد مثلما كان.
كل شيء إلا فقره الشديد وحلمه العنيد الذي أبى أن يفارقه.
نعم!
لم يزل يحلم فؤاد بركوب سيارة ليموزين ، ولو لمرة واحدة في حياته!
وفي يوم ممطرٍ عاصف كربلائي حزين ، حيث السماء تهدر والبرق يهدد ، اختار قدر الموتِ أن يخطف فؤاد من أحضان الحياة.
لم أعرف ماذا حصل وما كان السبب ، ولكن قيل مِن ما قيل أن فؤاد كان بطريقه إلى بيت صديقه سعيد عبر حقول القمح.
وهناك في الحقل لدغته أفعى. فطرحته أرضاً ، وبعد دقائق معدودة فارقت روحه الحياة.
لكن قصة المطر والأفعى هذه ليست منطقية.
والبعض قال أن صاعقة رعدية في هذا الطقس العنيف قد تكون السبب.
أما طبيب الضيعة فقال أن سبب الموت هو سكتة قلبية.
لأن فؤاد المسكين كان يعاني من مشاكل في عضلة القلب.
تعددت الأسباب والموت واحدٌ.
لم أعد أذكرُ تفاصيل ذاك النهار المفجع.
لكني طبعاً أذكر أن أمه قد بكت عليه كثيراً.
بكت كثيراً.
وصرخت بوجها الدنيا وحتى الله.
وضعُفت. وهزُلت. وكبُرت في الثانية خمسين سنة.
وفي يوم الدفن الأليم ، والوداع القاتل ، وقبل دقائق من مواراته الثرى ، رأيت موكب الدفن يمر من أمامي.
ورأيت النعش الخشبي الذي كان فيه جثمان فؤاد ، يسير بين السيارة التي أمامه والمعزّينن الذين وراءه.
ورأيته محمولاً ، لا عل أكتاف الناس، بل على أكتاف سيارة.
سيارة ....ليموزين!
كانت تنقله سيارة ليموزين!
نعم. رأيتُ هذا المشهد وكدتُ أنفجر!
وكدت أصرخ " يا لقذارة هذا العالم!".
ها قد حققتَ حلمك يا فؤاد.
ها قد حققتُ حلمك يا صديقي.
ويبدو أن أقربائك يا حاجة مريم .
أنت أيتها الأم المسكينة .
يبدو أنهم قد استطاعوا أخيراً إقناع أصدقاءهم في المدينة أن يُركبوا طفلك، أن يسمحوا لـِ "فؤادك" الصغير ، ركوب حلمه أخيراً !
بقلم ربيع دهام
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق