الأحد، 11 أكتوبر 2020

ق ق . زينب ...و شيخ الزاوية ✍️ الأستاذة نعيمة بوزوادة

 قصة قصيرة 

 زينب ...و شيخ الزاوية 

بلغ من العمر عتيا؛ مائة وخمس سنوات مرت كأنه ولج من دفة باب إلى دفة مناجيا ما بين القبر والمحراب؛ هذا قوله الذي يتقوله دائما وهو يجلس بين عشرين حفيدا من حفدة أبنائه، مستدير الوجه؛ كطفل قد استبدل سنه في عمر السادسة، حتى أن الشيخ بدأت تنمو لديه أسنان جديدة سبحان الله، وهذا ما يقوله عنه أبناؤه وأحفاده وأحفاد أبنائه وجيرانه؛ على رأسه عمامة بيضاء أخذت من لون عباءته التي طالما أمسك طرفها حتى لا يتعثر عند المشي بسبب انحناءة ظهره؛ سماه أهل القرية شيخ الزاوية، هو كبيرهم ولبيبهم يستشار في كل صغيرة وكبيرة؛ يزوج العزاب ويفصل في الخلافات و يمرر القرارات؛ لكن شيخ الزاوية الحاج ابراهيم ورغم ضعف نظره قرر الزواج من أصغر فتاة في القرية؛ شيء مضحك بالنسبة لمن يرى فتور قوة الرجل، مالذي يحدث يا ترى؟ أيمكن لشيخ قد بلع هذا السّن أن يفكر في الزواج مرة أخرى؟ وممن ؟... من فتاة ما تزال لم تبلغ الثامنة عشر من عمرها ؛ ماذا يحدث للدنيا؟ الأصح أن لا نلومها بل أن نتساءل مالذي يحدث لعقل هذا الشيخ الهرم؟...

زينب فتاة يافعة ابنة أحد الفلاحين في القرية؛ عرف عنها أنها من أجمل بناتها؛ بل أصبحت موضع تنافس الشباب لأجل خطبتها؛ صاحب الحظ الموفور ستكون زينب من نصيبه؛ لكن شيخ الزاوية دخل المنافسة رفقة هؤلاء الشباب وبقوة، فقد استدعى والدها ليخطبها منه؛ لكن الأب لم يستطع الرد لأنه سيفتح على نفسه عنف شيخوخة هذا الرجل لأنه هو من يعقد قران الأزواج في بلدته؛ أصبح في حيرة من أمره فاستشار ابنته قائلا: خطبني فيك شيخ الزاوية الحاج ابراهيم وأنا يا ابنتي لاقوة ولا حيلة لي أمامه؛ تعلمين أنه صاحب نفوذ ورأي وهو من يقرر أمر الزواج في قريتنا؛ لم أجد ما أرد به عليه يا طفلتي؛ إن وافقت أكون قد رميت بك إلى الهلاك، وإن رفضت متأكد أنه لن يسكت عن الحدث وسنجد أنفسنا نواجه عاصفة من غضب الرجل علينا؛ يا بنيتي أنا بين المطرقة والسندان فكري وخلصي أباك من هذه المحنة، أثق في ذكائك وبصيرتك وفطنتك رغم صغر سنك.

لم ترد زينب أن تقلق أباها يكفيه الهم الذي أحاط به من جراء استيلاء أبناء الحاج ابراهيم على معظم حدود أراضيه وهو يعيش الصمت طيلة سنوات فقط ليجنب ابنته الوحيدة زينب المواجهة والتعرض لها من طرفهم؛ ردت زينب: أبي قل له أنني موافقة.

استغرب الأب من جواب ابنته لكنه يثق في قدراتها فأرسل للشيخ يبشره بالموافقة؛ لم تسع الحاج ابراهيم الفرحة فقد أصبحت عيناه المغمضتان جاحظتان وفمه المنكمش واسع الابتسامة يكاد يصل إلى أذنيه؛ أما يداه المرتجفتان رمت عصا الاتكاء؛ واستوى ظهره فأصبحت مشيته معتدلة؛ سبحان مغير الأحوال شيء عجيب؛ أمر أحد أبنائه باصطحابه لطبيب الأسنان في المدينة من أجل أن يضع له طقم أسنان؛ وفعلها الشيخ، الله الله عادت له صحته لأنه سيتزوج بنت الثامنة عشر هذا ما تتناقله نمنمات الجيران في اجتماع النسوة لتحضير العرس.

فكرت زينب في طريقة للخروج من مأزق؛ توجهت إلى إحدى حفيدات شيخ الزاوية مريم وقد كانت أعز صديقاتها؛ تريد زينب جلب كل المعلومات الخاصة بالشيخ من أجل التخطيط الجيد للمهمة التي ستقوم بها، قالت زينب لمريم عزيزتي أنا سعيدة جدا كوني سأصبح فردا من العائلة؛ مريم مستغربة جدا فلو كانت مكانها ما قبلت العرض حتى لو تم قتلها هذا ما أفصحت به لزينب؛ لكن هذه الأخيرة واصلت الحديث قائلة أريد معرفة كل ما يتعلق بحياة زوجي المستقبلي؛ لا يهمني سنه كل الذي أريده أن أكون في بيتكم لأني لطالما تمنيت أن أكون في أسرة غنية جدا؛ وأعلم جيدا أنّ الحاج ابراهيم الذي سيكون زوجي لن يبخل عليّ بالدلال، ردت مريم وقد اختلط كلامها بنبرة السخرية والضحك، يا زينب لا شيء يصلح به غير ماله يا عزيزتي؛ حتى ثروته يكاد أبناؤه وأحفاده يقتلون بعضهم بعضا من أجلها؛ أنت لا تدركين مالذي يجري في عائلتي، ورغم ذلك لا بأس سأخبرك أولا بأمراض جدي ...مريم كانت تتعمد ذلك كأنها تريد من زينب التخلص من جدها بشكل من الأشكال وهكذا لن تضطر للزواج به؛ اسمعي حبيبتي جدي معه السكري والضغط والكوليسترول ومعه تشنج عضلة القلب وضيق التنفس وأحيانا يصيبه الزهايمر؛ كما أن كأسا من الحليب الممزوج بالعسل كفيل بقتله؛ ردت زينب كأس الحليب مع العسل دواء يا مريم؛ لا يا عزيزتي بالنسبة لجدي شربه عبارة عن انتحار، ودعت زينب مريم وعادت لتجد نفسها تعد لخطة محكمة حتى لا يقتضي الأمر منها مجازفة ليلة عرسها.

مرّ أسبوع على الاعداد للأفراح وانتشرت الأخبار الحاج ابراهيم شيخ الزاوية يعقد قرانه على زينب بنت الفلاح؛ وجاءت الليلة الموعودة؛ دقت الطبول وارتفعت الزغاريت و أقيمت الولائم، الشيخ ابراهيم من فرحته يلبس برنوسا مطرزا بخيوط الذهب ويضع عمامة وفوقها ريشة؛ بريستيج الحاج الجديد هههه، هذا ما نعته به شباب القرية كلّ ما مر به أحدهم قال : مبارك الحاج الجديد ....

جاء موعد لقاء زينب بشيخ الزاوية؛ جلس إلى جانبها قال :ما رأيك في ليلة عرسنا ؟ ابتسمت ...رااائعة يا الحاج، لم أكن أحلم بليلة كهذه...انتظري عزيزتي لتري الدلال؛ زينب تطلب من الخادمة أن تحضر لها كأس حليب ممزوج بالعسل، شيخ الزاوية يسألها : هل تحبين الحليب بالعسل؟ قالت : نعم؛ لكن بشرط أن أتقاسمه الليلة مع زوجي العزيز وتاج راسي، رد الشيخ: لا أنا لا أستطيع شربه لأن الطبيب منعه عني؛ زينب : اه؛ للأسف إذن لن أشربه الآن وهكذا لن أستطيع أن أنام أبدا، لأن الحليب والعسل كانت أمي رحمها الله تجبرني على شربه كل ليلة حتى أنام لمدة أسبوع، تعجب الشيخ من كلام زينب؛ تنامين لمدة أسبوع؟ لماذا ؟...تجيبه : أعاني من انفصام في شخصيتي أصبح أحيانا عدوانية وأقوم بحمل الخنجر دائما معي؛ لو تفتش في حقائبي ستجد واحدا؛ في احدى المرات كان والدي نائما فلما استيقظ وجدني على وشك ذبحه، لم يجد الحاج ابراهيم ما يقوله فقام مهرولا؛ ينادي أبناءه وأحفاده، قوموا باستدعاء والد زينب الآن من أجل اصطحابها لبيتها، لكن زينب فكرت في أمر آخر؛ الاشاعات التي سيقوم النسوة بتوسيع نطاقها في القرية.

زينب تعود ليلة عرسها لبيت أبيها، أول من سيتأذى هو والدها، قالت لا اسمعني جيدا يا الحاج ابراهيم الآن فقط أحس بدوار وأظن أن حالة الانفصام ستزورني هذه اللحظة؛ وسألجأ إلى البحث عن خنجري، كما أظن أني أحمله في طيات ثوبي...لالا أظنني وضعته تحت وسادتك قبل أن تدخل الغرفة...لالا أظنني وضعته داخل حذائي ...أوووف مالذي يحدث لي، يا الحاج أين تضع أوراق ملكية البيت الكبير؟ اه وجدت الخنجر، اسمع لست مجنونة فقط هي حالة مؤقتة استطيع خلالها ذبح ثور وليس رجل؛ أغلقت زينب الباب باحكام وأمرت الشيخ أن يخرج ملكية البيت وأن يبصم تحت عبارة ...قد ملكت زينب هذا البيت وأنا في كامل قواي العقلية...بينما الملكية انتقلت إلى زينب تحت وقع تهديد الخنجر الذي راحت تسنه مرة تلوى الأخرى على حافة نافذة الغرفة.

بزغت الشمس و خرجت زينب للجميع بابتسامة ماكرة؛ أين أبي ألم تقوموا باستدعائه كما أمركم شيخ الزاوية؟ ، نطق أحد أبناء الشيخ ساخرا ، ما دمتي دخلتي البيت الكبير عليك أن تخضعي لقوانينه، والدك ذاك الرجل المهترئ الثياب لن يدخل بيتنا؛ أما أنت فعليك خدمة أبي وخدمة أبنائه أيضا.

قامت زينب برفع وثيقة الملكية أمام الجمع الغفير من أبناء وحفدة الحاج ابراهيم قالت : الآن الحاج ابراهيم وأبناؤه وأحفاده خدام لي ولأبي، هيا استدعوا سيدكم للمجيء إليّ وكانت تقصد أباها وقد تم فعلا التحاق والدها بها وامتلك بكيد ابنته ما فقده من سنوات بمكر شيخ الزاوية.

     انتهى    

الأستاذة نعيمة بوزوادة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق