السبت، 2 يناير 2021

حليمة تلعب بقلم // علي غالب الترهوني

 حليمه تلعب 

__________


أول مره أرى صورتها في كتاب المطالعة في السنه الثانيه ابتدائي ترتدي تنوره قصير وقميص أزرق بنصف أكمام وجوربين من الحرير الأبيض ونعلين اسودين يشدهما حزام بعرض ثلاثة سنتيمترات لساقين نحلين. وقد ارتدت قبعة من الجلد كشفت عن ظفيرتين في ذيلهما وردتين حمراوين من كاتان .صورة مثاليه لطفلة تحمل حقيبتها وتذهب للمدرسه كل صباح مجتازة الازقه الضيقة ذات الأبواب المشرعه على بعضها كأنها تعيش نفس واحد طيلة الوقت وفي الصفحه الرابعه من الكتاب تذخل حليمه على شارع فسيح يفضي إلى باحة كأنها مكان للصلاة على الشهداء تحيط بالباحة أعمدة النور التى لازالت تجاهد بضوء خافت لأن الشمس سيشرق عما قريب فيما تبدو المحال على وشك الشروع في استقبال الزبائن كما بدى في الصفحة الخامسه .إذ أزاح تاجر بدين ظلفتي الباب كشف ذلك عن بضاعة كثيره يحتاجها الناس .كنا نتصفح الكتاب ونتابع حليمه التي توغلت في الطريق وعند كل شارة ضوئية ثمة شرطي بكامل اناقته يفسح الطريق أمام الماره وخصوصا الأطفال وبالنسبة لي كنت مرتاحا لأن حليمه لن تتعرض لمكروه لأن الشرطه في خدمة الاطفال .

بعد أن توارت حليمه ودخلت زقاق قريب من المدرسه التقت مع الحاوي كان رجل مسن يرتدي ثياب بيضاء وقبعة من السعف  وينفخ في بوق صغير له صوت مثل شارة الالتحام للكشافة المرابطين ..كان الرجل يستقبل الأطفال بالألعاب ويطلق بالونات حمراء وزرقاء ثم يلحقها بأخريات أقل حجما  بألوان بيضاء وخضراء. كانت حليمه تلعب قبل أن تدخل المدرسه .الحاوي مشى وحليمه مشت وراء الحاوى حتى توارت عن ناظرينا ولم نعد نراها حتى وصلنا إلى الصفحه السابعه .وكنا نحن نلعب أيضا نذهب للغيط وندلق الماء على الارض نصنع من الطين مدن أسطورية .شوارع مليئة بالخيرات .أناس يتزاحمون في زاوية ما .طفل يبكي وامرأة تمتشق سلاحا .اسراب نمل تخترق المملكة بقطار طويل وطويل .رأيناه يخرق جبل في المنتصف .سيجنا المملكة باحجار الوادي وصنعنا خرقة خضراء وقلنا أنها الراية ولا شئ غيرها .وفي المساء نعود إلى بيوتنا ونترك المملكة في رعاية الله .أما حليمه فقد ضاعت وراء الحاوي الذي لم ينتبه لها اتخذت ركنا عند مفرق البريد وراحت تبكي .كان الشرطي بالجوار .قال الأستاذ وهو يرفع الكتاب بيده اليمنى لنرى صورته كما بدت في الصفحة التاسعه .الحمد لله هكذا رددنا بصوت واحد .أخذ الشرطي حليمه إلى البيت بسلام .أما أنا حين عدت إلى بيتي مزقت كتاب المطالعة لأنه لا يتكلم عني وأنا ابن القريه .دخلت أمي وهي تضرب كفا بكف كأنها خططة لزواجي من حليمه دون أن أدرى وراحت تجمع أوراق الكتاب بين دفتيه لكنها أجادت حين وضعت صورة الشرطي في الصفحة الأولي وصورة حليمه آخر الكتاب .فادركت أننا لا نتعلم الا ما تريده الدوله ولا نستطيع أن نجتهد .....

_______

على غالب الترهوني 

بقلمي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق