ليلة في عالم مجهول
محمد توفيق ممدوح الرفاعي
على غير هدى ولا ادري إلى أين أسير في دربي المظلم الطويل الذي ضاعت معالمه بسبب الضباب الكثيف الذي غلفه واصبح لونه كلون الدخان المنبعث من مداخن المعامل فأحاول أن أتلمس الجدران المخفية علني اجد ضالتي المفقودة التي ضاعت مني ملامحها ولم اعد ادري أحقيقة هي ام خيال وحلال هي ام حرام لقد ضاعت مني كل الملامح ولا ادري أين أنا وأصبحت كالأوهام الداكنة , ابحث عن ذاكرتي أتلمس حيث لا ادري أين أجدها بحثت عنها في جيوب بنطالي وقميصي هل سقطت مني أو سرقت او لازالت ضمن أشيائي لا ادري ان كنت امتلك ذاكرة ام اني أتوهم حاولت الاتصال بعقلي كي اسأله ولكن للأسف كانت كل الخطوط متوقفة لعدم وجود الرصيد الكافي من الوعي لسبب بسيط هو إنني أصبحت لا أدرك الحقيقة علما إنني تساءلت كثيرا عن معنى الحقيقة فلم اجد من يسعفني في الوصول اليها او معرفة ماهيتها او هل أنا اجهلها او أنها غير موجودة فعلا او ضاعت معالمها كغيرها من الكثير من الأمور او هي مجرد أوهاما تهنا في سراديبها , تابعت المسير أترنح تارة كسكير اسرف في الشراب أتمايل يمنة ويسرى اسقط أرضا أحاول الوقوف لأركض او أهرول ثم أتوقف كمن مسه مس من الجن حتى عدت لا أدري هل أنا في ثنايا الموت تتقاذفي تياراته ام مازلت حيا أعيش كالأحياء الأموات الذين فقدوا التمييز بين الموت والحياة حتى بات الأمر سيان فقد تساويا في المصير وجميعهم فقدوا الإحساس وتعطلت لديهم جميع أجهزة الاستشعار فتلاحقني أشباح غربتي البائسة ويصم أذاني صراخ الأطفال المتناثرة كحصى الحجارة المتكسرة ونحيب النساء المتشحات بالسواد الذي يصل إلى عنان السماء وقد تجمعن حول بقع سوداء وحمراء وأخرى ذات الوان داكنة وقد خرجت من تحت الأرض أياد أشخاص مشوهة تحوم حولها طيور جارحة تحاول التهامها أحاول الهروب فتتهاوى قدماي فلا تسعفاني وسط استغاثات النساء كي أساعدهن في كبح جماح تلك الجوارح , استجمع قواي الخائرة أتابع المسير كجندي فر من المعركة خوفا من الموت المحقق لأرى أضواء ملونة خافتة تشق الضباب وسط أصوات قهقهات نساء الحانات وموسيقى صاخبة ممتزجة بعربدة السكارى الذين اصبحوا كالحيوانات المجترة وبين الفينة والأخرى يخرج رجال أشبه برعاة البقر يرمين احد السكارى وقد تمزقت ثيابه وازرق لونه من الضرب المبرح يرمينه تحت أقدام الغانيات ليطأنه وهن يرقصن فوقه وقد وصلت ضحكاتهم عنان السماء وفيما أنا كذلك تمر بقربي عربات كثيرة محملة بصناديق المال التي لا تعد ولاتحصى يجرها رجال تشوهت معالمهم رغم لباسهم الأنيق ورائحة العطور الفواحة تتقدمهم نساء راقصات ذوات قرون وأظافر طويلة وقد أمسكت كل واحدة منهن بحبل قد لف حول رقبة احد الرجال تسحبه به , ومن خلف العربات هناك يسير رجال يصرخون بمن يجرون العربات كلما تمهلوا بالمسير ومن خلفهم رجال أخرون وقد امتطوا الخيول المسرجة يلبسون زيا اسودا طويلا وقد اعتمروا بقبعات سوداء خرجت من تحتها جدائل شعر طويلة وهم يتمتمون بكلمات غير مفهومة وفي أيديهم سياطا طويلة يجلدون فيها كل من تقاعس في المسير , وفيما أنا مذهولا مما رأيت وأحاول متابعة الطريق فإذا أنا قد وصلت إلى أبواب مدينة منارة بأنوار جميلة وزينة ملونة يسمع منها أصوات الصخب والضجيج وأصوات الموسيقى وقرع الطبول كانه يوم احتفال او كرنفال جميل وأمام أبوابها يتزاحم الكثيرون للدخول اليها وما أن يطاؤا الباب حتى تتلقفهم كلاليب جبارة وتسحبهم إلى مكان مجهول وبدافع الفضول حاولت التقدم لأعرف مصير هؤلاء وسر تلك المدينة المجهولة وبشكل مفاجئ ناداني عقلي الذي ظهر من حيث لا ادري قف عندك ولا تقترب وعد ادراجك من حيث أتيت ولا تخشى شيئا سنعود معا من جديد فلدينا الكثير مما يجب أن نفعله واستدرت لاعود فاذا بقوس قزح بالوان طيفه الجميل يتوسط السماء واستعدت ذاكرتي وتاكدت انه فعلا هناك الكثير لنفعله لنقضي على الشتات والضياع .
محمد توفيق ممدوح الرفاعي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق