قصة : عازف الناي
مسعود شاب أسمر الوجه سمرة طبيعية ، ثخين الجسم طويل مثل صفصافة ، مفتول العضلات مثل رياضي كمال الأجسام التي لم يمارسها ولم يعرف ماهيتها ، لأنه يعيش في الريف في الخمسينات من القرن الماضي ، حرفته الرعي ولا شيء يعرفه ، تلقى هذه الحرفة على أبيه الذي ظل يهيم على وجهه بالقطيع طوال النهار ولا يعود إلا مع الغروب شتاء وصيفا ، لا يعرف وقت (اضحية) ، وهو وقت يطبّقه الرعاة في الصيف بعد خروجهم صباحا باكر بالقطيع ، ثم يعودون حوالي العاشرة والنصف إلى الحادية عشرة ليبقى القطيع في الزريبة حتى قبيل العصر. يخرجون بالقطيع إلى ما بعد المغرب.
مسعود كان يصاحب قصبته التي برع في العزف عليها ، يضعها في جرابه الذي كان يعلقه على كتفه اليمين ، ولما تنتشر الغنم ، يلتفت إليها مودّعا فيها كل آهاته التي يرسلها مع الأنغام الحزينة تعبّر عن ما يكابده من شظف العيش والحرمان ، حتى غنمه أصبحت تفهمه ، لما تنطلق من فيه وبأصابعه السحرية تلك الألحان ، تحط الأغنام رؤوسها وتبدأ في قضم الحشائش والشجر والألحان تملأ أذانها.
كانت حالة أسرته مثل أي أسرة جزائرية في ذلك الوقت ، الفقر و شظف العيش والحرمان والجهل والبطالة ، هذه الآفات تحالفت مع بعضها لتقف صفا أمام الجزائريين في الريف والقرى والبادية وحتى المدن.
عائلة المسعود لم تجد ما تقتات به ، هاجرت موطنها إلى الأراضي الخصبة التي يملكها المعمّرون في الهضاب العليا ، هناك وجدت عمل عند أحد السكان الذي يملك قطيعا من الغنم ، أصبح مسعود راعيا وأبوه يعمل عند المعمّر في الأراضي الزراعية وفي العشية يعود ببعض حبات البطاطس التي أصيبت أثناء الجني فترمى في القمامة وعند رميها يأخذها أبو مسعود إلى أسرته لتصنع منها مرقة مع كسرة الشعير التي طحنت بطاحونة يدوية أو بضرب السنابل بالعصي مثل الدرس بالخيول ، حيث أقام خيمة على أطراف مزرعة المعمّر ، هذه الخيمة الممزقة والتي أصبحت خرقا بالية تشدّ إلى بعضها بعض بالخيط الخشن ، كانت لا تبعد عنهم البرد ولا المطر ، حيث يلجأ أبو مسعود إلى تدكينها بشتى النبتات وأغصان الأشجار حتى تصبح مأوى يوقيهم البرد والمطر وقت الشتاء.
كان مسعود ينهض باكرا ينتقل بالقطيع إلى رؤوس الجبال وكان يحمل معه في جرابه قطعا من خبز الشعير وقصبته التي لا تفارق جرابه وشنة ماء على يساره ، وعندما يجلس ويتفرّق القطيع أمام ناظريه يُخرج قصبته ويضعها على فمه ويبدأ في النفخ وتحريك أصابعه وفق ألحان معينة ، ينطلق ذلك الصوت الجميل تتجاوب معه الجبال والوهاد لتحكي قصة شعب مازال يرزح تحت نير الاستعمار ، يريد التحرر من قيوده التي أدمت يديه وقلبه ، مثله مثل نائم ، نهض من رقاده يتمايل مثل سكران ، يحاول أن يتماسك وأن يسند طوله .
يظل مسعود ينفخ في قصبته ويحرك أصابعه وعيناه لا تغفلان عن القطيع ، حتى هذا الأخير لما تصدح القصبة تحط كل شاة رأسها وتقضم النبات وهي مستمتعة بآهات راعيها ، وعندما تميل الشمس إلى المغيب ، يختفي صوت القصبة ، عندها ترفع الغنم رؤوسها وتصطف عائدة إلى زريبتها ولما تصل يكون الليل قد أسدل ستاره على القرية ، لا تسمع حسا ولا حركة مشي ، كلهم يأوون إلى مساكينهم بعد يوم شقاء وتعب مضن.
هكذا تمر الأيام على مسعود لا يعرف التوقف لا عطلة لديه ولا عيد ولا أي شيء ، لقد كان نهاره في الجبال والبطاح والوديان وليله في جانب من خيمة يداعب قصبته بأنامله السحرية فتخرج أعذب الألحان الحزينة والشجية في نفس الوقت. لا يعرف الأخبار إلا من زملائه الرعاة الذين ينقلون إليه نتفا قليلة من أخبار يروّجها بعض أذناب الاستعمار الذين يبثون الدعايات المثبّطة للعزائم ليبقى الحال على حاله حتى يأذن الله بزواله .
هذه الأخبار فتحت عيني مسعود وتركته يفكّر في حال أسرته التي تكد ليلا ونهارا لتوفر عيشا بسيطا لها ، أبوه من الصباح حتى المساء وهو منكب على الأرض ، أرض مسيو (فالمينو) لا يتكلم لغتنا ولا يعرف عاداتنا ولا لونه يشبه لوننا إنه أبيض وفي صحة جيّدة و عيونه زرقاء مثل السماء وشعره أصفر ، لكنه يملك مزرعة من أين جاءته؟ لم أهل المنطقة لا يملكون مثله؟ إنهم عمّال عنده يتحكم في كل شيء حتى في أرزاق العباد هو الذي إن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم ، عماله في المساء لما يغادرون المزرعة يخضعون إلى تفتيش جيوبهم حتى لا يسرقون حبة بطاطس.
بقي مسعود يفكّر ويفكر ، لكن عقله لم يهده إلى إجابات تشفي غليله... أحد الرعاة جاءه بخبر سمعه من مستخدمه ، هذا الخبر طرب له مسعود وراح ينفخ في قصبته ويتلاعب بأصابعه لتخرج ألحانا حزينة تحرق الأكباد ، ثم يرميها بعيدة عنه عندما يتذكر ذلك الخبر ، يتمنى أن يلتقي بهم في يوم من الأيام عسى أن يضموه إليهم ليتحرّر من هذه الحالة البئيسة ، إنهم الثوار المجاهدون الذين يسكنون الجبال ويقومون بضربات العدو.
عاد يومها مسعود إلى خيمتهم وهو صامت يفكّر ، أمه أنكرت صمته وسألته مابه؟ قال لها : تعبان من الجري وراء الغنم ، قالت له : أنت كل يوم تجري وراءها ولم تتعب مثل اليوم ، ولما وصل أبوه أخبرته الأم بحالة مسعود ، سأله الأب : مابك يامسعود؟ قال مسعود : يا أبي أريد أن أصعد إلى الجبل؟ ضحك الأب وقال :كل يوم تصعد إليه وتعود. قال مسعود : أريد أن أكون مع المجاهدين أسرع الأب بغلق فم مسعود حتى كاد يخنقه ، ارتجف مسعود من حركة أبيه ونزع يد أبيه من على فمه وهو يقول : لم أغلقت فمي؟
قال الأب بصوت خافت : يا مسعود هذا كلام خطير ونحن فقراء بائسون لا ينبغي أن تتحدث به إلى أي أحد حتى أمك ، لأنه كلام يكون مصيره الموت أوالسجن.
قال مسعود : متى نرفع أصواتنا ونطالب بحقنا في المعيشة الكريمة؟ يا أبي منذ سنين وأنا أفكر في حالتنا ونقارن بين هؤلاء وبيننا أجد حياتنا لا معنى لها يطبعها الفقر والشقاء والتعاسة نحن نعاني البرد في الشتاء في هذه الخيمة والجوع والعرى ، وهم يتمتعون بكل شيء ، السعادة ترفرف عليهم ونحن أصحاب البلاد في الشقاء نتقلب.
قال الأب : من أين لك هذا الكلام؟ وأنت تظل مع الغنم؟
ردّ مسعود : من كثرة تفكيري في حياتنا ومقارنتها مع حياتهم توصلت إلى هذا الأمر.
قال له بصوت حزين : يا بنيّ حذار أن يسمع أحد هذا الكلام من فمك . قال ذلك وخرج حتى لا يسمع كلاما جديدا يؤلمه ، هو حاسّ بكل شيء ، إنه كل يوم مع العمال يتعرّضون إلى التهديد بطردهم ، خاصة هذه الأيام التي قيل: إن الثورة بدأت في الأوراس
وبدا أثارها عندنا ، صاحب المزرعة أصبح لا يظهر كثيرا هو وأولاده ، بدأت مظاهر الحراسة تتشدّد على الأبواب ، وسرى في العمال حديث سري أنّ المجاهدين يطرقون الأبواب ليلا يطلبون من السكان المؤونة والتجنيد وأخاف أن الخبر وصل إلى مسعود.
الخبر وصل إلى مسعود عن طريق الرعاة الذين يتدخلون مع مستخدميهم في كل شيء حتى وصل إلى خبر المجاهدين ، أحد أصحاب القطيع حذّر راعيه من التوغل بعيد في الجبل حتى لا يتصل بالمجاهدين ولا يريد أن يحتك بهم لأنهم سيطلبون منه أن يتصل بمعارفه وأصحابه وقد يصل بهم الأمر أن يجنّدوه معهم ويبقى قطيعه بدون راع ، هذا الكلام نُقل إلى مسعود الذي كان يتمنى أن يلتقي بهم ويطلبون منه أيّ شيء.
دار العام على بدء الثورة التي اكتسحت الوطن كاملا حتى وصلت إلى أقصى نقطة في الجنوب الذي لم تخمد ثوراته إلا في الربع الأول من القرن العشرين .
عرفت المنطقة التي يسكن فيها مسعود عدة عملية ثورية استهدفت الثكنة العسكرية وبعض أملاك المعمّرين الذين أصبحوا مثل الفئران التي حام حولها القطط ، فهي تمكث في جحورها ولا تخرج إلا في أوقات معيّنة .
كان مسعود قد اتصل بخيط يربطه بالمجاهدين الذين طلبوا منه الانضمام ، لكن بشرط أن يتحصل على بندقية ،
احتار مسعود من أين يتحصل عليها؟ لا يملك ثمنها وحتى لو عنده الدراهم من أين يشتريها؟ بقي يفكّر ، من الأشخاص الذين يملكون البندقية ؟ لم يجد من معارفه أو من جيرانه من يحوز عليها إلا واحدا وكيف يصل إليها؟ وهي في بيته المحصن إنه المعمّر صاحب المزرعة.
حاول مسعود أن يعرف أخبارا عن صاحب المزرعة ، لكن الخوف أخرس الألسن عن الكلام ، مسعود لم ييأس أبدا واستمر في شمّ الأخبار واستقصاء المعلومات حتى وصل إلى أحد العمال المكلف بعلف الحيوانات التي يملكها صاحب المزرعة والذي يخرج الأبقار إلى الوادي لتشرب، هناك التقى به لأنّ مسعود لم يكن يأتي بقطيعه إلا بعد الظهر وقبيل العصر ، لكن في هذا اليوم جاء مبكرا فالتقى بالعامل الذي عرّفه بنفسه ، وعاد كل يوم يلتقيان ويتجاذبان الحديث ، كان العامل اسمه عيسى في سنّ مسعود متذمرا من معاملة صاحب المزرعة له ، حاقدا عليه لا يعطيه حقه كاملا ، كان يبيت في كوخ بجانب اسطبل الحيوانات وبعد قيام الثورة أخذ منه مفتاح الكوخ وطلب منه أن يبحث عن سكن خارج المزرعة.
دأب مسعود على اللقاء بعيسى في الوادي وقد يأتيه بالغداء وحليب الماعز والجبن الذي يعمله مسعود من الحليب ويضعه في شكوة صغيرة تسمى في لغة الرعاة عكّة ، هذه الأعمال جعلت عيسى يرتاح لـ مسعود ويعطيه كل أخبار صاحب المزرعة ، لأن عيسى كان يدخل إلى البيت ليحمل ما جاء به صاحب المزرعة من السوق وقد يساعد الشغالة في أمور المطبخ لما تكون وليمة عند صاحب المزرعة.
استغل مسعود هذه الأخبار لينفذ خطته التي يحصل بها على البندقية التي قال له عيسى عنها : إنها وراء الباب معلقة ولما سأله أيّ باب ؟ قال : الباب الذي ندخل منه إلى البيت ، رآها كم من مرات معلقة وبجانبها حزام الخراطيش لتكون في مستهل يده إذا حدث شيء ما.
ومرّة سأله هل يمكن للإنسان أن يدخل البيت دون أن يراه أحد؟ أجاب عيسى : مستحيل ذلك لأن الوصول إلى باب البيت لا يمكن ذلك دون أن يراك أحد !
قال مسعود : وماذا يفعل حتى لا يراه أحد؟
أجاب عيسى : في هذه الحالة يمكن أن يشغل سكان البيت بأمر جلل.
قال مسعود : وما هو هذا الأمر؟
أجاب عيسى : والله لا أعرف ، لكي لا يراه أحد يجب أن يكون سكان البيت خارج المزرعة.
قال مسعود : ومتى يكونون خارج البيت؟
أجاب عيسى : لا أعلم ، لكن حتى ولو خرجوا يبقى الخدم في البيت.
قال مسعود : الخدم لا يعملون شيئا وإنما الخوف من أصحاب البيت.
وافترق مسعود عن عيسى حتى لا يراهم أحد ، مسعود ساق غنمه بعد أن ارتوت وصعد بها مرتفعا تظهر من خلاله المزرعة وقد أحاطت بها الأسلاك الشائكة وحولها حقول القمح والشعير وقد بدأت سنابلها تلمع في ضوء الشمس ، كان الوقت أول الصيف فالشعير نضج وبدأ يصفرّ والقمح بدأ يسودّ قد أصبح فريكا ، كان مسعود جالسا على صخرة وبيده قصبته التي أراد أن يتجول بها في ربوع الوطن من خلال الألحان التي أجاد عزفها عن جدارة ، لكن انبساط الحقول و كثرة غلتها التي ستذهب إلى جيب المعمر ومخازنه ، بينما أصحاب الأ راضي الحقيقيين يتضورون جوعا
ويلتقطون السنابل المتساقطة أثناء الحصاد والنقل ليسكتوا جوعهم ، يالها من مهانة !! جعلت مسعود يرمي قصبته بعيدا ويفكّر في قضية البندقية التي في بيت صاحب المزرعة وكيف السبيل إلى أخذها لتكون جواز عبور إلى المجاهدين.
هذه الحقول المترامية الأطراف عود كبريت كفيل بحرقها وتحويلها إلى رماد تذروه الرياح ، هنا لمعت هذه الفكرة في عقله حرق الحقول والمزرعة كفيل بإتمام العملية دون أن يراه أحد لأنهم يكونون في حالة اشتغال بإطفاء النار التي أشعلها في الحقل.
ارتاح مسعود لهذه الفكرة وعزم على تنفيذها إذا توفّرت الأسباب أن يكون هناك ريح تساعد على انتشار النار بسرعة قبل إطفائها
والبدء يكون في مخازن العلف حيث أكوام التبن والعشب الجاف ومن مخازن العلف تنتقل النار إلى الحقول.
التقى مسعود بـ عيسى في الوادي جلسا يتحدثان حديثا بعيدا عن المزرعة وأهلها ، كان حديثهما يدور حو الكفاح الثوري الذي دخل عامه الثاني ، وكان يشتد عوده كلما مرّت الأيام والأشهر ، يزداد ضراوة وقوة ، وجنّ جنون القادة الفرنسيين عندما التف الشعب حول الثورة وأمدّها بكل ما تحتاجه من رجال ومال ومؤونة ومعلومات لوجيستكية حو ل تحركات العدو ، وكانت ضربات الفدائيين في المدن هي القشة التي قصمت ظهر البعير وجعلته في حالة هياج وغضب.
عاد مسعود إلى خيمته ، وكله هدوء وطمأنينة ، كانت ليلة هادئة نسمات من الهواء البحري تهبّ حاملة برودة لذيذة وطراوة في هذه الأيام قد اشتدت الحرارة في النهار ، وبدأت سنابل الشعير تخفض رؤوسها منحنية من كثرة الحب وغلاظتها وأصفرت حتى أصبحت مثل الذهب تلمع في أشعة الشمس.
قرّر مسعود تنفيذ خطته بعد أن تواعد مع عيسى لكي يقوده إلى مكان البندقية ، تناول عشاءه بشهية كان طبقا من الكسكس باللبن الذي كانت الأم تجمّعه ثم تمخضه وتنزع زبدته ، أكل منه كثيرا حتى شبع ، ثم خرج ، ناداه أبوه إلى أين يا مسعود؟ ردّ مسعود : أتجوّل قريبا من الخيمة ، لا ابتعد كثيرا
جلس مسعود يفكّر ، كان قد اختلس أعودا من الكبريت وعلبة كان قد خبّأها منذ عدة أيام
انطلق بحذر نحو المزرعة حتى قرب منها ، راح يتسمّع فلا يسمع شيئا ، اقترب من مخازن العلف ، كانت بقايا التبن والكلأ الجاف تتكسر تحت قدميه الضخمتين فيسمع لها حسّا يطربه مثل موسيقى ، نزل بجسمه الفارع وبد أ يجمعها حتى جمع قبضتين من القش وانتحى ملتصقا بالجدار ومن كوة صغيرة أشعل الكبريت ةقربه من القش فاشتعلت النار ورمى بها من الكوة على مرتين ، انتظر قليلا حتى سرت النار في بقايا التبن ، ثم بدأت ألسنة النار تمتد إلى أكوام التبن والكلأ الجاف ، ابتعد مسعود عن المكان مراقبا الحركات ولما اندلعت النيران وأضاءت ما حولها ، كثر الصياح في المزرعة وهبّ الجميع لإخماد النار وإنقاذ الحيوانات واختلط النابل بالحابل ، وجد مسعو د الفرصة وتلثم بشاشه ودخل معهم وكان عيسى قد انتبه إلى الحريق وجاء بسرعة ، حيث التقى بمسعود ولم يعرفه لكن مسعود أشار إليه فانتبه عيسى وعرفه ، وفي هذه الفوضى تسلل عيسى بمسعود وانطلقا سريعا إلى البيت فوجده فارغا ونظر وراء الباب وجد العروس وحزامها فأخذها ووضعها في كيس كان قد أتى به ليطفئ النار.
أخذ مسعود الكيس من عيسى وانطلق خارج المزرعة يعد و مثل حصان انطلق من عقاله وهو يضم كنزه الغالي وقبل خرجه من حقل الشعير ، أشعل الكبريت في كومة عشب ورماها في وسط الحقل ، سرعان ماو جدت النار السنابل المنحنية بشراشفها فاندلعت النار في الحقل وراحت ألسنتها تلتهم السنابل والحب وزادها اتساعا نسمات الهواء تداعبها ، كان مسعود قد ابتعد وتوغل في الغابة القريبة ، ومن الغابة وصل إلى سفح الجبل وراح يصعد رويدا رويد حتى سمع صوتا ينادي : قف ! الكلمة قال : عازف الناي ، سمع الصوت يرحب به أهلا وسهلا بالبطل ، انظر وراءك ماذا تركت؟ التفت بعد أن صعد إلى المرتفع ، رأى النار مشتعلة في كل مكان حقول الشعير والقمح تعربد فيهم النار وتتركه سوادا في سواد ، كانت ليلة كبيرة لم يذق السكان لحظة نوم خوفا من الانتقام ، هبو إلى الحقول ، لكن النار لم تترك سنبلة واقفة ، ومن الجبل ، كان مسعود يتجول بقصباته في ربوع الوطن بألحان حزينة من الصحراوي إلى الشاوي إلى القبائلي ، لقد كانت ليلة زفاف عازف الناي إلى عروسته البندقية.
لخضر توامة // الجزائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق