قصة قصيرة I سمكة سابحة في الهواء
كانت قصة عبثية استغرقت من حياتنا وقتا ضائعا ؛ استهلك من حياتنا في لغو فارغ : كنت قد عَرفت قصتهم من مصدرها نفسه ؛ حين إشتعلت الحرب بين الشاعر المشهور والقاص المجيد فجأة . وقد رواها ليٌ القاص بحكم صداقتنا وقد سمعتها أيضاً من الشاعر ولكن برواية أخري ؛ حين وسطني هو في إنهاء حرب التلاسن بينهما ؛ بعد أن إنتقلت إلي ساحات القضاء ومنتديات النميمة ؛ بعد أن سب القاص : الشاعر بأنه دعي“ قواد “ .
وقد أراني “ القاص” ما يؤكد صدق روايته التي كانت “السيدة المهاجرة “هي مصدر التفاصيل التي إستعان بها القاص في سب الشاعر ووصفه بالقواد ؛ بعدما كان الشاعر قد بدأ مسلسل الحماقات ووصف السيدة المهاجرة في ديوانه “ العاهرة “ بأنها كانت :
"عاهرة بائسة ماتت مشردة ؛ خائنة وطنها " .
وقد وصف القاص أيضاً في هذا الديوان بأنه : " لم يكن إلا مغفلاً أبدياً قد لوت عنقه وأخلاقه العاهرة " .
ولكنه لم يذكر الأسماء المعنية ؛ فبقي حقه أمام القضاء محفوظاً بأنه المجني عليه وأن "القاص" هو الجاني المُشهر به .
زرت "القاص" في منزله ؛ حيث كان مازال يعيش وحيداً وقد قص عليٌ قصتهم ؛ ثلاثتهم وكيف بدأ التراشق بينه وبين "الشاعر" ورغم أنه مجني عليه فهو مهدد بحكم بعدما سب "الشاعر" ووصفه بالقواد الأقرع وحدد أسمه ومهنته التي سبه بها ؛ بناء علي قصة حياته مع السيدة المهاجرة . وقد قص علي القصة من البداية :
"كانت " خَرطة" جسمها غير مَسبوقة فيما سبق وخرط " خراط البنات " وقد حَافظت علي جمال خرطتها ؛ حتي بعد أن تخلصت من عذريتها ، وكانت "صَبٌة " روحها تَشع إشعاعا عَجيبا بقدرتها علي إستيلاب روح من يُخضع نفسه لها ، كانت في غير حاجة إلي خِبرات أو معلومات أي من أصدقائها أو صديقاتها ؛ فقد خَبرت الحياة بنفسها ومنذ طفولتها وبعد أن شبت في أسرتها التي فككها الأب ؛ عرفت كثيراً مما كان لا يجب أن تعرف وفي وقت قصير ، ومنذ أن قدمت إلي "القاهرة "من بلدتها في الجنوب ؛ كانت لا تُقيد نفسها : لا بموروث ولا بتقليد يقتل الروح ، وكان في مُعتقدها أن الأرض كلها هي مَوطن الإنسان ؛ وليس البُقعة التي ولد بها ولا البُقعة التي نشأ بها ولا الوطن الذي لا يُشبع الإنسان ؛ وكانت تقول بكل كيانها :
" الوطن حيث يجد الإنسان نفسه "مُشٌبَعا " وطالما أن الطبيعة ليست فقيرة ولكن حينما يكون الفقر حاضراً فلابد أن يرحل الإنسان ".
"كانت تصنع صداقاتها في أيام فتكون في متانة صداقات السينين الطويلة ؛ وكانت تعيش بكل كيانها تجاربها ، ولكن ما أن تنتهي فكأنها لم تعشها إلا لحظة أو كأنها لم تكن من الأساس لتبدأ غيرها . وكانت تنهي علاقاتها من طَرفها ، ولم تكن تسمح للطرف الآخر أن يكون هو مُنهي العلاقة ؛ فإذا ما انتهي الشخص بالنسبة لها لسبب من أسبابها ؛ فكأنه أصبح عدماً وأصبح أقل من أن يُري أو يُتذكر حتي ولو كان من مخالطيها في العمل . وما كانت تخشي ما يقال في عرف الناس أنه “ فضيحة “ فقد كان الناس في نظرها “ قَذافون “ بالطوب ليس لسبب إلا الأذي والقذف المعتاد .
لقد صنعت خبرتها في الحياة بنفسها ؛ ولم تَفِد من أحد بقدر إفادتها من نفسها ؛ فقد قَبض الثمن منها كل من إدعوا أنهم أساتذتها وكل الذين إشتروا منها نفسها مقابل بعض العطاء منهم لها . وحتي ضابط المخابرات العامة الذي سهل لها الهجرة ؛ لتعمل معهم كان قد قبض منها الثمن لنفسه وبشكل خاص ؛ رغم أن التفاهم المشترك كان أنها سوف تقدم خدماتها للوطن مباشرة " .
"كانت صدمتها الأولي التي أثرت فيها فعلاً والتي أفاقت علي وقعها حين أحبت “ قَواداً “ : وقعت في هوي شِعٌره ؛ فوقعت في هواه ، وحين بدأت تحس أنه بدأ التجارة بها لِحسابه بعد أن خًطبها للزواج؛ منها مباشرة ؛ لم تتمادي معه وفَسخت الخِطبة وقتلته من حياتها وكل أشباهه في الحياة .
وقررت من وقتها أنها لن تُسلم نفسها إلا برغبتها هي ؛ ولأجل إستمرار حياتها علي النحو الذي يسعدها " .
" كُنت محطة هادئة من مَحطات حياتها في الحياة ، وكانت هي “ قِطاراً “ جامحاً ؛ لم يتوقف عن التحرك بهدف وبغير هدف ، ولا يتوقف حتي لو رغب من عليه في التوقف ؛ ويتوقف في غير المحطات وعلي من يُريد النزول أن يقطع المسافة ما بين مكان النزول وأقرب محطة آمنة له ".
"كانت منذ الأيام الأولي لعملها معنا ؛ قد أصبحت صديقة عادية ؛ لم تقدم نفسها لأي منا علي أنها أنثي ولا حتي كأنها أنثي ، وكانت تتردد علي شقتي كلما عَنٌ لها ودون أن تخطرني وكأن الشقة بيت أخيها أو من تأمنه تماما ولا تتخوف من حماقاته وفي يوم أتت مبكرة علي غير عادتها في الزيارة التي كانت تحدث أحياناً وكانت هذه هي الزيارة التي غيرت حياتي بعدها فعلاً . سألتني ماذا تريد أن تأكل علي الغداء ؛ أريد أن أطبخ لك ؛ وقلت لها ما ترغبين ؛ قالت أتريد أن تنزل معي لنشتري لوازم الطبخ ؛ قلت لها : طبعاً سأنزل معك ؛ وخلال وقت شراء لوازم الطعام ؛ فقد كانت تتصرف بطبيعية وثقة وكأننا زوجان يشتريان لوازم بيتهما .
أعدت الطعام بمهارة وسرعة بينما كنت مشغولاً في قراءة أُتِمُها وأنا مُستلقي علي سريري بنفس ملابسي المعتادة للخروج ، ولما فرغنا من إلتهام الطعام وأخذنا في مسايرة الحديث كما كنا نفعل عادة ؛ فقد إقتربت مِني ؛ فلما لامستها خجلاً قبلتني وقالت : “ هل سيأتي أحد من أصدقاءك ليبيت عندك الليلة “ . فلما أجبتها بالنفي قالت : “ سأبيت هنا الليلة .. أريد أن أكون قريبة منك .. أنا محتاجاك ؛ أنت مناسب ليٌ جداً ".
- أنا مناسب لأني أنا أفضل من غيري ؟؟ .. ولا لأنك إكتشفت فعلا إني حقيقي وإني مناسب جداً لك ؛ علشان تعيشي معاه ؟؟
- بس مش عايزة أغير لك نظام حياتك مع إصحابك ؛ زي ما كنت ؛ وحتي وجودي معاك هنا ما تخليهوش يأثر علي عادتكم مع بعض . وكمان هما هيعتادوا وجودي ؛ ويمكن أكون واحدة من شلة الأصدقاء بحكم علاقتي بيك : أخشي علي نفسي أن يصيبني المَلل من الحياة وأخشي علي نفسي أن يصيبني الملل بأسرع من قدرتي علي الحركة ؛ فيكتفني الملل فأقدم علي الإنتحار ؛ لقد أتيت إليك اليوم لأني أخشي فعلا علي نفسي من الإقدام علي الإنتحار ؛ فقط لكي أكسر رتابة الحياة : هل أجد عندك متسع في حياتك لإستيعابي" ؟
- يا أهلا بك : عندي حصانة ضد الملل وضد الزهق وضد الجنون .
- لا تفسد حياتك بغير طبيعتها .
- لست مثلك : انا أعيش يوم بيوم ودون خطة مُسبقة لفعل أي شيء ؛ ما أجده في الحياة فهو صالح للحياة وصالح لحياتي .
- “ لا تكن مثلي ولن أكون مثلك ؛ وهكذا سنعيش معاً”
- دي أغرب حالة حُب بين إتنين .
- "إحنا هنعيش حالة مثالية ، أساسها التفاهم والإنسجام أعلي درجات الحب بين الأنثي والذكر" .
ثم إبتسمت فضحكت : “مش برضو إنت ذكر ؟”
- بحاول : وبحاول أكتر ما أكونش أنثي
- "أنت فاهم غلط . الأنثي أذكي من أنها تظهر قوتها كاملة ؛ لأن إظهار الضعف بيحقق ليها خضوع الذكر أكتر " .
- ولكن أنا غيور .
- "سأعطيك كل حقوق الذكر وكل حقوق الزوج ودون زواج : عايز إيه أكتر من كده ؟ ،، سوف نكون في حالة “ رَفق مثالي “ وكمان لن ألزمك بحالة عدم الرفق الإضافي ، ولكن بشرط أن تقول ليٌ ؛ لو حدث الملل أو لو حدث “ الزيغ العاطفي “ داخلك وقد شعرت به “ .
- عندما يعشق إثنان بعضهما : ما الذي يجب أن يحققه الرجل لإمرأته وما الذي يجب أن تقدمه له مقابل ذلك ؟
- "رباط الزواج يُعقد العلاقة بين الرجل والمرأة ؛ ولا يضمن أي حقوق أو إلتزامات لا للمرأة ولا للرجل " .
"العلاقة الناجحة تتم بالتفاهم" .
"الزواج فسد عندما أصبح “ وثيقة وكونتراتو “ .
عندما فرغت من جملتها الأميرة ؛ كانت وكأنها سحرتني فقد أصباتني رغبة في أكلها توا دون انتظار ؛ ولكنها لم تبادر بالقبول ؛ فصرت كأني أحبها من زمن ؛ بل صرت وكأني اعشقها وأحبها من طرف واحد ؛ وصرت كأني أتأملها كلها ؛ ومنذ وقعت عيناي عليها أول مرة ؛ وصرت وكأني أراها عذراء ؛ رغم تأكدي من أنها ليست عذراء .
لقد رأيتها أبهي ورأيتها بعينيها ؛ وكما رسمت هي لي تلك الرؤية :
وصرت أراها رغم جرأتها وتماديها في ما تظنه صوابا وفيما تُحبه ؛ صرت أراها عذراء في ليلة دخلتها وكأني سمعتها قالت ليٌ : ” بي خوف ".
' وكنت أظن أولا أنها تَهابني وتتخوف من إستسلامها ليٌ ؛ فقد أصبحت في نظري : صديقتي الحالمة بالشمس ؛ قبل ميلاد الشمس ؛ وكانت هي أيضاً الشمس الدافئة وكانت هي الشمس الحارقة وكانت هي الشمس التي طلبت مِني الدفء . و قلت لها وأنا بلا ثقة فيما أقول ولكن ؛ دون أن يظهر في صوتي ولا في ملامحي ولا في الطاقة المُشعة بالرغبة من جسدي ومن روحي أي أثر لعدم الثقة فيما سأقول : "ستأتي الشمس القمرية” ؛ ثقي ستأتي الشمس التي سوف ندخر دفئها لكل ليال البرد القادمة ، إرمي الأثقال عن نفسك وتخلصي من اللاوازم ؛ ستصفو بك روحك عن كل مشاعر الخوف ؛ وسوف تحبين وحدتك ؛ حتي تذوبي في مثلي ؛ كان ينتظر مرورك في مداره ؛ أطلقي روحك فسوف تعلو وتحيا ؛ لا خوف من العلو ؛ إذا ما تواصلت مع من تحبين بلا خوف ".
- "لا بداية ولا نهاية لرحلة الأرواح ؛ وكل في الُفلك يَسبحون مع من يتوافقون ؛ حتي يتزاوجوا ؛ كل شبيهين معا فيصيرا " طاقة كلية واحدة ؛ لا تنفد " . ولا نهاية لعطش الأجساد حتي ينهكها الموت ؛ فتفني في الموت" .
ثم فجأت تبدلت وكأنها لعوب محترفة وقالت ليٌ ضاحكة وقد تخلصت من خوفها الظاهر :
"لا تعبر علي جسدي ؛ لكي تعيش لحظة في حياتك ؛ ولا تشرب لوحدك ؛ وتخلص من وهم الذٌكر الأحمق بأنه هو من يفترس الأنثي وهو من يغزوها وهو من يقهرها . فإني أفكر جديا ؛ إن خذلتني فسوف أقتلك . أنت محطتي الأخيرة وأنا جد محطمة ".
بعدما أكلنا بعضنا أكثر من مرة وأسكرتني فعلا ودوختني وأجهدتني ؛ وهي لم تستكف من إشباعي مرة وراء مرة ؛ جلست علي الأرض في ركن شقتي الذي أحبه متأملها ومتأمل جسدها العاري ؛ جلست مستنداً بظهري إلي الحائط ؛ نَزلت إلي جواري وقالت إفرد رجليك وبعد أن دلكت قدماي وبطنهما قالت : مَدد رجليك أريد أن أسند رأسي عليهم ونامت علي الأرض مسترخية متوسدة أرجلي وقد بدأت في سرد قصة حياتها منذ مولدها ؛ وقد ملئت روايتها فجوات المعلومات التي لدي عنها واسترسلت طويلا ؛ حتي شَرعت في البكاء ؛ ثم اسٌترسلت ثم قطعت قَصُها بالبكاء وبمزيد من البكاء حتي توقفت من تلقاء نفسها عن البكاء والحكي ، وقد نامت وراحت في النوم وقد تركتها مستغرقا في تأمل روايتها وتعارفي بها ؛ ثم صداقتنا العادية ؛ ثم هذا اليوم العجيب الذي فاجئتني فيه هي بغزوها ليٌ فيه واستسلامي لها وكأنها كانت مشتهاة بالنسبة ليٌ وكنت أكتم إشتهائي لها تحت وقار الصداقة البريئة السخيف والذي أسقطته هي ؛ بمضاجعة جيدة لم أحظ بمثلها من قبل .
تأملتها وهي نائمة عارية فاتنة وكأني في حلم ، وتركتها نائمة وقد تَخَدٌرت أنا مثلها فنمت ، وأفاقت هي من نفسها وأنا مازلت في غفوتي وقد صحوت علي قُبلاتها في كل أجزاء جسمي وهي تقول بعدما أفقت مخدرا منها من جديد : "ماذا سنفعل الآن غير معاودة ممارسة الجنس لو أردت ؛ حتي يهلك أحدنا ؟! ".
"لم أخنها طوال عشرتنا معاً ، ولابد أنها كانت متأكدة أن هذا لن يحدث ، فقد تصرفت بثقة كاملة فيٌ وبثقة كاملة في تفاهمنا . وقد طالت معاشرتنا دون أن يَمل أحدنا ؛ ولكن فجأة لاح لها حلم الهِجرة الذي كانت تظن أنه محطة حتمية في حياتها ؛ لابد أن تتمها ؛ فهي حلقة قَدرُها التي لن يتم عمرها إلا بها وقد سافرت بعد أن يأست من أن أصحبها ؛ كانت حياتي هنا وكانت حياتها هناك كما رأت قدرها المرسوم ؛ وحين تأكد لها أني لن أصحبها في سفرها ، قالت ليٌ في إحدي المرات :
“ لنتصارح بما لم أقله لك من قبل ؛ طريقتك في الحياة لن تجعلك تصطاد دائما إلا سمكة نافقة أو من نوع لن تحبه ؛ أنت لا تغامر بالنزول إلي البحر بملابسك كاملة وقت اللزوم ووقت الصيد السَنح ووقت إنتظار الصيد ووقت إشتهاء الصيد " .
فلما رددت عليها حرصت علي أن أمرر لها أن طريقتي في الحياة هي ما جعلتها في شبكتي حتي الآن . فردت بغيظ وقالت مازلت ساذجاً ؛ لم أستمر معك إلا لأني : سمكة مُنهكة ؛ بعد أن عَافرت كثيراً في العمق وبعد أن داخت من الحياة في الأعماق الثقيلة الضغط " .
في إحدي رسائلها بعد أن هاجرت قالت تذكرني بإنتقادها لشخصيتي عموماً وقالت : "مازلت كما أنت تهاب الصيد " .
ولقد رددت عليها برسالة طويلة وقلت لها موبخاً :
“ سأبذل وافر الجهد لكي تظل الذكريات باقية وسأبذل ما أستطيع كي نحافظ علي الوجود في ذاكرتنا كما طالعناه أول مرة وسأفني عمري لكي تبقي الحياة قدر ما أستطيع أجمل . سوف أعيش لكي أخلد نفسي وأخلد عالمي ومدني وأصدقائي وأشيائي ورغباتي ونزواتي وجنوني وضعفي ؛ وسوف أفني عمري لكي تظل الأشياء باقية مذكورة .
وهي قد ردت هادئة ساخرة سخرية مُبطنة وقالت :
“ حاول أن تكون مثل الماء المتدفق ؛ إذا ما سُد أمامه المجري المعتاد ؛ شق لنفسه مجري آخر ؛ ليس بعيداً كثيراً عن المجري الأول . لا تذكر ماض جميل وذكري جميلة ؛ بل إصنع واقع جميل ؛ فُك كلامك وأنت بتكلمني وبلاش تعقد نفسك ولا تعقد كلامك ؛ خليك بسيط وعبر عن نفسك في لغة بسيطة ؛ ما أنتاش بتكتب أدب للجماهير ؛ إنت بتكلم “ رِفقتك “ إللي كُنت دايما عريان بلبوص قدامها " .
"أتذكرها الآن وقد أصبح لدي اليقين أنها كانت أكثر مني فهماً ونضجاً ؛ وأنها من المؤكد كانت تسمع مني ؛ مثل هذا الكلام وهي تضحك بشدة ؛ في داخلها مما أقول ؛ فعندما أتذكر الآن أقوالي لها ؛ أضحك وأضج بالضحك من سذاجتي ؛ وأتألم من سذاجتي ؛ فقد كانت تعلم هي وقتها مدي سذاجتي ؛ وربما كانت تسمع مني مثل هذا الكلام ؛ لأنها كانت تحب سذاجتي .
بعد أن هاجرت فقد ظلت لأعوام تراسلني وتحدثني تليفونيا من وقت لآخر ؛ وتكتب ليً عن حياتها وما لم أكن حاضره من حياتنا معاً ؛ كانت تتوقع أن أكتب عنها “رواية” وقد أرادت أن تحكم مَسار الرواية بتدفق حكاياتها وحضورها في حياتي الحالية وبكثرة المعلومات التي توفرها ليٌ عن حياتها بعد أن هاجرت واستقرت .
وكنت أري لسذاجتي أن تجربة الهجرة والهجر صعبة جداً علي الأنثي الوحيدة ولكني خبرت من مراسلاتها : أن المرأة أقوي علي القيام بالهجرة والهجر من الرجل وأن الحياة تتسع للأنثي بأكثر مما تتسع للذكر . كانت تصوب ليٌ حتي بعد بعادها الكثير من مفاهيمي ورؤيتي للأشياء ؛ وظل هذا عهدها حتي قُتلت .
عندما ورطها ضابط المخابرات الذي تلاعب بها وورطها معه في إحدي لعباته الخاصة ؛ كُنت من لجأت إليه لتشكو فقط ؛ ولكني أوصلت شكواها لمرؤوسيه ؛ فنجت من إبتزازه وفازت بالهجرة والتعاون المرضي لها مع محطة الجهاز في البلد الذي إستقرت فيه ؛ وقد حصلت علي الجنسية الأجنبية التي كانت ترغبها وتسعي إليها وتعتقد أن فيها الحماية لها من كل جور وغباء يحدث لنساء الشرق ؛ ولكن : كانت نهايتها وموتها في نفس المكان الذي تخيلت أن فيه آمانها .
كانت هذه ذكرياتي عنها التي بقيت ليٌ ؛ قبل أن تهاجر هي وتتزوج في مهجرها ؛ وحين قدمت عرضها ليُ بأن أصحبها في هجرتها ؛ ولكن منعني وقتها ظني بأنها هكذا تكون قد سلبتني قيادتي لها وسيطرتي عليها ؛ وأنها هكذا تكون هي قد ألغت ذكورتي بقيادتها ليً في رحلة الهجرة ؛ لأبقي حيث أنا هنا : أعاني لازلت من بعض سذاجتي التي لازال بها قدر كبير من توازني في الحياة . هي لم تكن بعيدة في البُعد حين هاجرت . ولم تكن في نظري عشيقة هَجرت ؛ ولكني دائما كنت أظن أنها “ سمكة سابحة في الهواء” وقد ظللت أتعامل معها حتي بعدما هَاجرت علي أنها سمكة سابحة في الهواء ".
قلت له : أنت صديقي وخِصمك صديقي ، وهو يريد طي صفحة الخلاف والماضي ؛ فالماضي مضي وهي ماتت وأنتم قد جٌرحتم بعضكم بما لم يكن ينبغي أن يَحدث ؛ وهو يُريد المصالحة : فهل أنت تُريد المصالحة ؟؟
قال نعم : " أريد المصالحة ؛ لكي ترقد فعلاً روحها في سلام ؛ فلأيام كثيرة كانت روحها حاضرة في هذه الشقة التي أمضت فيها سنوات قبل هجرتها وعاشت هنا . وقد زارتني كثيراً منذ أن تفَجر التراشق بيني وبينه وأنا أريد أن أوقف هذه العداوة التي إستباحت حرمة الموتي والتي حَرقت أجمل ذكرياتنا وأشعلت النيران فيما كان يجب علينا أن نصونه أنا وهو ؛ فقد إنطلقت نيران الخصومة المجنونة لتأكل الجميل من حياتنا ولم تُبق إلا الرماد الأسود وأسوأ الذكريات المتفحمة ".
محمد الصباغ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق