الاثنين، 29 مارس 2021

الذاكرة المسافرة بقلم // أنور ساطع أصفري

 الذاكرة المسافرة .

من مجموعتي القصصية " ندوبٌ على جدار الذاكرة " . 

.......................

بقلم الكاتب الاعلامي : 

أنور ساطع أصفري .

......................................


أمامَ مرآةٍ كالحةٍ وقفتُ أتأملُ نفسي ، عينانِ غائرتانِ ، وجهٌ شاحبٌ

شاخصٌ تنتشر فيهِ الأخاديد ، تنكّرتُ للخيالِ ، فأخذتُ أشتمهُ ، أضربهُ

بغضبٍ وإنتصار ، زادَ إنفعالي ، بصقتُ ، فسال الّلعابُ على المرآةِ ،

شكّلَ بقعةً إستطالت نحو الأسفل ، تراءى لي من خلالها ومن بعيد صورٌ

متتابعةٌ كأنها تلاحقني ، السماءُ تتقلّصُ ، القمرُ أخذَ شكلاً مُضلّعاً

فوضوياً ، أُناسٌ يعبدون الصخر .

وصلتُ عَبَرَ طريقٍ ضيّقةٍ وعرة ، في الوقتِ الذي كانت فيهِ الشمسُ تُخفي

آخرَ شعاعٍ من أشعتها الذهبية عن قريةِ " أُم الصخور " .

أحسستُ أنّي أشمُّ رائحةً غريبة ، لا أدري كيف صنّفتها بأنها رائحةٌ

شيخوخةٍ مقرفة ، هربَ الجميعُ مني حتى الأطفال ، صمتٌ غريبٌ يُخيّم

بعثرتهُ صرخةٌ قويةٌ تلاها قرعٌ مُرعبٍ للطبول مصحوبٌ برقصٍ جماعي مخيف .

تيبّست شفتاي ، تتفاقمُ حالتي ، تنحبسُ كلماتي ، قلت في نفسي :

- لماذا أرسلوني إلى هذه القرية مُشرفاً تربوياً ؟، كنتُ سأعزفُ لهم

لحناً جديداُ بقيثارةٍ لم يسمعوا عنها من قبل ، سأرزع فيهم حبَّ الياسمين

والبخور والسنابل .

الكلُّ أصبح يقتربُ مني وأنا أتراجع ، أصواتهم ترتفع ، صرخاتهم تدوي ،

أرتجفُ خوفاً ، يقتربون مني حتّى أحاطوا بي من كلِ صوب ، أصواتهم ترتفع

أكثر ، ثيابهم ممزقة ، لا مبالون ، مهترئون حتّى في أشكالهم ، أجسادهم

مصبوغةٌ بألوانٍ مختلفةٍ مختلطة ، لدرجةِ أنه لم يَعدْ بمقدوري تمييزَ

تقاسيم وجوههم .

بالقرب مني إنهالت عِدّةُ ربطاتٍ من عيدانِ الأشجار ، إنتابني الرعبُ

أكثر ، خبّأتُ وجهيَّ بين كفّيّ ، حفرتُ عميقاً في داخلي ، أنتزعُ

أفكاراً تطاردني ، وفي مُحاولةٍ لتهدئةِ نفسي تساءلتُ في داخلي :

- قد تكونَ هذه هي عادتهم في إستقبالِ الضيوف .

ولجَ من بينهم رجلٌ قبيحٌ ملوّنٌ ، غليظٌ بحركاتهِ ، يتصدّرُ وجههُ

شاربانِ غليظانِ كثّان ، إقتربَ مني ، إمتصّ شفتيه كطفلٍ يبتلعُ الكلماتَ

عنهما ، وقفَ يُتتمُ بطلاسمْ ، ظننتُها ترتيلاتُ قسيسٍ مخضّرمٍ في بهو

ديرٍ فارغ ، إقتربَ مني أكثر ، أشارَ إليّ ، سألني بوضوح :

كيفَ وصلتَ إلى قريةٍ لا يدخُلها الغرباء أيها الوغد ؟ .

تتشقّقُ جدرانَ ذاكرتي ، إستجمعتُ كلماتي ، قلتُ له بصوتٍ مرتجف :

- لقد أرسلوني لأساعدكمْ ، أنا لا أُريدُ أن أُصيبَ أحدكم بمكروه ، أنا

لستُ بسارقٍ أو قاتل ، أنا جئتُ ......

قاطعني بقهقهةٍ عاليةٍ صاخبة كشفتْ أسرارَ أسنانهِ الشبيهةِ بعيدانٍ

محترقةٍ في قاعِ تنّور ، صرخَ غاضباً :

إننا نعلّمُ صغارنا عُلومَ القتلِ ، خنقَ العصافيرِ ، قلعَ الأشجار من

جذورها ، حفرَ القبورِ وعبادةَ الصخر ، فهل هناكَ شيءٌ أكثرَ من هذا

تريدُ أن تربّي أولادنا عليهِ أيها النذلُ الغريب ؟ .

قلتُ بصوتٍ خافتٍ :

- نعم ، سأعلّمهم المحبةَ ، العشقَ ، زراعةَ الورودِ في كلِ مكان ،

سأعلّمهم الموسيقى ومناجاةَ القمر .

صمتَ طويلاً بعدَ أن أنهيتُ كلماتي ، تمتمَ بغضبٍ ، أشارَ بيدهِ اليمنى ،

إنتشرَ إيقاعٌ جديدٌ مصحوبٌ بزغاريدِ وأهازيجِ النساء ، كبّلوني ،

عَصَبوا عينيَّ بقطعةِ قُماشٍ نتنة ، جرّوني كأعمى في طريقٍ وعرةٍ ،

وقدماي تتقاذفان حجارةً عَبَرَ سيرنا إلى الأعلى .

حاولتُ أن أَقبضَ على ذرّاتِ ذاكرتي المهاجرة دون جدوى ، وتيقّنتُ أنّه

كما شقَّ موسى طريقاً لهُ في البحر ، عليَّ أن أشقَّ طريقي بينَ عُبّادِ

الصخر .

هناك، فكّوا وثاقَ يديَّ ، أزاحوا تلكَ القطعةِ المقرفَةِ عن عينيّ ، وإذ

بي في مكانٍ مرتفعٍ يحوطني خمسةَ عشر شاباً ، يتوسطهم رجلٌ مسنٌ ، سرعانَ

ما قال لي :

كي تجتازَ الإمتحان َ بنجاحٍ لمنحكَ شرفَ عضويةِ هذهِ القريةِ ، عليكَ أن

تنزِلَ مُسرعاً من أعلى الجبلِ إلى أسفله ، وهناكَ ستمكثُ في مغارةٍ

تجدها أمامكَ لفترةٍ نحددها نحن ، أسرع ، هيّا ، لا تتوقّف وإلاّ ....

يأتيني صوتُ الذاكرةِ من وراءِ الأفقِ البعيد ، يُحاصرني ، أهربُ ،

أتدحرجُ من الأعلى حيثُ تلقفتّني المغارةُ برائحتها العفنة ، إرتميتُ على

صخرةٍ ، وسرعانَ ما إكتشفتُ أنها جمرةٌ كبيرةٌ حُكِمَ عليها بالسجنِ

المؤبّد .

أُغلقَ بابُ المغارةِ بشدة ، الظلمةُ كثيفةٌ ، خانقةٌ ، الرطوبةُ تتسلّلُ

إلى شراييني وأحشائي ، تنسابُ كالدموعِ على جدرانِ المغارةِ الملساء .

يُحيطُ بيَّ الحزنُ ، يُحيلُ نوري إلى ظلمةٍ سرمدية ، صوتي يختلجُ ،

الليلُ يغفو كالجديلة ، أحاورهُ ، أسألهُ بلا أبجدية ، يُجيبني بصمت ٍ ،

أفتحُ حديقةَ الوجدان ، أشعرُ بطراوةِ الندى المزدهرِ في عمقِ الحروف "

آه لو أملكُ حياةً ثانية " ، أتخاذلُ ، أتهاوى ، تهزمني قهقاتُ الزمن .

تعصرني النداءاتُ التي أتلقّاها من معدتي ، في العمقِ لمحتُ هياكلَ أشجار

إقتربتُ منها فإذا هي متكلّسة ، إختبأت بين طيّاتها عصافيرٌ كثيرة ،

إنتابني شعورٌ بالأسى لأنها سجيبنةُ غربتها مثلي ، ففي الغربةِ كلُّ شيءٍ

غريبٌ وجديد ، فالشوارعُ لا تحفظُ وقعَ أقدامنا ، حتّى الجدرانُ لا تعقدَ

معنا صداقةً بسهولة ، مضغت شفتيَّ بنهمٍ ، أحاولُ السيطرةَ على النقمةِ

التي تملكتني ، بكيتُ ، بكيتُ طويلاً دونَ أن أحاولَ تجفيفَ دمعي بمنديلٍ

كنتُ أحملهُ ، بكيتُ والعصافيرُ تراقبني بإستغراب ، كنتُ عاجزاً عن كبتِ

حاجتي الطبيعيةِ  للبكاء ، بكيتُ إلى أن حسبتُ أن ألمي قد إستنفزَ كُلَّ

قطرةِ سائلٍ في جسدي ، وأنَّ الدموعَ أمستْ دما .

يَمرُّ الزمنُ ، ينتفضُ قلبي كطائرٍ يُدركُ ميعادَ ذبحه ، أعيشُ الصمتَ ،

الظلام والجوع ، لم أعدْ أُقاوم ، تناولتُ عصفوراً ، أغمضتُ عينيّ ،

أكلتهُ بريشهِ ، وبعظمهِ وبدمه ، كان لا بُدّ لي من أن أقتلَ عصفوراً

وأتناولهُ طعاماً ، غدا القتلُ عندي محبباً ، وأصبحتُ أتلذّذُ بهذا

المنظرِ اليومي ، أصبحتُ أتفننُ ، أنتفُ ريشهُ ، أملصُ رقبتهُ وأقطعُ

رجليه .

تأمّلتُ الثقوبَ المتناثرة والمنتشرةِ على جدرانِ المغارة ، إنطلقتْ من

أعماقي آهٌ قوية ، شردتُ بعيداً ، إنتبهتُ ، أصواتٌ تأتي من الخارج ،

الأصواتُ تقتربُ ، تقتربُ أكثر ، يُفتحُ بابُ المغارةِ ، أبوابٌ جديدةٌ

تُفتح ، تنشقُّ المغارةُ ، سيلٌ من الأطفالِ يتدفقون ، يصيحونَ بصوتٍ

واحدٍ :

- صباحُ الخير ياسيّد .

خبّأتُ صرختي بكفيَّ ، نظراتي تتمرّغُ على مواطىْ أقدامهم بحالةِ

إستعطافٍ لا قعرَ له ، وبصوتٍ متهدّج قلتُ لهم :

- نعم ، صباحُ الخيرِ يا أطفال ، سأُشرفُ عليكم جميعاً ، سأعلّمكم الحبَ

والموسيقى وكتابةَ الشعر .

أغضبتهم كلماتي ، أخافني غضبهم ، إلتصقتُ أكثرَ وأكثرَ بنفسي ، ماتتْ

النداءاتُ في حنجرتي ، تصبّبتُ عرقاً ، إنفعلتُ ، صرختُ بغضبٍ هستيريٍ

مشتت ، أجابوني بصوتٍ جَهوري واحد :

- ولكن كيفَ تخنقَ العصافيرَ أيها السيّد ؟ .

ذاكرتي تنثقب ، تضيعُ التواريخ ، الوجوهُ ، الأسماء ، تتغيّر ملامحي  ،

يتلوّنُ وجهي ، تهترىء ملابسي ، تنتشرُ مني رائحةٌ نتنةٌ ، تتصدّعُ

المرآة ، تنفجرُ ، تتحوّلُ إلى شظايا صغيرةٍ تنتشرُ في كل مكانٍ ، دَمٌ

غزيرٌ يبصقهُ جسدي على إيقاعٍ مخيفٍ للطبول .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق