الخميس، 1 أبريل 2021

الهجرة الغير شرعية بقلم // عبد الفتاح العربي

 الهجرة الغير شرعية

كل يوم تراه تحت الحائط أو على عتبة منزلهم لا يعمل ،بعد ان انقطع عن الدراسة، امه تعمل في نظافة المنازل لتعيش اخوته ،ابوه توفي وهو في سن السادسة، يسكن في حي شعبي ،تكثر فيه البطالة، أصحابه و اولاد حارته هاجروا لاوربا و استطاعوا ان يشتغلوا وهم الآن يعاونوا عائلاتهم بالمال ،و يأتوا في فصل الصيف بسيارة و تغير حالهم للافضل، جلس يفكر في الهجرة ،مر ولد حارته و ساله مابالك مهموما، قال له ماقولك نهاجر من هذا البلد و نذهب للضفة الاخرى من المتوسط حيث الثروة، بدأوا في التخطيط لكن يلزمهم المال لأن الوسيط يطلب مابين خمسة الاف دولار و ذهب لأمه و اقنعها و اتصل بالوسيط و كان يوم الإنطلاق و اقترب من الشاطيء حيث وجد مركبا به مابين العشرين شخصا بينهم امراة و ثلاث من اطفالها و في الليل الدامس و في خلسة من حرس البحرية أنطلق المركب و كان الطقس هادئا في فصل الصيف ،الرحلة تتطلب سبع ساعات على الاقل .

أنطلق المركب غير ان علي بين المجموعة احس احساسا غريبا ،انتابه و سيطر عليه ،سحب صورة لأمه ،نظر إليها ملياً ،و كأنه يراها أول مرة ،سقطت دمعة على وجنتيه،خطت خطا و بلت شفته فأحس كان امه تسقيه ، و دارت رأسه تلف في الماضي البعيد و تذكر كل شيء، غربته في بلده، فقره في حارته، جوعه ،يشتهي كل أنواع الفواكه و لا يأكل ،يراها عند البقال و لكن فقرهم جعله محروما، حتى لباسه كان من اللبس القديم ،لا يعرف بنطالا جديدا لبسه، فجأة سمع ضوضاء، استفاق وجد الليل قد نزل و المجموعة تغني من الفرحة و من الحزن مزيج ،يلتفتون بجدون الوطن ورائهم و ينظرون امامهم لا يرون شيئا ألا المجهول،استفاق لأن صاحبه صاح عليه ان يندمج معهم ،لكنه كان مهموما ،لا يدري لماذا ،دخل في اجوائهم و غنى قليلا لكنه انطفأمن الداخل مرة أخرى فٱنزوى بنفسه في ركن بالمركب ،نظر لتلك المرأة التي تحمل ابنها على صدرها و الاخريات نائمات على ركبتيها ،رآها تناجي نفسها ،شاحبة ،تائهة ،ضائعة في ملكوتها ،لا تعلم سيئا عن نفسها و كأنها ذاهبة في رحلة بعيدة دون رجعة،ركن الى نفسه يناجيها،تذكر حبيبته فأخرج صورتها من جيبه تأمل فيها قليلا ثم ارجع الصورة لجيبه كأنه خاف منها ،و قال في نفسه لماذا لم اعلمها قبل الرحيل ،عندما تسمع ماذا ستقول عني، خاف منها و عليها،لم يرغب في مقابلتها قبل الرحيل لأنه لا يعلم أن كان رحيلا مؤقتا أم وداع دائم.

آفاق علي ليجد المركب توقف ،و اذ بالربان يصيح عليهم قائلا : البنزين نفذ

صحنا كلنا كيف ذلك 

رد علينا : عليكم بالنزول في البحر و السباحة

و نزلنا البحر ألا المرأة و صغارها الثلاثة تركناها لمصيرها يتوكلها الله مع بعض مؤونة.

قسمنا بعضنا الى ثلاث مجموعات كل مجموعة بثلاث أشخاص و المجموعة الرابعة بها شخصان و بدأنا السباحة تائهين في البحر كانت المجموعات تحسن السباحة و كان الطقس مشمسا و نحمل لبس السباحة و صحت فيهم اني أرى جبلا بعيدا مرسوما في أخر نقطة و بدأنا نسير سباحة نحو الهدف لكن بعد ساعات و كاننا أصبحنا لا نرى شيئا، انه الضباب يحجب هنا الرؤية و عم الظلام و ابتعدنا كمجموعات عن بعضنا البعض و عم السكون و أصبحنا نكلم بعضنا كل في مجموعته و كان الليل موحشا في البحر و ساعات و نحن نسبح و نستريح تارة أخرى و نستلقي على ضهر البحر لنرتاح و نغفو برهة و نستفيق و جاء الصباح لليوم الموالي و لكن المجموعات ابتعدت عن بعضها البعض ألا مجموعة كانت وراءنا تعبت و قالوا لن نكمل معكم و ودعونا و تركناهم لمصيرهم كذلك ،كانت ملامحهم تنذر بالتعب و الوهن ،تاسفنا لفراقهم ،لقد أثر فينا الموقف دون أن نقدر ان نفعل لهم أي شيء ، و اكملنا السباحة منقطعين عن كل شيء لا آكل و لا شرب و هذا هو اليوم الثاني ،و أصبحنا الثلاثة نحكي، نغني ثم سكتنا لأننا عطشنا ،و هاهو احدنا يقول اذهبوا لانني لا اقدر ان اكمل و لكن صديقه لم برد ان يتركه لأنه لا يحسن السباحة كثيرا، و تركتهم و اكملت نحو الهدف الذي بدأت أرى ملامح ذلك الجبل.

ترك المركب يتلاطمه الامواج و تركت فيه امراة تحتضن اطفالها الثلاثة ،تركت لمصيرها، و علي وهو يسبح و يصارع الامواج في ذهنه امه و هذه المرأة مع اطفالها، و ترك أصحابه و انفرد يسبح الى صباح اليوم الثالث دون مأكل و مشرب و كامل هذا اليوم وهو يسبح تارة و يرتاح أخرى و يحمد الله على الطقس الهادئ و هذا البحر الذي اصبح صديقه يكلمه في وحدته و يغني مع معزوفة الموج و كأنه يراضيه حتى لا ينفعل، و اذ به يرى اليابسة أمامه تقترب و ذاك الجبل اصبح يراه ففرح و طار فرحا و أصبح يسرع لعله يصل قبل هوان قوته ، دخل الميناء اذ بمركب يسير جانبه فنادى بأعلى صوته يستغيث لكن لم يلتفتوا إليه ، فتعجب و مضى يكمل نحو الميناء ،وجد صخورا عالية ، فحاول ان يتسلق تلك الصخور فلم يفلح، فرجع للبحر و أخذ يسبح نحو مكان آخر و عندها وجد منفذا، و عندها وصل الشاطئء و نزع بزة السباحة، و استلقى على الرمل و لكن جسدته تأذى من شدة التآكل من أشعة الشمس و أملاح البحر ،و بعد برهة نهض و أخذ يمشي أين وجد سيارة اوقفها و طلب منهم قارورة ماء و سلموه قارورة فأخذ يشرب حتى افرغها من العطش ،و ذهب بعدها اقرب مركز شرطة عندها سلم نفسه ليبلغ عن المركب لينقذ تلك المرأة و نجدتها مع اطفالها لقد فكر فيها قبل مصلحته كان يمكن له ان يدخل المدينة و يمارس حياته داخلها دون مشكل لكنه كان انسانا قبل كل شي ء و هنا تدخل خفر السواحل و ذهبوا لمكان السفينة و انقذوا المرأة و اطفالها و احتجزوا علي في موقع الاحتجاز و بعد اسبوع وقع ترحيله لبلده.

.

بقلمي . عبد الفتاح العربي من تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق