البيت الملعون
« اختفاء مريم »
قصة قصيرة بقلم :حسام الدين أحمد
قراءة ممتعة ...
كان أبي يحب أن يأخُذُنا في أيام العطل، وفي رأس السنة إلى الحفلات التي كانت تقام في المدينة وإلى صالات الألعاب، ولكن في رأس السنة هذه أخذ برأي أخي الصغير يونس، وأخذنا للإقامة في بيتنا الثاني بعيداً عن الضوضاء، فهناك بين الجبال والأنهار والطبيعة، وكذلك البستان الخاص بجدي، وكانت فكرة جميلة وافق عليها الجميع، إلا أنا فقد رفضت !
ولكن أبي قال لي يا سارة !
نـأخذ برأي الأغلبية.
كانت الليالي الثلاثة الأولى رائعة، فكانت تارة بين السهول والجبال، وأخرى عند ضفاف النهر رغم برودة الجو.
ذهب يوسف وسندس لمساعدة جدي في الحقل، وبقينا نحن على مسافة ليست بالبعيدة ننظر للغابة والطيور الجميلة.
قالت مريم: لِمَ لا ندخل ذاك المنزل عند نهاية النهر؟ إنه جميل ...
قال يونس: إنه من الجنون أَن ندخل المنزل؛ لأنه مسكون ...
قالت جنان: نعم .. إنه مسكون بالجن والأشباح، فقد كانت جدتي تروي لنا قصصاً عن ذاك المنزل، وما حلَّ بالأطفال الذين دخلوا فيه، حيث قالت: هل تعلمون ما حصل لآخر من دخل المنزل؟! لقد تشوه وجهه، وكان يتفوه بكلمات غير مفهومة، ومات بعد أيام ...
قالت مريم: سيكون دخول المنزل فيه من المتعة ما لا نتصوره ... ووافقتُ أنا أيضاً على تلك الفكرة.
واتفقنا أن ندخل المنزل الذي بُني عام (1916)، أي قبل حوالي أكثر من (100) عام كما أخبرنا بذلك جدي، ودخلنا أنا وأختي مريم، وكانت السماء بدأت تمطر، وقد غطتها السحب، وأما يونس وجنان ففضلوا البقاء عند الحديقة بين الأشجار.
كان منظر المنزل مخيف .. يملأه الغبار وأعشاش طيور الليل الخفافيش والعناكب، ودخلت المنزل أنا ومريم، وبعد دخولنا الغرفة الأولى، قلت لمريم:
أبعدي يدكِ عني، فإنك تشعريني بالرعب بلمسكِ لكتفي، وتحولك أمامي وخلفي وسط الظلام ... وطلبتُ منها عدم رمي الحجر، وإصدار هذه الأصوات المخيفة؛ لأنها تشعرني بالخوف.
وتذكرت أن معي ولاعة، فأخرجتها لإضاءة المكان، وأدرته حول نفسي فلم أجد مريم، فأصابني الرعب، ورفعتُ الولاعة للأعلى لأرى المكان حولي ... وإذا بمريم بعيدة عني، وكان أحدهم يجرها على السلالم نحو الأعلى، ولكنها لا تصرخ، وإنما تشير بيديها وعينيها مفتوحتان وتذرفان الدموع.
وفجأة ظهر لي شيء غريب واسع العينين وطويل الشعر، وذا يدٍ واحدة، وأخذ يقترب مني، وكاد قلبي ينفجر من الخوف، وتذكرتُ نصيحة أختي جنان، إذ قالت لي: لا تصرخي في وجه الأشباح، وإلا سوف يرونك، وأن الأشباح لا تخرج من منزلها.
اقترب هذا الشيء مني بعد أن أوقد النار في الموقد ... عندها لم أتحرك ومدَّ يده، وسحب الفتاة الواقفة خلفي التي لم اشعر بوجودها، وكانت كبيرة العينين صفراء اللون، وعندها دققتُ النظر وأيقنت أني أقف بين عائلة من الأشباح، وأنهم لا يروني ولكني أراهم، على أن لا أصدر أي صوت! وكان يصرخ بوجه الأم والأطفال، وأخذ مطرقة، وأخذ يضرب البنت التي أخذها من خلفي، ورمى بها في الموقد المشتعل.
عندها أخذ يصرخ ويضرب الجدران، وينظر للأعلى وينادي أسماء غريبة، وأنا أنظر للسلالم عسى أن أرى مريم، ولكني رأيتُ أشباح تنزل للأسفل تشبه القردة في حركاتها.
لم أتحمل الخوف وعندها صرخت، وأنا أرتعش مما حصل، فشعرت الأشباح بوجودي، وهم قد مسكوا مريم ويتشاجرون عليها، عندها أحسوا بي، فركضت، وأصبحتُ أرتطمُ بالجدران والأبواب، ومسك أحدهم بيدي، وفتحتُ الباب لأخرج، ولكنهم يسحبون يدي للداخل حتى قام الرجل وضرب يدي بالمطرقة، وانغلق الباب ...
وقعت بين يدي جنان ويونس، فحملوني مسرعين لخارج هذا المنزل الملعون، ونقلوني أصحاب المزرعة المجاورة مع إخوتي للمشفى.
بعدها ذهب رجال الشرطة للبحث عن مريم لكنهم لم يجدوها، وبحثوا كذلك في الغابة المجاورة، ولكن دون جدوى.
وها أنا أروي القصة، وفي كل عامٍ نذهب أنا وإخوتي نجلس عند حافة النهر نتذكرها ... و يأخذ إخوتي بعض الألعاب ويتركوها عند الأشجار ظناً منهم أنها تأتي لتأخذها رغم أننا أحياناً نشاهدها في زاوية الفناء الخلفي لحديقة المنزل الملعون، وهي تمدُّ يدها وتطلب النجدة.
الأديب حسام الدين أحمد
كاتب شعر قصة رواية مقالة
باحث في الأدب المعاصر
البلد العراق بغداد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق