الأربعاء، 16 يونيو 2021

الزقاق بقلم // عبد الرحمن بن إلياس

 الزقاق


مضى الآن ثلاثة أشهرٍ منذ إقامتي عند العم حسين، أقضي يومي في مزرعته الواسعة أرعى المزروعات وأنسقها وأشرف على ريها وإلى آخر أعمال البستاني. 

العم حسين رغم ولادته في القرن التاسع عشر إلا أنّ هيئته تعطيه مظهر الخلفاء العباسيين حيث نظافة هندامه المبالغ بها وتغييره المفاجئ لملابسه عدة مراتٍ في النهار، والحلي والأحجار الكريمة التي تزين ما يرتديه.

وثق بي العم وسمح لي بدخول منزله متى ما شئتُ وأنْ أطلب ما أريد من زوجته أو ابنته شديدة الجمال، وبعد الأشهر الثلاثة صرت أعرف خبايا البيت وممراته وغرفه وكل شيء،ّ إلا أنْ ما حدث قبل يومين أقلقني كثيرًا وأخافني، إذ حين دخلتُ غرفة الحطب وكان قليلًا أدرتُ بصري أتفحص الغرفة جيدًا وفجأةً بدا مفتاحًا متدليًا من العمود الأعلى فتاولته وكان في أخره خيط حين سحبته إليّ وجدتُ في نهايته ورقةً كتب عليها: الزاوية اليمنى السفلية. 

فكرتُ بالمكتوب جيدًا ونظرتُ للزاوية المحددة فلم أعثر على إجابةٍ فقررتُ أنْ أزيل الحطب عنها، وحين فعلت لم أجد شيئًا فأزلتُ التراب بيدي فتبين لي صندوقًا صغيرًا أسود اللون، فتحته بالمفتاح ووجدتُ فيه بعض المصوغات والفحم و مفتاحًا آخر في نهايته شريط يتصل بورقة كتب عليها: العمامة الزرقاء المطرزة. 

بقيتُ أيامًا أغتنم الفرص وأبحث في غرفة العم حسين عن العمامة حتى وجدتها أخيرًا ولم أرَ ما يثير الاهتمام بها فهممتُ بارتدائها لسببٍ أجهله، وحين رفعتها سقط منها مفتاحٌ مجردٌ، بعد أنْ أخذتُ المفتاح وضممته إلى المفتاحين الآخرين حاولتُ نزع العمامة فلم أستطع وبذلتُ جهدًا جهيدًا دون فائدة.. منهمكٌ أنا بنزع العمامة ويبدوا أنّي حركتُ شيئًا بها فانفتح الجدار الذي أمامي وظهر لي بابًا أدرتُ أحد المفاتيح فيه فُفتح ويا ليته لم يفعل.. 

بعد دخولي وجدتُ أشياء غريبةً فقد وجدتُ العم حسين في الزقاق السريّ هذا ومعه عائلته، وأمره عجيبٌ فالعم كان يعامل زوجته أحسن معاملةٍ ولكن هنا الأمر مختلفٌ فقد قيدها بسلاسل غليظةٍ وينهال عليها بالضربات ويكيل لها أقذع الشتائم، وفي نهاية الزقاق حيث نصف الظلام يتهدى صوت ابنته المتعب من هناك.. يبدوا أنّه أوسعها ضربًا وعاد يضرب أمّها، ما كاد يوصلني الجنون هو أنّي رأيتُ أفراد العائلة جميعًا في الحديقة الخلفية يضحكون ويتحادثون، لابد أنّ هناك شيء. 

نزعتُ حذائي ومشيتُ ببطئٍ أقصد الفتاة وقلبي ينبض بشدةٍ لو أنّه ينبض في جبلٍ لهدّه.. المسافة حتى الفتاة لا تتجاوز عشرين مترًا لكنّها حُفتْ بالمخاطر التي لو قاساها حديدٌ لذاب، تعال أحكيها لك، فحين تجاوزتُ العم وظننتُ أنّي نجوتُ فاجئتني يدٌ باردةٌ بضربةٍ على قفاي انخلع لها جناني.. استدرتُ وكانتْ الكارثة يدٌ مقطوعةٌ حديثًا والدماء تتساقط منها حتى أنّها لوثتْ ثيابي.. بعد أنْ هدأ روعي حاولتْ المشي ففتح باب من جانب الزقاق مهولًا حيث هناك عشرات الرجال والنساء في وضعٍ مزرٍ يجعلني أشكُّ في العم حسين هل هو بشرٌ أم جنيٌّ لعينٌ؟ فبعضهم معلق من قدميه وسيف بلا سيافٍ يطعنه في صدره.. وبعضهم مقيدٌ بسلاسل تشتعلُ فيها النار، وأخرون هامدون على الأرض أكل الدهر عليهم وشرب وتكوم الغبار فوقهم ونسجتْ عليهم العناكب، وهناك مجموعة نساءٍ مغلولاتٍ في حفرةٍ وتحتهن الجمر وهناك... قبل أنْ أتبين ما هناك سُدّ الباب ولاتسأل عن حالي فقد غدا معيبًا ومهيبًا وقلبي أظنه فرّ مني صدري. 

تعكزتُ على جانب الزقاق وواصلتُ المشي ولعدة أمتارٍ لم يحدثْ شيئًا وقبل أنْ أصل النهاية تعثرتُ بسلكٍ حديديٍّ أسقطني أرضًا ولولا تلك الفتاة لكنت الآن تحت بيوت العنكبوت والغبار؛ فهناك مدية عظيمة كانتْ صدري ابعدتها بقدمها المقيدة فكتب لي عمرٌ جديدٌ، وباستغراب سألتني: 

ـ ما الذي جاء بك هنا؟ 

ـ سوء حظي.

ـ أنت في ورطة لنْ تخرج بعد اليوم وسيكون مصيرك الغرفة التي رأيت. 

ـ ماذا؟ 

ـ ما سمعته.. هذا الرجل مجنون، ومن رأيتهم هناك هم البستانيون الذين سبقوك والخادمات.

وفجأة انهالتْ على رأسي صفعةٌ لا بأس بها.. رفعتُ رأسي وإذ أنا تحت شجرة الجوز وفوقي العم حسين يقول: أفق يا بني وأكمل عملك قبل المغيب. 


عبدالرحمن بن الياس/العراق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق