ماذا نريدُ من الحاكم ؟.
بقلم الكاتب : أنور ساطع أصفري .
***********************************************************************************************
بكل تأكيد الموضوع هنا ليس سهلاً كي أقول ماذا أريد أنا ؟، أو ماذا
يريدون هم ؟، أو ماذا يُريد هو ؟ ، أو حتّ!ى ماذا تريد أنت ؟ . لأن الإرادة هنا تأتي بمفهوم العلاقة ، بمعنى هناك حقوق ، وهناك واجبات ، وهناك أميرٌ ومأمور أيضاً ، فإذا لم تكن هذه العلاقات إنسانية ودقيقة بل و واضحة ، فسيكون هناك إضطراب وصراع وجورٌ وظلم ، وقد يكون بين الأفراد أنفسهم ، أو بينهم وبين الحاكم ، وكل هذه الأمور ستنعكس على الحاكم والمحكوم والوطن .
فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم وعبر التاريخ لها سجلّ حافلٌ بالمتناقضات ،
وبالإستقرار وبالإضطرابات أيضاً . وهذا يعتمد على تاريخ الأمة أو فلسفتها
وثقافتها ، وبنفس الوقت يعتمد على شخصية الحاكم وثقافته وفلسفته
الإنسانية أو السياسية وطبيعة شخصيته .
فمنذ خمسة قرون تقريباً ظهرت الميكافيلية حيث قدّم ماكيفيلي الإيطالي
نصائحه للأمير أن يعتمد على القوة والخداع بحجةِ أن الغاية تُبرر الوسيلة
.
ومعاوية بن أبي سفيان كان يعتمد على العلاقة بينه وبين الناس على شعرةٍ
لا يقطعها ، فأحياناً يمدّها وأحياناً أخرى يسحبها ، وعُرفت بشعرةِ معاوية .
والرئيس الفرنسي شارل ديغول كان يعتمد على الديمقراطية والسيادة والأخلاق ، وهكذا .
ولكي يستوي ثالوث الحاكم والمحكوم والوطن ، نؤكّد أنه " لا وطن بغير الحرية ، ولا حرية مع الديكتاتورية " ، بمعنى أن الوطن لا يكون صحيحاً ومعافى وممارساً لوظائفه الأساسية والحيوية بغير أن تمتلىء رئته بهواء الحرية . كما أن الحرية يستحيل أن تتواجد مع نقيضها ، أي الإغتراب الذي يُشكّل المنتوج الأكبر والأعظم لللإستبداد ، ولهذا يصبح إستبدال ممارسة الحرية فعلاً بالإستبداد إثماً عظيماً أو بصياغةٍأخرى وأكثر دقّة " وما إستبدال ممارسةِ الحرية غير فاحشة كبرى وإثمٌ عظيم .
فالمواطن كي يكون فاعلاً ومشاركاً في صناعة القرار السياسي والإقتصادي
في البلاد ، يجب أن يكون حراً ، وحارساً حقيقياً لسيادة وإستقرار الوطن .
ونحن في هذه المنطقة المظلمة من العالم لا نستطيع أن نتحدث عن ألف باء الديمقراطية ، ولا نستطيع أن نرفع صوتنا مطالبين الحاكم أو الرئيس بكذا
وكذا ، لأن مراكز القوى في هذه المنطقة هي التي تفعل ما تريد مع كامل
تهميشها لكل الأصوات الأخرى .
ولعل النقطة الأهم بالنسبة للمواطن هي الإحساس بالإطمئنان والأمن
والإستقرار ، ومع سمو العلاقات الاجتماعية والإنسانية في المجتمع ، حيث
أن الواقع متناقض ففيه تناقص في درجة الوعي والأخلاق والضمير . لذلك
نستطيع أن نقول أن الإضطراب وعدم الإستقرار وفقدان الأمن والأمان هو سمة ظاهرة تعني بأن الواقع الميداني والإجتماعي غير صحيح ، وأن الأوطان غير مستقرة .
فبدلاً من أن يسود الوطن والمجتمع الأمان والإستقرار والإحترام والتعايش
، نرى أن سياسة الخوف والحقد والكراهية والرعب والنفور والإقصاء هي
السائدة .
أنا هنا أُعمّم ولا أُركّز على جهةٍ أو شخصٍ ما ، لأن الأمن والأمان والإحترام حينما يكون مرتبطاً بشخصٍ أو بنظام ، فإن هذا التعايش سينهار بمجرد إنهيار الشخص أو النظام . ولكن حينما يكون هذا التعايش والإحترام مرتبطاً إرتباطاً وثيقاً وجذرياً بدواخل الفرد والمجتمع فإنه سيبقى مستمراً ومتصاعداً في أدائه مهما إختلفت الظروف .
لذا يجب أن تصان حرية وكرامة المواطن بشكلٍ أساسي في الحدود القانونية
والدستورية ، والتي تكفل بالضرب بيدٍ من حديد على أي متعدٍ لهذه الحدود ،
إن كان من المسؤولين أو من المواطنين ، وحينما يكون هكذا نهج هو أولوية
قصوى ومن مهام صنّاع القرار ، ستكون هناك علاقة واضحة تُؤسس لنسيج
إجتماعي و وطني متماسك يستطيع أن يواجه كل الأخطار والتحديات إن كانت داخلية أو خارجية . وبغير ذلك يبقى الوطن جالساً على فوهة بركان الذي قد ينفجر في أي لحظة ويقذف حممه التي ستقضي على كل شيء ، وستغرق السفينة بمن فيها .
لذلك أنا هنا أتجنّب هنا الحديث عن الحاكم ، لأن الحاكم ليس فرداً ، بل
هو أيضاً محكوماً بجملةٍ من مراكز القوى التي تسيّره ، وهذا هو الحال عند
الجميع وبشكلٍ نسبي ، فالرئيس الأمريكي محكوماً بتدخلات الكونغرس
والمخابرات المركزية ومؤسسات التصنيع العسكري وسوى ذلك ، وذلك على سبيل المثال ، لذا أجزم أنه ليس هناك حاكماً مثالياً ، وتبقى الحرية هي أسمى مطالب المواطن ، كما أن حرية المواطن مرتبطة بحرية الوطن ، وحينما يكون الوطن حراً تكون حقوق مواطنيه مصانة ، فالوطن ملكٌ لجميع أبنائه وبدون أي إستثناء .
وعندما تقوم أو تكون الأمور على هذه الحال نرى أن كلاً من الوطن والمواطن بحاجةٍ إلى بعضهما البعض ، فالمواطن بحاجةٍ إلى وطن يقدم له الحماية ويصون حقوقه المدنية والسياسية والإجتماعية ، والوطن أيضاً بحاجة أبنائه ليدافعون عنه ويحمونه من اللذين يريدون به سوءً .
ولو سارت الأمور على هذه الحال نرى أن المواطن مهما كانت مشاربه وتوجهاته الفكرية والثقافية والسياسية نراه بشكلٍ فطري وبديهي مستعداً للدفاع عن وطنه بأسمى أشكال الدفاع والزود عنه .
ومن ناحية أخرى لا بد إلاّ أن نعرّج إلى بعض النخب السياسية الإنتهازية
التي تحظى بسوء الفهم والخلط ، وبضحالة في إستيعاب الأمور ، وفي أساليب النضال السياسي ضد كل أشكال القمع والتسلط ، والتي تتطلب التضحية المشروعة من أجل الحصول على الحقوق الشرعية ، فهذه النخب تعتمد على الأجنبي وقواه ، وتستقوي بالأجنبي على الوطن ، فمن ينتظر من الأجنبي والقوى الأجنبية أن تنصّبه في مواقع الحكم والسلطة ، فهو خائنٌ وغبي .
لأن المواطن الحر الذي يشعر بالغبن السياسي في وطنه جراء ممارسات النظام السياسي القائم ، عليه أن يقاوم هذا الغبن بشتى الوسائل والطرق السلمية الممكنة والمتاحة المعتمدة على طاقات الشعب وأساليبه .
فالولاء للوطن شيء ، والولاء للأنظمة السياسية شيء آخر ، وليس بالضرورة
أن يكون الدفاع عن الأنظمة السياسية هو ولاء للوطن ، لأن هذه الأنظمة هي زائلة والوطن هو باقٍ . ولكن لا يمكن أن يُحمى الوطن بمواطنين لا
يستشعرون بالإنتماء إليه بسبب الإقصاء أو التهميش أو الحرمان أو
الإستبداد ، حيث أن المتضرر أو المحروم لا يمتلك جذوة الولاء الوطني كما
يجب ، فالوطن الذي يُهمل ويستعبد أبنائه ومواطنيه " والمقصود هنا السلطة السياسية " لن يظفر بالأمن وفق أية صورة ، وعلى العكس تماماً فإن وطن متمسك بقيم العدل والسلام والحرية هو الواهب والمحفّز للّأمن الشامل المستند إلى مبدأ المواطنة الحقيقية والشاملة والتعايش الرحب ، يُنتج الوطنية الصادقة . لذلك على المواطن أن يعيش في وطنه معززاً مُكرماً في ظل القوانين السائدة في البلاد ، وعلى السلطة ومراكز القوى أن يُراعوا كرامة المواطن وحفظ حقوقه وتوفير كل السبل القانونية لذلك .
فالإنفتاح على الآخر وإحترام رأيه ووجوده يُشكّل الأرضية الصلبة لبناء
الوطن ، وإزالة الآثار السلبية والمتراكمة فيه ، وبناء مستقبل قوي للوطن
من خلال الإعتراف بوجود الآخر ، والتعددية السياسية ، وأحقيّة الجميع في
المواطنة الكاملة وفي الحقوق والواجبات ، في ظلِ مجتمعٍ مدني يتساوى فيه الكل ، أي كل مكونات المجتمع ، بإختلاف طوائفهم ومذاهبهم وأعراقهم ، أمام القانون الذي هو فوق الجميع .
فتحقيق هكذا خطوة سيعزز من شأن الوطن محلياً وإقليمياً ودولياً ، وسيساهم في خلق مناخٍ ديمقراطي وتعدد سياسي ، ينعكس بشكلٍ إيجابي على كل المواطنين دون أي إستثناء ، وعلى الأمّة المترامية الأطراف .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق