الثلاثاء، 27 يوليو 2021

عيوب سلطة الحزب الواحد بقلم // انور ساطع أصفري

 عيوب سلطة الحزب الواحد .

بقلم الكاتب الاعلامي :

 أنور ساطع أصفري .

*************************************************************************************

نحن نؤمن بأن التخلف الإجتماعي هو في نهاية المطاف ثمرة من ثمار

الإستغلال والقمع والتهميش والإستعباد وسياسة الحزب الواحد . 

ومعظم المفكرين وعبر التاريخ بحثوا ويبحثون عن الصيغة الأمثل للحكم من خلال تقريب الفجوة بين الحاكم والمحكوم ، حيث كانت سابقاً محكومة بسلطةِ الكبير ، أو بسلطة من يستمد قوته من سلطة الله ،  ولا يُعارض برأيه ، أو بسلطةِ القوة ، وسلطةِ أعراف المجتمع ، وفي النهاية كان القاسم المشترك الأعظم من خلال الإسلوب العقلاني أو القانوني عن طريقِ الإنتخابات المحكومة بمبدأ الديمقراطية . حيث كان يتعيّن وصول شخصٍ ما إلى سدة الحكم ويبقى رهينة تلبيته حاجات المواطنين ومطالبهم ، بحيث أن لا تكون قراراته فردية أو مزاجية . حيث أن داخل المجتمع هناك إرادات وآراء وثقافات وهيئآت مختلفة ، ويجب مراعاة هذه التناقضات عند إتخاذ أي قرار ، ومراعاة الآراء الأخرى ، وحاجيات وآراء الأقليات ، وتحقيق التوازن بين الحريات الفردية والجماعية ، وهذه الأمور لن تسير بهذا الشكل ضمن سياسة الحزب الواحد ، وسلطته على الدولة والمجتمع . لأنه بهدف الوصول إلى نظام سياسي ديمقراطي عادل يتوجّب تضافر الجهود متكاملة بين الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني .

آخذين هنا بعين الإعتبار أن المجتمع المدني هو ليس بديلاً عن أي حزب

سياسي ، ولا يمكن تناوله كبديلٍ عن حزبٍ سياسي ، ولكن من الممكن للحزب

السياسي أن يندمج مع المجتمع المدني في عمله السياسي ، لذلك تنشط الأحزاب السياسية في مجال تشجيع نشاطات المجتمع المدني الذي لا يتبنّى إيديولوجيا معيّنة ، فالحزب السياسي حينما يتواصل مع المجتمع المدني ويتعامل معه في إطار النفع العام ، فإن الحزب في هذه الحالة سيكتسب تقديراً أكبر بين المواطنين .

وبشكلٍ عام نستطيع أن نقول أن إزدهار الدولة والمجتمع يتحقق في ظل نظامٍ سياسي ديمقراطي تعددي ، إذ من غير الممكن قيام هكذا حالة في ظلِ أنظمة الحكم القائمة على الحزب الواحد ، لأنه ستتحول الأحزاب الأخرى والمجتمع المدني إلى مجرد أداة من أدوات الحزب الواحد الذي يقوم بتعبئة الجميع في خدمة أفكار الحاكم أو السلطة أو الحزب الأوحد ، وبالتالي يفقد الجميع الجرأة التي تمكّنهم من إنتقادات سياسة سلطة الحزب الواحد القائد للدولة وللمجتمع .

فحرية التعبير والصحافة ، وكذلك إستقلال القضاء لا تنمو من خلال الحزب

الواحد الحاكم .

 ولو تناولنا الواقع العربي نتأكّد أن الحديث عن الديمقراطية وعن التعددية موضوعٌ على الرف ، لأن الفئآت الحاكمة ترى أن الحفاظ على الأمن

والإستقرار هو من الأولويات ، وأن إطلاق الحريات يُهدد الأمن والإستقرار

في البلاد .

ونتيجة ذلك نرى أنه بسبب هذه السياسة الاقصائية التي تمارسها النظم العربية ، بقي العالم العربي أقل المناطق تأثّراً برياح الديمقراطية والحرية ،

وكما أن تحرر هذه المنطقة من نهج النظام السياسي   لا يزال يمثّل إشكالية كبيرة بكل معنى الكلمة ، حيث أن السلطة الحاكمة لا تزال بعيدة جداً عن أن تتواضع قليلاً وتعترف بمبدأ إعادة السلطة إلى الشعب . وبحق هذا الشعب في مشاركته في السلطة وفي مشاركته الفاعلة في صناعة القرار السياسي والإقتصادي في البلاد . 

لذا يجب أن تزول وصاية السلطة على الشعب ، والتي هي بمثابة العقيدة الرئيسية التي تحكم ممارسات الأنظمة الحاكمة من خلال حجج واهية تستند إليها النخب الحاكمة لتبرير وصايتها وأشكال ممارستها .

وعلى سبيل المثال فإن مصر عرفت التعددية السياسية منذ عهد الرئيس الراحل أنور السادات ، أي منذ عام 1970 ، ولا تزال السلطة السياسية حكراً على حزب الرئيس منذ 65 عاماً ، وهو الحزب الذي وُلد من الحزب الحاكم منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، ونجح الحزب في الإستمرار في الحكم

وسياساته تتجدد .

ومنذ حوالي نصف قرن دخلت مصر عصر الإنفتاح السياسي إلاّ أنه لم يتطور أي شكلٍ من أشكال المشاركات السياسية للتعددية السياسية المعارضة وخاصّة في مجال القرارات المصيرية ، وبالتالي نلاحظ أن التعددية لا تزال تراوح مكانها مع هامشٍ بسيط لا يتزحزح من حرية التعبير أو التنظيم .

وفي سورية ومنذ 55 عاماً لا يزال هناك حزباً واحداً هو بمثابة الحزب

الحاكم بغض النظر عن الأحزاب الهامشية الأخرى التي هي واجهة لتعددية

شكليّة لا وظيفة لها سوى تمجيد الحزب الحاكم الذي يضمن لها تعويضاً عن

المشاركة الفعلية في السلطة من خلال المنافع والإمتيازات .

وفي العراق تم تدمير بنيته من خلال الحكم المطلق والأُحادي الذي دخل في

حروبٍ مختلفة ودمّر الوطن والمواطن .

وفي ليبيا والجزائر والسودان وتونس نفس الواقع الذي نتحدث عنه ، وفي

الأنظمة الخليجية والأردن والمغرب هناك نظام عائلي متوارث .

ونرى في دول العالم العربي أن هناك نجاح للفريق العسكري والأمني في

السيطرة العملية على مقاليد الأمور في البلاد ، ويمنع أي محاولة لتحولٍ

سياسي حقيقي في إتجاه المشاركة السياسية والتعددية وإعادة السلطة إلى

الشعب .

ومن الواضح أن هذه المنطقة العربية هي قليلة التجربة في مجال الممارسات السياسية الديمقراطية ، ففي منتصف القرن الماضي كانت هناك بعض الممارسات السياسية الحديثة ولكنها كانت متقطّعة وغير متواصلة ، بمعنى أنها لم تنتقل بشكلٍ سليم إلى الأجيال ، أو لنقل لم تنتقل نهائياً بسبب عدم الإستقرار للنظم السياسية وكثرة الإنقلابات العسكرية . إضافةً إلى غياب التفاعل بين النخب السياسية المدنية والعسكرية والطامحة إلى السلطة وتصفية الحسابات فيما بينها .

ومن ناحية أخرى علينا أن نأخذ بعين الإعتبار أن حوالي 65% من أبناء

المجتمع العربي هم من الشباب اللذين تقل أعمارهم عن عشرين عاماً ، وهذه النسبة هي كبيرة وتُشكّل وتيرة متسارعة لتزايد الأفراد ، وهذا الرقم

يُشكّل ضغوطاً كبيرة على الموارد المعنوية والثقافية والتي هي محدودة

أصلاً ، وهؤلاء الشباب بالتالي يفتقدون أشكال التأطير الإجتماعي والتربية

المدنية والإندماج الإجتماعي ، وبكل تأكيد فإنهم لا يحظون بأي رصيد رمزي

وثقافي ذي قيمة ، ويفتقرون لكل أشكال الحماس للقيم والمبادىء والمعايير

التي لا يزال يتمسك بها جيل الآباء والتي تُورّث اليهم ، لذلك نراهم

يفتقدون الهوية الحقيقية ، لأن مواطنيتهم لم تتحقق ، وليس هناك مجالاً

لتحقيقها ، وبنفس الوقت ليس لديهم أي مفهوم أو وعي بحقيقة واقعهم ودورهم وحقوقهم وواجباتهم الإجتماعية ، وفي النتيجة هم غير مؤهلين ليكونوا أعضاءً في المجتمع أو أن يتفاعلوا معه ، فيتحوّلون بالتالي وبسرعة إلى ضحايا سهلة للمجتمع الإستهلاكي وللنظم الحاكمة ، التي تستغل عطشهم وجوعهم لتحقيق الذات ، وتجنّدهم لقاء بعض المزايا وتحقيق رغباتهم في أجهزتها ومؤسساتها ، وتحويلهم إلى قاعدة يكون من السهل للسلطة أن تتلاعب بها وتستخدمها أداةً للحكم والسيطرة .

حيث أن الكتلة الكبيرة من الشباب البعيدين عن أي قضية لا يمكن أن تُشغلهم أي قضية عامة ، أو أي مفهوم للشأن العام ، لأنهم مدفوعون للبحث عن إشباع رغباتهم المباشرة أو الغريزية بعيداً عن أي مفهوم لمعايير إجتماعية أو سياسية ، وبنفس الوقت من الصعوبة بمكان بالنسبة لهم الإنسجام مع الهياكل التقليدية إن كانت أسرية أو عائلية أو طائفية أو قبلية موروثة وتحقيق ذاتهم من خلالها ، لذلك نرى أنهم غير مؤهلين لللإنخراط في أحزاب سياسية ديمقراطية فاعلة . حيث أن سياسة الحزب الواحد يستخدم سلاحاً قوياً ، وهو سلاح المنافع والمكاسب والإمتيازات والدعم المالي كرشاوي ، وتخصيص مواقع ومراكز شبه ثابته لكل مجموعة أو فئة من الشباب ، كما أن الطالب الحزبي له إستثناءات بالقبول بالجامعات وله أيضاً إشتثناءات أمام القانون ، وفي كل المسابقات التعليمية والوظيفية ، كما أن المنح والبعثات والتعيينات والمهمات هي حصراً على جماعات بعينها دون سواها . وكل هذه الأمور تُكرّس سياسة الولاء والتبعية والإستزلام ، وتشكيل طبقة جديدة من الإستبداديين الصغار ، والفاسدين البعيدين عن أي صفات الإلتزام الأخلاقي أو الوطني .

وتُصبح هذه المجموعة مؤمنة وبعيداً عن أي مفهوم للسياسة أو الدولة أو

المصلحة العامة ، بأن إحتكارها لللإمتيازات وسطوها على الموارد العامة هو

حق مكتسب لها من خلال ولائها وتبعيتها ، وترفض تطوير المؤسسات

الديمقراطية ،  التي تأذن للجماهير أن تعبّر عن إرادتها في الإختيار . لذلك

نرى أن معظم الأنظمة العربية يأتي فيها الأبناء مكان الآباء كسلطة بهدف

إستمرار النظام على ما هو عليه ، بمعنى ليس هناك تغيير . بل هناك إعادة

إنتاج النظام التسلطي الذي ينجح في إرضاء الشعب بعبارات وشعارات وطنية جوفاء وهشّة .

لذلك نقول أن المجتمعات العربية لم تدخل بعد وبشكلٍ جدي في طريق التخلّص من سلطة الحزب الواحد ، وفي إشكالية الإنتقال إلى الديمقراطية وإعادة السلطة إلى الشعب .

ونستطيع أن نقول أن السبب الرئيس لإخفاق كل محاولات أو عمليات التحوّل

نحو الديمقراطية في العديد من الدول العربية يعود إلى تضافر بُنى

إجتماعية وسياسية وثقافية عملت وتعمل من أجل غياب أو تغييب القوى

السياسية والإجتماعية المنظّمة والتي تستطيع إستغلال أزمة الأنظمة

التسلطية والتحريض من أجل المطالبة بالتحول نحو الديمقراطية .

نعم إن المجتمعات العربية تعيش بشكلٍ عام مرحلة تفكيك النظم التسلطية ، ولكنها لم تدخل بعد بشكلٍ جدي في إشكالية الإنتقال نحو الديمقراطية ،

لذلك نرى أن الديمقراطية لم تُطرح كبديل في أي بلد عربي ، وإنما ما تم

طرحه هو توسيع هامش الحرية والإصلاح والمبادرة لدى شرائح المجتمع ، فتظهر الديمقراطية هنا وكأنها عنصر جامد وليس هناك مطالب ملحّة حولها .

طبعاً آخذين هنا بعين الإعتبار  أن الديمقراطية هي مسار إجتماعي بهدف

تحقيق عملية التحول الديمقراطي ، وهذا المسار يحتمل النجاح أو الفشل

ويحتمل أيضاً التقدم أو التراجع .

فإعادة السلطة إلى الشعب هي ليست عملية نظرية أو ثقافية أو آمال ، لكنها تستدعي معركة حقيقية ، لأنها تمسّ مصالح شعب ، ومصالح فئآت حيّة وموجودة على الساحة وقادرة على الحركة والدفاع عن حقوقها ومكتسباتها .

كما أن مسألة تحقيق الحرية السياسية هي ليست مسألة أخلاقية وحسب ، بل هي مسألة ترتبط بشكلٍ مباشر بالتوزيع العادل والمادي للموارد ، حيث أنه متى تمكّن المواطن من حريته السياسية تمكّن بالتالي من الإعتراض على الإستخدام الإحتكاري لهذه الموارد من قبل نخبةٍ ما .

بكل تأكيد هذا الموضوع هو شائك ومغقّد ، فالتخلّص من سلطة الحزب الواحد وإعادة السلطة إلى الشعب ، والديمقراطية في البلاد أمورٌ لا يمكن أن تتحقق من دون عملٍ مهما كانت ثقافة المجتمع أو مهما كان نصيبه من الحداثة ، وأن هذا العمل لا يكون ناجحاً ولا بأي شكلٍ من الأشكال دون أن يستند إلى أسس عقلية سليمة ومتناسقة . حينها نستطيع أن نقول بأننا قد بدأنا المشوار بخطىً واثقة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق