السبت، 28 أغسطس 2021

قصة قصيرة الحفيدة بقلم// محمد محمود غدية

 قصة قصيرة  :

بقلم محمد محمود غدية / مصر

                   الحفيدة


جارت عليه السنوات وأشعلت رأسه شيبا، وأحنت ظهره الحقائب المثقلة بالشجن والتي فشل في افراغها، 

يسرج خيول عربات المساء، رغم كل السواد الذي يحمله والأقدح سوادا من هذا الليل الذي تمدد في العيون والشوارع وواجهات البيوت، يقلب في دفاتر الغياب والوجع، كل شيء باهت تحيط به هالة من ضباب مصفر، تداهمه شتاءات لا تنتهي، كلما اقترب موعد مغادرته المنزل، الذي سكب علي جدرانه عصارة الشوق ومنحه أسرار البهجة والنعيم، وراقب من شرفاته أسراب الطيور العائدة من غربتها لأنه سيغادر، الهواء مسامير تثقب رئتيه، قرار الأبناء.. دار المسنين أقدر علي رعايته والعناية به، امتقع وجهه وغامت عيناه وبردت أطرافه وارتعشت، وهو يحاول جاهدا أن يثنيهم عن قرارهم الأشبه بقرار الموت دون فائدة،

 لماذا يخذله الموت ولا يأتي سريعا كما توقع  ؟! منذ رحلت زوجته ومئات الحشرات الصغيرة تفترس روحه اللينة الأشبه بالثمر الناضج، رائحة ضفائرها موغلة بذاكرته، كلما حاولت الحوائط الصماء وصرير أبوابها الموصدة حجب تقاسيم وجهها الأشبه بالبدر في تمامه، أبدا لا يغيب وجهها الغريق في الصفاء، سلالها مليئة بأطيب الثمر، لا يضيع عطرها الشفيف بالنقاء، تنساب نفحة من الياسمين وسحرها الفواح تملأ الزوايا والأركان والمكان، تأتيه بقدح القهوة التي لا يشربها إلا من يدها، تسبقها ابتسامتها التي لا تفارقها، بعدها لم تعد تفتح الأبواب والنوافذ لم يعد يدخلها الصباح، لا صوت غير صوتها الأثير في سمعه ونفسه معا، تمدد الوجع ودار الزمان واستدار، يسرج خيوله كل ليلة استعداداً للسفر، حيث تنتظره سخية العطاء في بهو الراحة، بعيدا عن مدن الجهامة والوحشة وثرثرات الهاتف وقسوة الأبناء، وجرحهم الذي يأبي أن يندمل، استسلم لسلطان النوم الطاغي الذي لا يقف فى طريقه أحد، أيقظته حرقة الشمس وهي تتسرب من خصائص النافذة فتتكسر خيوطها علي جسده الواهن، تزحف نحوه نيران غياب الزوجة وتفرق الرفاق ومغادرته للمنزل، ينكمش تحت الدثر، ينتفض أمام صخب وضجيج الأبناء الذين أكل الآسي قلوبهم، وامتدت الهواجس مسودة علي وجوههم،

الكلمات وقفت عاجزة في الحناجر، محلقة فوقهم أسراب الطيور الشاردة، الانسان يولد وحيدا ويموت وحيدا ويعذب وحيدا،

تعلق بصره بتلك الطيور الهائمة في الفضاء، محدقا فيها وهى تبتعد في السماء رويدا رويدا حتي اختفت تماما وراء الأفق البعيد،

صرخ أكبر الأبناء : أحدهم أفرغ كل أطر السيارة بالكامل، من خلف السيارة برزت الحفيدة ذات العشرة أعوام قائلة : أنها من أفرغت أطر السيارة حتي لا يذهب جدها الي دار المسنين، بين صرخاتها ودموعها الرافضة لهذه النهاية المروعة، وانها وحدها قادرة علي العناية به، ولن تطلب مساعدتهم وينبغي أن لا ينسوا أن الخريف ينتظرهم، وشتاءات لا تنتهي ونهايات مؤلمة لا يرضونها، أشبه بمصير جدها الذي راح يمطرها بالقبلات ويحتضنها.. وكأن كل هموم العالم اقتسماها سويا، لم يقدروا علي كبح الدموع التي انهمرت كالمطر والتي غسلت غشاوة الرؤي في عين الأبناء الذين تبادلوا اللوم والعتاب،

مقررين أن والدهم هو الأقدر بالعناية قبل أي شيء آخر مهما عظم، تسحب الشمس أشعتها الأخيرة، ونسيم هاديء رائق يتسلل الي رئتيه، بين ابتسام الحفيدة.. واعتذار الأبناء   .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق