" الأستاذ د.الأديب و الناقد المتألق // بشار إبراهيم نايف * في تحليل نقدي لقصة " ليلة الغدر"
بقلم الأديبة أمل شيخموس
التحليل النقدي:
استخدمت القاصة شيخموس البناء الدائري في كتابة قصتها ليلة الغدر، والبناء الدائري هو أحد الأبنية الستة التي يعتمد عليها كتّاب القصة أو الرواية في بناء قصصهم زمنيا، وهذه الأبنية هي: (البناء المتتابع، البناء المتداخل، البناء المتوازي، البناء المكرر، التضمين، البناء الدائري)، ومفهوم البناء الدائري هو البناء الذي يبدأ فيه الكاتب قصته من النهاية ثم يعود الى بداية الأحداث ويستمر معها الى النهاية مرة أخرى، وهذا ما فعلته أمل شيخموس إذ بدأت من النهاية من مشهد قتل الزوج لزوجته عندما قام بخنقها، دون أن تذكر لنا لماذا ارتكبت هذه الجريمة وتركت دلالتها تستكشف من خلال سياق القصة وأحداثها فيما بعد، وهذا جزء من التشويق الذي مارسته كاتبة القصة حيث وضعت أمامه علامات استفهام كثيرة تلاشت معظمها أمام متن مفسر لكل أحداثها، وهكذا تعود كاتبتنا في السطر الخامس الى بداية الأحداث بطريقة سلسة لا تشعرنا بها، (هي التي خطبت لهُ العروس بيديها " ضرة " كي تنجب له ولداً)، وهذا يدل على قدرتها الكبيرة في الكتابة وتمكنها من النص، مستخدمة الضمير(هي)، واسم الموصول(التي) وهما من المعارف، لتعطينا دلالة على أن ما جرى كان مؤكدا لا يختلف عليه أثنان، وكأنه الضريبة التي على المرأة العاقر أن تدفعها، كي تحافظ على بيتها، وزوجها، واستخدام القاصة للتعريف يبدأ مع عنوان القصة (ليلة الغدر) فقد تعمدت أن تعرف تلك الليلة لتضفي عليها حالة من التضخيم والتهويل بسبب ما جرى، وعموما تقوم الرواية على ثنائية (الرجل ـــ المرأة)، الرجل بكل ظلمه وجبروته، والمرأة بكل ضعفها وتضحياتها، والكاتبة تعالج حالة اجتماعية كانت وما زالت تلقي باللوم على المرأة في حالة عدم الانجاب دون أن تجعل لها نسبة حتى لو كانت ضئيلة في أن يكون الرجل هو السبب الرئيس في ذلك، ولكي تستقيم هذه الثنائية أضفت شيخموس عددا من الصفات التي تدل على الرجل الظالم في مجتمع ذكوري أسمته مجتمع القرش(كفان غليظتان، عينان تتسعان أكثر فأكثر، تبرزان كمقلتي السمك عند خروجه من الماء، تكادُ تخرجان تقفزان إلى الخارج، يحمل قنابل نووية من الحقد والمكر والغدر، مالك أمر الزوجة، تاج رأسها) بينما تقف المرأة في الجهة الثانية من المعادلة، المرأة الضعيفة بصفاتها (قلب رحيم، وأنوثة طاغية، عصفورة بريئة، مهزوزٌ موقفها في المجتمع، لن يرحمها الرجل ولو ابتلعت التراب والقهر والزجاج، الحب، الإخلاص، التضحية بصحتها كيف تحافظ على مال زوجها، تحمل الفقر والقهر، ذاقت المرار، عاشت حياة صعبة لتسعد زوجها، عليها أن تحمد ربها وتشكره على نعمة الزوج، وأن تطيعه في كل ما يأمر به)، ولكي تضفي تشويقا أكثر للنص جاءت بمفارقة تدعم بها رأيها، فهي تصف المرأة بأنها تملك أعلى الشهادات العلمية، ومع هذا، شهاداتها لا تعادل شهادة الرجولة، إذ يكفي الرجل أنه رجل لكي تعلو هامته ويفرض سيطرته. مفارقة أخرى وضعتها الكاتبة من خلال تشكيل موقفين متضادين، ففي لحظة قيام القاتل بجريمته، كان يحلم بليلة زواجه، والمرأة الجميلة التي بانتظاره، والولد الذي سيحمل اسمه.
وأخيرا تأتي نهاية القصة بالسبب الذي من أجله ارتكب الرجل جريمته، أراد أن يعيش حياة جديدة مع امرأة أخرى جميلة تنجب له الذرية الصالحة، ووجود زوجته القديمة ستكون عالة عليه وستكلفه مالا ينفقه عليها وعلى علاجها، وفي الوقت الذي كانت تتمنى فيه دفء حنانه وتبحث عن الستر معه راضية أن تكون ضرة، قتلها، وسترها الى الأبد بحفنة تراب.
هكذا تعود القاصة الى نهاية القصة مرة أخرى لتكمل لنا مشهد الغدر وجريمة القتل التي ارتكبها الزوج بحق زوجته، وبيان سبب الجريمة، وهذه سمة البناء الدائري، إذ إن القارئ يظن في بداية القصة أنها انتهت، فإذا به تعود به الى البداية الحقيقية للقصة، ومن خلالها تتم الإجابة على أسئلة المتلقي (لماذا حصلت هذه الأحداث؟)، حتى تنتهي القصة بما بدأت به القاصة قصتها. انتهت القصة بمفارقة أخرى تسمى في النقد مفارقة السخرية والتهكم، فالكاتبة أرادت أن تعزز فكرتها من خلال الجمل الأخيرة في القصة والتي تنتقد من خلالها المجتمع، (لا نشيج ولا شكية!!! إنَّما زغاريدٌ!!! زغاريد!!!! والفرحة تزيد!!!).
صفة أخرى يحملها هذا النوع من الأبنية أنه يتواشج مع البناء المتداخل (باسترجاعاته واستباقاته) مما يضفي على القصة مزيدا من التشويق وهو ما قامت به أمل شيخموس في قصتها (ليلة الغدر)، وسأترك للمتلقي اكتشاف العلاقات التي جاءت بها القاصة من خلال الأحداث التي حصلت والأفعال التي استخدمتها في تشكيل قصتها فضلا عن الأساليب اللغوية الأخرى، كالنفي والاستفهام وغيرها.
التحليل النقدي بقلم الأستاذ " د. بشار ابراهيم نايف *"
القصة في التعليقات
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق