السبت، 27 نوفمبر 2021

إرهاب شباب بقلم : ماهر اللطيف

 إرهاب شباب

بقلم : ماهر اللطيف

مررنا بحي متهالك البنية والأزقة ، جدران منازله  متهرئة وآيلة للسقوط  وطلائها باهت للغاية ، أبوابه بالية وقديمة قدم تخطيط المكان وتقسيمه ونحن في طريق العودة من السوق مترجلين على غير العادة بما أننا خيرنا ممارسة رياضة المشي ولو لبضع الأمتار بعد أن أنهكنا الجلوس خلف مقود السيارة.

فكنا نرى الناس هنا تنظف منازلها وساحاتها بعد أن فتحت أبوابها على مصراعيها ورشت الكثير من المياه فيها إثر إخراجها لأطفالها ليلعبوا في الشارع وذهاب الرجال للسوق للتسوق أو المقاهي لقضاء بعض الوقت فيها مع الأحباب والأصحاب.

فبرزت النسوة في لبستهن التقليدية المعدة لمثل هذه المهام وهن يبذلن مجهودات كبرى وعظيمة غير مكترثات بالمارة والمتطفلين أو من يدقق النظر فيهن وخاصة منهن من كن مرتديات لثوب قصير يظهر نزرا من أفخاذهن أو حتى لباسهن الداخلي.

وكانت زوجتي تشاهد ما يحدث بشغف شديد وهي تدلي بإعجابها بما ترى وترجو قضاء يوم كامل معهن لتشاركهن "هذه المتعة" وتسترجع صغرها في ريفها الذي انحدرت منه وقضت فيه أحلى أيامها ولياليها لما كانت تنظف فناء دارهم الفسيحة مع أخواتها وأمها باستعمال أدوات نظافة تقليدية وطبيعية مستمدة من النباتات والأشواك المتناثرة في هضاب ووديان القرية ، وكانت تسعى أن تقوم بمهمتها على أكمل وجه اتقاء عقاب أمها أو سب إحدى أخواتها ووشايتها لأبيها الذي لن يرضى بهذا التقاعس والتهاون ناهيك وانه رباهم على حب العمل والتفاني فيه...

أما ابني نزار – وهو ابن الثلاثين – فكان يمسك يد ابنه الهادي ويفسر له ما يلحظ ويصعب عليه فهمه – وهو في سن السادسة – بطريقة سلسلة تجعل السامع يستحسنها ويركز معها بغية الاستمتاع بها وأخذ ما يمكن منها ، فكان يضرب مثلا لكل حدث أو فعل مستمد من أفعال وأقوال وحركات الهادي ويختلق أخرى في نفس مستواها ليتمتع بها ابنه...

فتقدمنا خطوات وخطوات في اتجاه منزلنا ونحن نعبر الأزقة والأنهج المؤدية لحينا الراقي في أطراف المدينة، فرأينا مجموعة من الصغار حفاة وشبه عراة يلعبون كرة القدم في ملعب ترابي صغير ممتلئ بالحصي والحجارة وبعض الأعشاب يصيحون ويصفرون ويهتفون ويتلفظون بعبارات مختلفة ومنها البذيئة التي قززت آذاننا واقشعرت لوقعها أجسادنا ، لكننا تجاهلناها وواصلنا طريقنا بعد أن مسكني نزار من يدي وقال لي بصوت خافت : 

- لا تقف أبي ولا تكلمهم حتى لا تسمع ما لا يرضيك

- ( أنا رافضا لما أسمع) لكن الساكت عن الحق شيطان أخرس

- (زوجتي مسمرة النظر في عيني وكأنها تهددني) اسمع ما قاله لك وواصل مشيتك فقد ولى عهد النصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا المجتمع

- (نزار مؤكدا) فعلا لقد انتهى عصر احترام الكبير في السن وتقديره والانحناء لنصائحه وتوجيهاته...

ثم عبرنا زقاقا آخر أين وجدنا ثلة من الأطفال يدهسون بأقدامهم عمدا فيالق النمل التي كانت تحمل مؤونتها لتخزينها لفصل الشتاء وهي تقصد مخابئها السرية.فكانوا يقهقهون ويمرحون ويتلذذون ما يقومون به ، وأحيانا يشعل أحدهم النار في بعضهم ليصيح في البقية "تعالوا انظروا كيف يحترقون ويتصرفون" أو يقطع آخر أرجلهم ليعذبهم ليستمتع هو...

فلم أستصغ هذا المشهد ولم أحبذه – وقد دمعت عينايا واقشعر جسدي حتى رغبت في ضرب هؤلاء الفتية والنيل منهم - ، ولم أنصت لكلام صحبي الجليل وهو يثنيني على هدفي ، فجريت نحوهم صائحا وهائجا:

- اتقوا الله في خلق الله ، كفوا عن هذا الصنيع 

- (فالتفت لي أحدهم وهو لا أظنه يتجاوز العاشرة من عمره مستهزئا) ما بك أيها العجوز؟

- ماذا تفعلون؟

- (آخر في سن الأول تقريبا ) ما شأنك ؟ ابتعد عنا يا عجوز

- (صائحا ومحاولا إبعادهم عن النمل) إن ما تقومون به  جرم عظيم يعاقب عليه الله في الدنيا والآخرة

- (آخر يصغرهم بسنة تقريبا) هل أنت وصي على الحلال والحرام ؟ احرص عليهما وحدك ومن معك ودعك منا ،لا تتدخل في ما لا يعنيك حتى لا تسمع ما لا يرضيك...

- (مقاطعا) اصمت واحترمني فأنا أكبر من أبيك

- (الأول ضاحكا) أبوه لا يتدخل في الناس

- (ساخطا) هل تدرون خطورة ما تقومون به؟

- (الثاني) هذا شأننا وليس شأنك...

وكنت على وشك ضربهم وتأديبهم عوضا عن والديهم لولا منع ابني لي وجبري على المغادرة حين تقدم منا جمع من الأولياء والجيران وهاجمونا بوابل من الشتائم والسب والدفع قبل محاولة الضرب ولم يعرفوا ما يدور هنا ، إذ اكتفوا بمنعنا من التحدث مع أبنائهم مهما كانت الأسباب والظروف ، ف"لهم أولياء أمر يمكن الرجوع لهم لردعهم إذ أخطؤوا أو تجاوزوا حدودهم "كما كانوا يقولون .

وما إن اختفينا عن المكان وأنا أرتعد وأحاول الرجوع لهم للثأر منهم وتأديبهم جميعا حتى قال لي نزار وهو يحاول تهدئتي:

- دعك منهم أبي ، فقد سبق أن نبهتك لمغبة ما قمت به

- (ناظرا إليه نظرة حقد وغل) الحق حق يا نزار ، لا أستطيع أن أبقى مكتوف الأيدي أمام مثل هذه الجرائم

- (مرتبا على كتفه ومبتسما له) لا عليك ، فيكفيك شرف المحاولة أبتاه (ثم حاولت تغيير الموضوع ) هل تتذكر الآية الكريمة التي تتحدث عن سيدنا سليمان والنمل أيها البطل؟

- (ضاحكا في وجهه وقد تفطنت لدهائه ومكره ) نعم ، وردت في سورة النمل الآية 19 حيث قال الله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمان الرحيم " حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون"

- (نزار وأمه) صدق الله العظيم

وانتهز ابني الفرصة ليعيد إلقاء الآية على ابنه وشرحها له شرحا مفصلا يتماشى وسنه ليزرع فيه حب مخلوقات الله وعدم إيذائها مهما كانت الظروف والملابسات درءا للوقوع في المحرمات والمنكرات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق